أي مياه نشرب؟! في ظل ضعف الـــمؤسسات .. الرقابة على الجودة تــختلف من فترة إلى أخرى
عبير أبو عافية

لأنَّ الماءَ في ليبيا ليس مجرد «سلعة»، بل عصب حياة في بلد يعتمد على المياه الجوفية العميقة )النظام الجوفي النوبي، ومشروع النهر الصناعي( وبعض التحلية الساحلية، مع سوق واسع للمياه المعبأة ومياه الصهاريج للأحياء غير المخدومة. أي خلل في المصدر، أو المعالجة، أو التعبئة والتخزين قد ينقل الملوثات سواء أكانت: ميكروبية، كيميائية، أم نواتج تعقيم.
ملاحظة مهمة: انتشرت مؤخرًا مزاعم تربط “معظم حالات السرطان بشركات المياه”. علميًا، لا يجوز الجزم بهذه النسبة بلا دراسات وبائية محكمة تربط التعرض بمرور الزمن بالنتائج.
لكن توجد ملوثات معروفة مسرّطنة عندما تتجاوز الحدود الإرشادية مثل )الزرنيخ، وبعض نواتج التطهير(، ما يجعل التحقَّق، والرقابة واجبًا لا خيارًا.
ما الأنواع المتداولة؟
شبكة المياه العامة: تأتي غالبًا من آبار عميقة، أو محطات تحلية، تُعقَّم )غالبًا بالكلور(. جودة المياه تتفاوت بين المدن، وحسب حالة الشبكات والخزانات.
المياه المعبأة: محلية، أو مستوردة، منها ما هو مياه طبيعية )ينابيع-آبار( ومنها محلاة-مفلترة «RO»، ثم يُعاد تمعدنها لتحسين الطعم.
مياه الصهاريج والخزانات المنزلية: حلٌّ اضطراري لكنه الأعلى مخاطرة إذا غابتْ الصيانة-التطهير، أو استُخدمت خزانات متسخة، ومعرّضة للشمس.
المياه المُعاد تعبئتها «محطات محلية صغيرة»: تتفاوت جدًا في الالتزام بالاشتراطات، وبعضها يعمل دون رقابة كافية.
شركات تعبئة المياه في ليبيا
في ليبيا يوجد عددٌ كبيرٌ من الشركات المحلية لإنتاج المياه المعبأة، أغلبها يتبع القطاع الخاص، ومن أشهر الأسماء في السوق:
مياه النبع «شركة النبع لإنتاج وتعبئة مياه الشرب»).
مياه دجلة-مياه الحياة-مياه الشفاء-مياه الجوهرة-مياه المرج-مياه الواحة…
إضافة إلى عشرات العلامات التجارية الصغيرة المنتشرة في مناطق مثل : طرابلس، بنغازي، مصراتة، سبها، الجبل الأخضر.
ملاحظة: الكثيرُ من هذه الشركات تحصل على تراخيص من مركز الرقابة على الأغذية والأدوية، لكن مستوى الرقابة على الجودة يختلف من فترة لأخرى، خاصة مع ظروف الحرب، وضعف المؤسسات.
الشبهات حول علاقتها بالسرطان
انتشرتْ في السنوات الأخيرة 2022 – 2024 تقارير صحفية وتصريحات من أطباء، ومختصين تؤكد أنَّ ارتفاع نسب الإصابة بالأورام في ليبيا قد يكون له علاقة مباشرة بعدة عوامل، من بينها:
رداءة نوعية المياه المعبأة:
بعض الشركات تستخدم مياه آبار غير معالجة جيدًا، وقد تحتوي على نسب عالية من الأملاح الثقيلة، أو البكتيريا.
ضعف أنظمة الترشيح «RO»، والتعقيم يجعل المياه تحمل ملوثات كيميائية، وميكروبية.
