الاولىالرئيسية

فرنسا وبروباغاندا الإسلاموفوبيـا !!

 

خاص فبراير

مازال العالم  وخاصة  الإسلامى إلى يومنا هذا يضج بردود الفعل بسبب اللاساءة  للرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وللإسلام بصفة عامة نحن نتحدّث هُنا عن فرنسا، والحملة الشّرسة التي يشنّها الرئيس »إيمانويل ماكرون» ضدّ ما يَصِفه بـ(الإسلام المتطرّف)، شمِلَت حتّى الآن إغلاق 328 مسجدًا ومدرسة، وناديًا، كردّ فعلٍ على إقدامِ شابٍّ شيشاني على جريمة قطعه رأس أستاذ تاريخ، تم إعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول كردة فعل على التصرف الوحشي الذي قام به هذا الشاب الشيشاني كانتصار لمقتل الأستاذ «صامويل باتي» دون مراعاة لمشاعر المسلمين في فرنسا وفي العالم، بذريعة الدفاع عن حرية التعبير وبإيعاز مباشر من هرم السلطة في فرنسا الرئيس «ماكرون».

فنحن لا نُجادل مُطلقًا، بأنّ عمليّة القتل للأستاذ على يد المُراهق الشيشاني جريمةٌ مُدانةٌ، وتَحدُث يوميًّا جرائم مِثلها في مُختلف المُدن الأوروبيّة وغيرها، ولكنّ الخطر يَكمُن في تصنيفها في خانة (الإرهاب الإسلامي) وتجريم القاتل، وتحويل الضحيّة إلى بطلٍ، دون أيّ إشارة، أو إدانة، إلى عمله الفاضح، وتوجيه أيّ لومٍ له، الأمر الذي يَصُب في مصلحة نشر العنصريّة والطائفيّة، وتشجيع حُدوث المزيد من الإساءة لدِينٍ سماويٍّ يقترب عدد مُعتَنقِيه من المِليارين.

نعم هُناك مُتطرّفون في أوساط الجاليات الإسلاميّة في أوروبا، ولكنّ هؤلاء يظلّون أقليّة الأقليّة، والمُسلمون (المُعتدلون) الأغلبيّة السّاحقة يُعانون أكثر من نُظرائهم الفرنسيين (اللّيبراليين)، وأقل هذه التّهم هي (الكُفر) والردّة، ومع ذلك يستمرّون في التّعايش، ولكنّ كُل الشرائع لا تُحمّل الأكثريّة مسؤوليّة أفعال الأقليّة إلا في فرنسا ماكرون للأسف التي تتغوّل في ردودِ فِعلها التمييزيّة الانتقاميّة.

ولأن الحادثة وقعت في فرنسا بالذات وهي التي صرح رئيسها قبل فترة وجيزة عن الإسلام بأنه (يعيش أزمة في كل أنحاء العالم)، ظهرت عديد الأطروحات والتأويل التي في غالبها تفتقر للتأصيل والفهم العميق بتداعيات الأحداث وبالخلفيات الثقافية والسياسية والاجتماعية.

يجب التسليم قبل كل شيء بحقيقة مهمة للغاية، وهي أن هناك فجوة ومشكلة حقيقية في واقع الإسلام والمسلمين في فرنسا تشترك فيها الحكومات المتعاقبة التي لم تول هذا الموضوع أهمية كبرى مقارنة بالديانات الأخرى، وكذلك المسلمين أنفسهم الذين لهم أيضا نصيب في مسؤولية تردّي الأوضاع. يرى جزءٌ من الفرنسيين أن فرنسا هي أرض يهودية مسيحية وغالباً ما يكرّر الساسة والرؤساء هذا الأمر بكل صراحة ووضوح في كل مناسبة ذات طابع ديني يهودي أو مسيحي. فالإسلام برأيهم دين دخيل ارتبط وجوده بالهجرة والمهاجرين ودائما ما يثير الجدل بتصرفات وسلوكيات لا تنسجم مع نمط حياة الفرنسيين.

ولقد ارتبطت الصورة الذهنية في المخيلة الفرنسية تجاه الإسلام والمسلمين بعدة تصورات سلبية.

كما أن الصورة النمطية هي أداة الذاكرة الجمعية، فهي قد تغذت على الأحداث التاريخية والحالية وأضفت عليها وسائل الإعلام الطابع التأكيدي، وهذه التصورات كانت نتيجة عدة منعطفات كما ذكرها أحمد حليس أستاذ للغويات الفرنسية في جامعة الرياض المنعطف الأول كان في نهاية الثمانينيات وتحديداً في عام 1989، حين طلب مدير مدرسة إعدادية في مدينة «كراي» من فتاتين نزع حجابهما حتى لا يتسبب ذلك في تفرقة على أساس ديني بين الطلاب، بما أن المدرسة هي فضاء علماني بحت. التحقت بتلك المدرسة عدة مدارس وتم تصعيد الأمر في وسائل الإعلام إلى أن نوقش في جلسة برلمانية، كان حينها الاشتراكي الشهير «ليونال جوسبان» وزيراً للتربية الوطنية. وبما أن فرنسا تدين بالعلمانية في دستورها بنص قانون 1905 الذي ينص على فصل الدين عن الدولة، بحيث تكون الدولة محايدة وعلى مسافة واحدة تجاه كل الأديان، فالدين يبقى ممارسة وحرية فردية وعليه فهي تمنع التمييز بين المواطنين على أساس ديني في مؤسسات الدولة ومنها المدارس. وبعد تداول الموضوع في البرلمان، تم الإقرار بعدم وجود تعارض بين ارتداء للفتيات للحجاب في المدارس ولا يوجد خرق لمباديء العلمانية وليس هناك مشكلة من احترام عادات وتقاليد الفرنسيين المنحدرين من أصول أجنبية. هذا الأمر أثار حفيظة الأحزاب اليمينية واليمين المتطرف على وجه الخصوص، واستمر الصراع وتوظيف مسألة الحجاب سياسيًا في الحكومات المتتالية حتى تم منع ارتدائه نهائيا في المدارس ومؤسسات الدولة، ولاحقا تم منع النقاب في الأماكن العامة في سبتمبر 2010.

أما المنعطف الثاني فكانت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي وضعت المسلمين والإسلام تحت المجهر، وجعلتهم موضع خوف وشك وتم تضييق الخناق على كثير من القضايا المتعلقة بهم،

المنعطف الثالث كان عندما تولّي «نيكولا ساركوزي» وزارة الداخلية أثناء فترة الرئيس الراحل «جاك شيراك»، وتطور الأمر حين تولّى «ساركوزي» مقاليد السُّلطة في 2007 فأسّس وزارة الهجرة والاندماج والهويّة الوطنيّة لأول مرة في تاريخ الجمهوريّة الفرنسيّة، وكان الهدف منها صهر ودمج أي مكوّن ثقافي آخر في القيم الفرنسيّة طواعية أو كرها فكانت العبارة الشهيرة: (فرنسا إما أن تحبها أو تتركها). تلك الفترة كانت من أسوأ الفترات على الإطلاق بالنسبة للإسلام والمسلمين.

وامتدّت بعد ذلك سلسلة قضايا الإسلام: الأطعمة الحلال، النقاب في الأماكن العامة السجون، المقابر الإسلاميّة، تأهيل الأمّة، الدعم الأجنبي لمساجد الجاليات، المشاركة في الجهاد العالمي وغيرها. فخرجت الأصوات الإقصائيّة التي تتحدث عن عدم مناسبة الإسلام وانسجامه مع مبادئ الجمهوريّة وسُلّمت لها المنابر فساهمت وسائل الإعلام بتكريس هذه الصورة عن الإسلام والمسلمين. ولم يصبح الإسلام مجرّد دين كغيره من الأديان فحسب بل تم اعتباره هويّة موازية تتعارض مع الهوية الوطنيّة الفرنسيّة التي يرمز لها بتمثال “ماريان. فكان لسان الحال يقول: الإسلام دين أجنبي والمسلمون ليسوا مواطنين من الدرجة الأولى. وأصبح الحديث عن الإسلام والمسلمين يقود بالضرورة للحديث عن المهاجرين، الأمر الذي شكّل مقاربة سياسية واجتماعية تركّز على التبعات الاجتماعية والاقتصادية للمهاجرين ولا تنظر للبعد الروحي للإسلام أو حتى السلوك الروحي للمسلمين. ويرى المنصفون أن قانون العلمانية استخدم بطريقة تعسفية وبسياسة الكيل بمكيالين حينما يتعلق الأمر بالمسلمين لتحقيق مكاسب سياسية وخصوصا في حلبات الصراع السياسية بين الأحزاب اليمينية على وجه الخصوص وحتى اليسارية منها، لا سيما في عهد الرئيس هولاند ووزير الداخلية ورئيس الوزراء إيمانويل فالس.

حتى أن بعض الأطروحات كانت تتحدث عن كون هناك خشية واضحة من انتشار الإسلام بفرنسا وكيف أصبح يشكّل تهديدا صريحا للهوية الكاثوليكية لفرنسا، لذلك يتم اللجوء للعلمانية كحاجز صد أمام امتداد الإسلام المرتبط بالإسلاموية. لذلك انتشرت عدة عبارات صادمة مثل الحرب بين الحضارة اليهودية-المسيحية والإسلام“، و”الفاشية الإسلامية“وغيرها. وأصبح الإسلام حاضرا على طاولة النقاشات والمزايدات السياسية في كل مرحلة انتخابية،

إن إخفاق السياسيين في معالجة المشكلات الحقيقية للمجتمع جعل من السهل رمي الفشل في احتواء أطياف المجتمع المختلفة على الهويّات الأجنبية والضعيفة اجتماعيا والتي لا تستطيع الدفاع عن نفسها أو يسهل تحميلها المسؤولية، كونها لا تملك تمثيلا أو تكتّلا اجتماعيّا واضحا ومتماسكا ومنظما مقارنة بغيرها من الديانات. هذا الشعور عزّز بروباغاندا (الإسلاموفوبيا)، أي الخوف من الإسلام من حيث أن فرنسا في حالة حرب مع الإسلاموية والإسلامويين وبالتالي فإن الإسلام هو العدو الداخلي. وعليه يلجأ الساسة إلى هذا العنصر للتورية وصرف النظر عن المشاكل الاقتصادية في المقام الأول. وتشكّلت حالة من اعتبار الإسلام والمسلمين (عالة)، و(عبئا) على فرنسا وصلت لحد تبنّي قانون إسقاط الجنسيّة وسحب الجنسية من الفرنسيين المنحدرين من أصول أجنبية في حال ارتكاب أي فعل قد يخلّ بالأمن الوطني، فكان القانون يستهدف المسلمين على وجه الخصوص!

