
كان هو الرجلُ الأطول قامةً في حيّهم المتواضع، بل كان بطولٍ مبالغ فيه، ورغمًا عن طوله ذاك كان قصير الجمل، قليل الكلام .
كان يخشاه الجميع لفرط طوله، وكان يعلم أنهم يسمونه خفية بـــ )البالة .. انجانجو .. لونقوو( الخ..
لم يبالِ بذلك، وكأن الأمرَ لم يكنْ يعنيه، فقد كان مزهوًا بنفسه معتدًا بها، فهو رجل عامل بيديه وصاحب صنعة، ولكونه بلا عائلة، وقليل المصاريف، لربما كان أفضلهم حالاً، ولطالما قصده الجميع، ولم يخيب أي احد منهم، حتى لو كان ممن يُعيرونه خُفية بطوله.
همّ وحيد كان يشعل باله، وهو باب بيته العتيق، فقد كان قصيرًا جدًا ويجبره على الانحناء .
)رجل طويل معتد بنفسه ولا يبال بالعالم، ويذله باب قصير لبيت عتيق !!(.
كان يردَْد هذا في سره، كلما عاد من عمله، وهمّ بالدخول لذلك البيت .
ذات يوم شاهده جيرانه، وهو يعود باتجاه بيته، ويحمل على كتفه فأسًا كبيرة، راقبوه من بعيد حتى لحظة وصوله لذاك الباب، مسك الفأس بكلتا يديه، وبقوة ذراعيه هوى عليه وحطمه بالكامل، رمى بالخشبِ بعيدًا، ثم أخذ يهوي على الحجارة أعلى الباب، فزاد منسوب ارتفاعه حتى ناسب طول قامته.
بعد أن انهى عمله رمى بالفأس على كومة الخشب والحجارة، اغمض عيناه وأخذ نفسًا عميقًا، ودخل ولأول مرة لبيته برأس مرفوع .
في ثورته تلك، شاهد الجيران مشهد دخوله المهيب ذاك كاملاً، لكنهم أبدًا لم يرونه، وهو يرتمي على سريره، يمد رجليه، وقدميه خارج الغطاء كما تعود دائمًا، فهو ومن زمن طويل لم ينم، وقدماه بداخله.
اغمض عيناه وسرعان ما نام على جانبه الأيمن، نومًا عميقًا، لا هواجس، لا كوابيس.
فقط راوده حُلمٌ بأنه «العزير»، ودون عنب ولا حمار، وسينام مئة عام، وحين يصحو سيجد كل جيرانه بالحي، اطول منه قامة، وكل بيوتهم عتيقة، وأبوابها قصيرة .