المواد البلاستيكية:
زجاجاتُ المياه البلاستيكية المصنَّوعة من مادة PET قد تطلق مواد ضارة إذا تعرضتْ للشمس، أو سوء التخزين خاصة في المستودعات، والسيارات تحت حرارة عالية.
مواد مثل : البيسفينول«ABPA» مرتبطة عالميًا بمشكلات صحية منها السرطان.
غياب الرقابة المستمرة:
في عدة تقارير صادرة عن مركز الرقابة على الأغذية والأدوية، تم سحب عينات من بعض الشركات وظهرتْ نتائج غير مطابقة للمواصفات.
هناك شركات توقفتْ عن الإنتاج بسبب هذه المشكلات، لكن الكثير يعودون للعمل بأسماء تجارية جديدة.
كيف يمكن أن يتحوّل الماءُ إلى «سمّ قاتل»؟
تلوّث ميكروبي: وجود E.coli أو القولونيات البرازية= مؤشر تلوّث برازّي، ويرتبط بأمراض خطيرة خاصةً للأطفال وكبار السن.. السبب: اختلاط بالمجارير، خزانات ملوثة، صهاريج غير معقّمة.
نترات عالية «>50 ملغم/لتر»: خطرة على الرضّع )متلازمة الطفل الأزرق(، وقد تُسهم مع عوامل أخرى في مخاطر صحية على المدى الطويل.
معادن سامة: زرنيخ )>10 ميكروغرام/لتر(، رصاص )>10 ميكروغرام/لتر(، كادميوم… مصدرها جيولوجي أو أنابيب قديمة/لحامات غير آمنة/فلاتر سيئة الصنع.
نواتج التعقيم مثل )ثلاثي هالوميثان THMs(: تتكوّن عند تفاعل الكلور مع مواد عضوية..ضبط الجرعات والمعالجة المسبقة يقللها..تجاوز الإرشادات يزيد المخاطر المزمنة.
مركبات ناشئة: PFAS، بقايا مبيدات، نتروزأمينات… تحتاج مختبرات قادرة وحدودًا مرجعية واضحة.
التخزين الخاطئ: خزانات بلا أغطية، تتعرّض للحرارة والشمس، إعادة تعبئة قارورات PET أحادية الاستعمال مرارًا كلها ترفع نمو الطحالب/البكتيريا وقد تسرّع هجرة بعض المركبات من البلاستيك في ظروف حرارة عالية.
)مياه الليل( .. هل هي صحية؟
لا وجود لميزة علمية لوقت التعبئة بحد ذاته. الجودة تُحسم بـالمصدر، المعالجة، التعبئة المعقّمة، وسلسلة النقل والتخزين. عمليًا، تعبئة/نقل بعيدًا عن الشمس قد يقلل ارتفاع الحرارة الذي يفسد الماء أو الحاويات، لكن الليل ليس ختم جودة. ابحث عن نتائج التحاليل الدورية وبيانات الدُفعاتnot التوقيت.
هل الرقابة موجودة… وهل تؤدي دورها؟
الإطار المثالي يتطلّب: لوائح مواصفات وطنية لماء الشرب والمعبأ، ترخيص دوري، زيارات تفتيش مفاجئة، وتحاليل طرف ثالث مستقل، مع نشر علني للنتائج )لوحات شفافية(.
الواقع في ليبيا: تتفاوت القدرة الرقابية بين المدن، وتتأثر بالأمن والموارد والمختبرات. لهذا تُعد تقارير WHO/UNICEF/OCHA مرجعًا متكرّرًا بوجود فجوات في خدمات WASH ببعض البلديات، ما ينعكس على المخاطر.
توجد رقابة في قطاعات، لكنها بحاجة إلى تقوية مختبرية وموازنات وشفافية ونشر نتائج دوري يثق به المواطن.
كيف يميّز المواطن الماء الجيد من الرديء؟
بطاقة بيان صريحة: اسم المصدر/الآبار، العنوان، رقم الترخيص، تاريخ الإنتاج والدفعة، خط ساخن للشكاوى. غياب هذه التفاصيل علامة حمراء.
نتائج تحليل دورية: ابحث على العبوة أو موقع الشركة عن مؤشرات أساسية:
E.coli: صفر/100 مل.
النترات: 50 ملغم/لتر.
الزرنيخ والرصاص: 10 ميكروغرام/لتر لكلٍ منهما.
الفلوريد: تقريبًا 0.7 1.5 ملغم/لتر )حسب المناخ/الجهات التنظيمية(.
الرقم الهيدروجيني pH: 6.5 8.5.
TDS/المعادن الذائبة: ليس حدًا صحيًا صارمًا، لكنه يؤثر على الطعم )يفضّله كثيرون بين 50 300 ملغم/لتر(.
الشكل والسلسلة الباردة: تجنّب العبوات المخدوشة/المتورّمة، واحذر القوارير المعروضة تحت الشمس، أو داخل سيارات ساخنة.
لا تُعد استخدام عبوات PET أحادية الاستعمال، ولا تُخزّنها أكثر من اللازم.
الفلاتر المنزلية: اختر ما يحمل اعتماد NSF/ANSI 42/53/58 وفق الملوّث المستهدف )كل فلتر له حدود(. بدّل الأغشية والشموع في مواعيدها؛ الفلتر المهمل مصدر تلوّث.
خزانات المنازل: نظّفها وفحِّمها دوريًا، وأغلقها بإحكام، واستعمل مطهّرات بجرعات مدروسة.
الإبلاغ: أي تغيّر مفاجئ في الطعم/الرائحة/العكارة صوّر العبوة وبلّغ الجهة الرقابية والشركة.
عن «شركات المياه والسرطان»: كيف نقرأ الادعاء؟
ما نعرفه علميًا: التعرض المزمن لـزرنيخ أو رصاص أو تركيزات مرتفعة من THMs رُبط بمخاطر صحية )منها سرطانات معيّنة( عند تجاوز الإرشادات ولفترات طويلة.
ما نحتاجه ويفتقده النقاش العام:
- قياسات مخبرية مستقلة منتظمة لعلامات الخطر في العلامات التجارية الأكثر استهلاكًا.
- دراسات تعرض استجابة تربط مناطق/مصادر ماء محدّدة بمعدلات مرضية عبر الزمن.
- إفصاح إلزامي من الشركات بنتائج التحاليل (بكتريولوجية/كيميائية) كل ربع سنة على مواقعهم وملصقاتهم.
إلى حين صدور دراسات قاطعة، يجب التعامل مع الملف بمنهج وقائي: اختبار إفصاح رقابة جزاءات عند المخالفة.
أين نضع أصابع الاتهام عمليًا؟
- محطات تعبئة صغيرة غير مرخّصة تتلاعب بالمصدر أو لا تملك تعقيماً سليماً.
- سلاسل توزيع سيئة: شاحنات مكشوفة، مخازن حارة، رفوف تحت الشمس.
- شبكات داخلية متقادمة في مؤسسات عامة )مدارس/مشافي( مع خزانات ملوثة.
- انقطاع الكهرباء وتعطّل المضخات/التحليةما يُضعف التعقيم أو يغيّر ضغط الشبكات ويُدخل ملوثات راجعة.
ما الذي يجب على الدولة فعله الآن؟
نشر مواصفات وطنية ملزمة لماء الشرب والمعبأ متوافقة مع WHO/Codex.
تفتيش مفاجئ ربعي على مصانع المياه ومحطات التعبئة وخطوط الغسل والتعبئة والغطاء.
اختبارات طرف ثالث (جامعات/مختبرات معتمدة) مع لوحة شفافية عامة تُحدَّث شهريًا لكل علامة تجارية.
تتبع الشكاوى عبر منصة موحّدة، وربطها بمخالفات وجزاءات معلنة.
تأهيل مختبرات البلديات وتزويدها بأجهزة قياس المعادن الثقيلة وTHMs وPFAS إن أمكن.
التواصل مع الجمهور: كتيّبات وإعلانات توعوية حول الخزانات المنزلية، الفلاتر، وطرق التخزين.
المياه المعبأة في ليبيا ليست كلها آمنة. بعض الشركات الموثوقة تمر بمعايير جيدة، لكن جزءًا كبيرًا يعمل دون رقابة صارمة.
السرطان في ليبيا سببه مجموعة عوامل )التلوث، الغذاء، البيئة، التدخين، ضعف العلاج(، لكن المياه الرديئة والمخزنة في عبوات بلاستيكية سيئة تمثل عامل خطر رئيس.
الحل يكمن في:
- فرض رقابة صارمة من مركز الرقابة.
- نشر الوعي حول تخزين المياه بعيدًا عن الحرارة والشمس.
- تشجيع استخدام الفلاتر المنزلية الموثوقة كبديل للمياه الرديئة.
أجرَتْ الصحيفةُ استبيانًا ميدانيًا وإلكترونيًا عميقًا شمل عينة مكوّنة من 1000 شخص من مختلف المدن الليبية )طرابلس، تاجوراء الخمس. بنغازي، مصراتة، سبها، زوارة، البيضاء، غريان(، وخلصت نتائجه إلى ما يلي:
1. نوعية المياه المستخدمة للشرب.
58% يعتمدون على مياه التعبئة )المياه المعدنية(.
27% يشربون من مياه الآبار أو الخزانات المنزلية.
15% يعتمدون على مياه النهر الصناعي مباشرة بعد الغلي، أو التصفية.
2. مدى الثقة في المياه المعبأة )المصانع، والشركات(.
34% يثقون بأنها صالحة، وآمنة.
42% يرون أن بعض الشركات لا تُراعي المعايير الصحية.
24% لا يثقون مطلقًا بالمياه المعبأة، ويعدونها «تجارة فقط».
3. مدى وعي المستهلك بارتباط المياه بأمراض خطيرةمثل :
)السرطان والكلى(:
61% مقتنعون بوجود علاقة قوية.
22% غير متأكدين، ويحتاجون لدليل علمي.
17% يرفضون الربط بين المياه والأمراض.
4. حول المياه المستهلكة ليلًا )المخزّنة في الثلاجات، أو الخزانات البلاستيكية(:
49% يعتقدون أنها قد تصبح غير صحية بعد ساعات بسبب تفاعلها مع البلاستيك.
36% يرون أنها لا تشكل خطورة كبيرة.
15% لا يبالون بهذا الموضوع أساسًا.
5. هل هناك حاجة لرقابة حكومية أكثر صرامة على شركات المياه؟
87% أجابوا : «نعم وبشدة».
9% قالوا : «الرقابة كافية».
4% قالوا : «لا فائدة من الرقابة أصلاً».
نتائج الاستبيان :
تكشف النتائج عن أزمة ثقة واضحة بين المواطن الليبي ومصادر المياه، سواء أكانت مياه معبأة، أم مياه آبار، أو حتى مياه النهر الصناعي.
كما أن أغلب المستهلكين يربطون بشكل مباشر بين المياه غير النقية وارتفاع نسب الأمراض الخطيرة، وهو ما يعكس الحاجة العاجلة لرقابة حكومية صارمة، وشفافية أكبر من قبل الشركات المنتجة، بالإضافة إلى تعزيز الوعي الصحي بين المواطنين.
قراءة تحليلية:
الاستبيان يكشف أن 6 من كل 10 ليبيين يعتمدون على المياه المعبأة رغم ضعف الثقة فيها.
أكثر من ثلث المستجيبين )37%( ربطوا بين استهلاك المياه ومشكلات صحية خطيرة.
هناك طلبٌ شعبي واضح على تشديد الرقابة )68%( واعتبار المياه قضية أمن قومي.