وبلا أدنى شك، هناك معضلة حقيقة تكتنف وجود المسلمين هناك، وهو أن المكوّن الإسلامي ما يزال غائبا عن المشهد السياسي أو مشتّتا بين الأحزاب السياسية وحضور المسلمين ليس له أي ثقل، وهم أقل تفاعلا في الحياة السياسية بسبب سوء الاندماج وعزوف المهاجرين في الاشتغال بالسياسة،

وقد تم العمل منذ نهاية التسعينيات على تبني سياسة ضبط المكوّن الإسلامي في فرنسا وتم إنشاء مجالس وهيئات إسلامية بغرض خلق تمثيل يمكنها من أن تصبح متحدّثا باسم مسلمي فرنسا، نذكر منها على سبيل المثال المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، وهي الممثل الرسمي الوحيد للمسلمين بفرنسا٬ بالإضافة إلى (الجمعية ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا)، وقد تم تهديد الأخيرة بحلها. لم تجد برأيي هذه الجمعيات الفرصة والدعم الكافي كي تقوم بدور كبير في لمّ الشّتات في الرؤية والاتّحاد في الموقف.

ولهذا يمكننا القول بإن قضية نشر الرسوم المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام هي المنعطف الخامس في تاريخ الإسلام في فرنسا فالقضية أكبر من مسألة حرية تعبير بقدر ما هي تعبير عن حالة الرّفض والاستياء من الوجود الإسلامي في فرنسا وفقد السيطرة والظهور بمظهر الضحيّة. لذلك جاءت ردة الفعل فيها أقوى بكثير من سابقاتها، وتم إعادة نشر الرسوم في كل مكان وبإيعاز مباشر وصريح من الرئيس ماكرون، وهذا في الحقيقة سلوك يفتقر للدبلوماسيّة، أساء لصورة فرنسا في العالم الإسلامي ولن يحل المشكلة بل سيفاقمها أكثر.

ومع تواصل المواقف وردود الفعل الغاضبة التي تسببت بها الرسوم الكاريكاتيرية الفرنسية المسيئة للرسول الكريم محمد(ص)،

ومع إدانة العديد من الدول الإسلامية للأعمال الفرنسية المعادية للإسلام بالإجماع، تم إطلاق حملات مقاطعة للمنتجات الفرنسية على وسائل التواصل الاجتماعي، وأزالت بعض البلدان المنتجات الفرنسية من على الرفوف في الأسواق.

وأصيبت وزارة الخارجية الفرنسية بالذعر مع تزايد الدعوات إلى المقاطعة بشكل كبير حيث، أصدرت الوزارة قبل أيام بيانا خطيا دعت فيه إلى وقف هذه المقاطعة.

وحملات المقاطعة الحالية وبحسب بعض الخبراء، ستؤثر سلباً على الاقتصاد الفرنسي خصوصاً وأن العالم اليوم يعيش أزمات ومشكلات اقتصادية كبيرة بسبب وباء كورونا. وستجبر الحكومة الفرنسية على تقديم اعتذار رسمي عن الإساءات المستمرة بحق الإسلام والمسلمين. وترتبط فرنسا مع دول الشرق الأوسط، وخاصة دول الخليج العربي وشمال إفريقيا بروابط اقتصادية قوية تجارية واستثمارية، منها القطاع التجاري: الغذاء، والدواء، والعطور، والأزياء، والإلكترونيات، والسيارات، والمشروبات …، وكذلك قطاعات الزراعة والنقل والطيران والقطارات والاتصالات، والكيماويات، والسلاح.

وأصدرت وزارة الخارجية الفرنسية في وقت سابق بيانًا، طالبت فيه بإيقاف حملات المقاطعة من حكومات الدول العربية والإسلامية.

وجاء في البيان أن (الدعوات إلى المقاطعة عبثية ويجب أن تتوقف فورًا، وكذلك كل الهجمات التي تتعرض لها بلادنا)، وأضافت أنه : في عديد دول الشرق الأوسط برزت في الأيام الأخيرة دعوات إلى مقاطعة السلع الفرنسية، خاصة الزراعية والغذائية، إضافة إلى دعوات أكثر شمولًا للتظاهر ضد فرنسا في عبارات تنطوي أحيانًا على كراهية نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. واعتبرت هذه المقاطعة من ذات طبيعة الأعمال الإرهابية التي تصدر عن أقلية متطرفة، وفق تعبيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى