رأي

أخلاقنا‭ ‬في‭ ‬رمضان

  ‬إسماعيل‭ ‬الصغير

مع‭ ‬إشراقة‭ ‬هلال‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬لا‭ ‬تتبدّل‭ ‬مواقيت‭ ‬الطعام‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تتجدّد‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬معاني‭ ‬السموّ‭ ‬والارتقاء‭. ‬إنه‭ ‬شهر‭ ‬تتقدّم‭ ‬فيه‭ ‬الأخلاق‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬وتغدو‭ ‬معيارًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لصدق‭ ‬الصيام‭ ‬وقبوله؛‭ ‬فليس‭ ‬الصوم‭ ‬امتناعًا‭ ‬عن‭ ‬الطعام‭ ‬والشراب‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مدرسة‭ ‬تربوية‭ ‬تُعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬السلوك‭ ‬وتزكّي‭ ‬الروح‭.‬

لقد‭ ‬لخّص‭ ‬النبي‭ ‬جوهر‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬في‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬من‭ ‬لم‭ ‬يدع‭ ‬قول‭ ‬الزور‭ ‬والعمل‭ ‬به‭ ‬فليس‭ ‬لله‭ ‬حاجة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يدع‭ ‬طعامه‭ ‬وشرابه‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأخلاق‭ ‬هي‭ ‬روح‭ ‬العبادة‭ ‬ولبُّها‭. ‬وفي‭ ‬رمضان‭ ‬تتجلّى‭ ‬قيمة‭ ‬الصدق‭ ‬في‭ ‬المعاملة،‭ ‬والرحمة‭ ‬في‭ ‬التعامل،‭ ‬والصبر‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الاستفزاز،‭ ‬وكأن‭ ‬الصائم‭ ‬يوقّع‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬عهدًا‭ ‬جديدًا‭ ‬مع‭ ‬ذاته‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أرقى‭ ‬خُلقًا‭ ‬وأصفى‭ ‬سريرة‭.‬

رمضان‭ ‬فرصة‭ ‬لمراجعة‭ ‬الذات‭ ‬قبل‭ ‬محاسبة‭ ‬الآخرين؛‭ ‬أن‭ ‬نكفّ‭ ‬ألسنتنا‭ ‬عن‭ ‬الغيبة،‭ ‬وأن‭ ‬نروّض‭ ‬أعصابنا‭ ‬على‭ ‬الحلم،‭ ‬وأن‭ ‬نُحسن‭ ‬الظن‭ ‬بالناس‭. ‬فكم‭ ‬من‭ ‬خصومة‭ ‬أطفأها‭ ‬اعتذار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬قلب‭ ‬أصلحه‭ ‬عفوٌ‭ ‬صادق‭. ‬الصائم‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يصوم‭ ‬بلسانه‭ ‬عن‭ ‬الأذى،‭ ‬وبقلبه‭ ‬عن‭ ‬الحقد،‭ ‬وبجوارحه‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يُنقص‭ ‬من‭ ‬أجره‭.‬

وفي‭ ‬مجتمعنا،‭ ‬حيث‭ ‬تتسارع‭ ‬وتيرة‭ ‬الحياة‭ ‬وتتزايد‭ ‬الضغوط،‭ ‬يقدّم‭ ‬رمضان‭ ‬نموذجًا‭ ‬عمليًا‭ ‬للتكافل؛‭ ‬موائد‭ ‬تُمدّ،‭ ‬وصدقات‭ ‬تُعطى،‭ ‬وأيادٍ‭ ‬تمتدّ‭ ‬بالعون‭ ‬دون‭ ‬منٍّ‭ ‬ولا‭ ‬أذى‭. ‬هنا‭ ‬تتجسّد‭ ‬الأخلاق‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬صورها‭: ‬تضامنٌ‭ ‬يُشعر‭ ‬المحتاج‭ ‬بأنه‭ ‬جزء‭ ‬أصيل‭ ‬من‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ورحمةٌ‭ ‬تُذكّرنا‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬خير‭ ‬الناس‭ ‬أنفعهم‭ ‬للناس‮»‬‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬أخلاق‭ ‬رمضان‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬موسمية؛‭ ‬فالتحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬بعد‭ ‬انقضاء‭ ‬الشهر،‭ ‬حين‭ ‬نُطالب‭ ‬بترجمة‭ ‬ما‭ ‬تعلّمناه‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬دائم‭. ‬فالموظف‭ ‬الذي‭ ‬التزم‭ ‬الأمانة‭ ‬في‭ ‬عمله‭ ‬خلال‭ ‬رمضان،‭ ‬والطالب‭ ‬الذي‭ ‬تحلّى‭ ‬بالانضباط،‭ ‬وربّ‭ ‬الأسرة‭ ‬الذي‭ ‬أدار‭ ‬بيته‭ ‬بالحلم‭ ‬والتسامح،‭ ‬كلهم‭ ‬مطالبون‭ ‬بأن‭ ‬يجعلوا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬منهج‭ ‬حياة‭ ‬لا‭ ‬ظرفًا‭ ‬عابرًا‭.‬

إن‭ ‬أخلاقنا‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬ليست‭ ‬شعارات‭ ‬تُرفع،‭ ‬بل‭ ‬أفعال‭ ‬تُمارس‭. ‬هي‭ ‬ابتسامة‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬عابر،‭ ‬وكلمة‭ ‬طيبة‭ ‬تُطفئ‭ ‬غضبًا،‭ ‬وصبرٌ‭ ‬عند‭ ‬الشدّة،‭ ‬وإحسانٌ‭ ‬بلا‭ ‬انتظار‭ ‬مقابل‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الصوم‭ ‬سرًّا‭ ‬بين‭ ‬العبد‭ ‬وربه،‭ ‬فإن‭ ‬الأخلاق‭ ‬هي‭ ‬الشهادة‭ ‬العلنية‭ ‬على‭ ‬صدق‭ ‬هذا‭ ‬السر‭.‬

فليكن‭ ‬رمضاننا‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬نقطة‭ ‬تحوّل،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬محطة‭ ‬زمنية‭. ‬ولنجعل‭ ‬من‭ ‬أخلاقنا‭ ‬عنوانًا‭ ‬لصيامنا،‭ ‬ومن‭ ‬سلوكنا‭ ‬رسالةً‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم‭. ‬فالأمم‭ ‬تُقاس‭ ‬بأخلاقها،‭ ‬والأفراد‭ ‬يُعرفون‭ ‬بمواقفهم،‭ ‬ورمضان‭ ‬هو‭ ‬الفرصة‭ ‬الذهبية‭ ‬لنكون‭ ‬كما‭ ‬نحب‭ ‬أن‭ ‬نُرى‮…‬‭ ‬وكما‭ ‬يحب‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬نكون‭.‬

  ‬دمتم‭ ‬بخير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى