
في ساعات الصباح الأولى، حين يفترض أن تكون الجامعة فضاءً للأمل والمعرفة، بدت جامعة طرابلس أشبه بمحطة تعبٍ طويلة. وجوه شاحبة، عيون مرهقة، وحقائب مثقلة لا بالكتب فقط، بل بالقلق والخوف من امتحانٍ قادم ومنهجٍ لا ينتهي. هنا، لا يملك الطالب رفاهية السؤال عن جودة التعليم، بقدر ما يسأل: كيف ننجو؟
شهد عبد الحفيظ
في جولة سريعة بين كليتي« الطب البشري، والصيدلة»، تتكشّف أولى ملامح الأزمة طالبة في سنتها الثالثة تقول بنبرة تجمع بين الغضب والانكسار:
قاعات الامتحانات لا تليق بطالب طب، الوقت ضيق، والامتحانات العملية والنظرية ورا بعضها، والدكاترة ينزلوا الشيتات في آخر لحظة، نطلع من مادة وندخل في مادة، مافيش وقت حتى نلتقط أنفاسنا.
تراكم المحاضرات، وضغط الامتحانات، وغياب أي اعتبار للحالة النفسية للطالب، جعل العملية التعليمية أقرب إلى استنزاف يومي.
طالبة أخرى تضيف:
كل أسبوع ينزلوا شيتين لكل مادة، وكل شيت أغلظ من اللي قبله، وفي أسبوع واحد نلقوا رواحنا نقروا 8 شيتات غير مادة المصطلحات الطبية اللي تنزل دفعة وحدة، ويقعدوا ينزلوا لين يوم الامتحان..
أمام هذا الضغط، يلجأ أغلب الطلبة إلى الكورسات الخاصة، لا لقناعتهم بها، بل كخيار إجباري في ظل شكاوى متكرَّرة من ضعف الشرح، والزحمة داخل القاعات الدراسية.
بعض الطلبة يعترفون صراحة بأنهم لا يحضرون محاضرات بعض الأساتذة، اعتمادًا على ما يُتداول عن ضعف الأداء الأكاديمي.
«كل شيء بالفلوس» .. حتى أبسط الحقوق
في مشهد صادم، تقول إحدى الطالبات:
حتى الحمام بدينار كل شيء صار بالفلوس.
مبانٍ متهالكة، قاعات غير مهيأة، وتأخير متكرَّر في بدء الامتحانات بسبب نقص المراقبين.
أحد الطلبة يروي:
الامتحان يبدأ الساعة 2، لكن أمس بدينا 2 ونص، وطلعونا 4 بالزبط، وما عوضوناش الوقت اللي ضاع.
ورغم أنَّ هذه الممارسات لا تعمّ جميع اللجان، إلا أن تكرارها يعكس خللًا إداريًا يدفع ثمنه الطالب وحده.
فوضى التنسيق
ومنهج «يُعلف»
الانتقادات لم تتوقف عند البنية التحتية، بل طالت منسقي المواد يصفهم طلبة بمرارة:
ناس من غير إحساس، يحطوا في المنهج زَّي الرز، كأنهم يعلفوا فينا.
في المقابل، يشتكي طلبة من ظاهرة أخرى لا تقل خطورة: إرسال تجميعات الكورسات الخاصة إلى مجموعات الأساتذة، ما يدفع بعضهم حسب الطلبة إلى تجنب تلك الأسئلة، ليصبح الطالب ضحية صراعات جانبية لا علاقة لها بالتحصيل العلمي.
كلية القانون .. المعرفة بثمنٍ باهظ
في كلية القانون، تختلف التفاصيل لكن المعاناة واحدة. هنا، يشكو الطلبة من غياب الكتب الجامعية واضطرارهم لشرائها على نفقتهم الخاصة.
طالبة في السنة الأولى تقول:
اشتريتُ خمسة كتب مقرَّرة، أكثر من 300 دينار، ووالدي يعولُ أكثر من أسرة.. كيف نكمل؟.
كل دكتور يفرض كتابًا، وأقل كتاب لا يقل عن 45 دينارًا، إضافة إلى «الشيتات»،. وكتابة المحاضرات.
وفي بلدٍ نفطي، يتساءل الطلبة: لماذا لا توفّر الجامعة الكتب مجانًا؟
طالبة أخرى تضيف:
المنهج واضح، لكن الأسئلة صعبة وتحتاج تركيزًا عاليًا ليش يعجزوا في الطلبة؟، وفي الآخر نلقى روحي راسبة.
ختامـــــًا
جامعة تُرهق أبناءها بدل أن تحتضنهم.
ما يحدث داخل جامعة طرابلس ليس مجرد شكاوى عابرة، بل أزمة تعليمية مركّبة، تتقاطع فيها سوء الإدارة، وضعف البنية التحتية، وغياب التخطيط الأكاديمي، مع ضغوط نفسية واقتصادية خانقة يعيشها الطالب .
طالب الطب الذي يُفترض أن يُعدّ لإنقاذ الأرواح، يُستنزف نفسيًا قبل أن يتخرج.
وطالب القانون الذي يُفترض أن يتسلّح بالعدالة، يُثقل بالديون، والكتب المدفوعة. وبين هذا وذاك، تقف الجامعة كمؤسسة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من بيئة تعليمية عادلة ومحفّزة.
محمود طالب طب بشري السنة الثالثة :
نفيق من 6 الصبح، نقعد نقرى لنص الليل، ومع هذا يوم الامتحان نحس إننا داخل حرب.
مرة دخلتُ امتحانًا عمليًا، وأنا ما نمتش أكثر من ساعتين. يدي كانت ترتجف، مش خوف من السؤال، لكن من الإرهاق.
آلاء – طالبة صيدلة – السنة الثانية :
في أسبوع واحد نزلولنا 9 شيتات. حاولتُ نلحق، لكن جسمي تعب. بكيت أكثر من مرة، مش لأني فاشلة، لكن لأني إنسانة.
سامي – طالب طب أسنان:
في المعمل نشتغلوا على أدوات ناقصة، وفي الامتحان يطلبوا نتيجة مثالية. نحس إننا نتحاسبوا على شيء ما توفرش لنا.
عبد الرحمن – طالب هندسة:
مرات نوقف في آخر القاعة لأن الكراسي ما تكفيش. نسمع صوت الدكتور بعيد، ونطلع من المحاضرة وما فهمتش.
هناء – طالبة علوم طبية:
نحس إننا نقروا ضد الزمن. كل مادة تمشي بسرعة، وما حد يسأل إذا الطالب فاهم، أو لا.
أيمن – طالب اقتصاد:
اشتغلتُ شغلًا جزئيًا باش نغطي مصاريف الجامعة. نطلع من المحاضرة نمشي للخدمة، ونرجع نقرى، وأنا مهدود.
وكل شيء نظري.
يوسف – طالب تمريض:
دايمًا نحس إننا مهمشون. لا صوتنا مسموع، ولا مشاكلنا تُناقش. إسراء طالبة طب – السنة الخامسة:
الضغط خلاني نفكر نترك الدراسة. وصلتُ لمرحلة نحس فيها أن الدراسة تكرهني في التخصَّص اللي كنتُ نحبه. مفتاح – طالب قانون:
الدكتور يملي، والطالب يكتب، وبعدين يفاجئنا بأسئلة تحليلية. نحسها لعبة مش تعليم.
سارة عادل – طب بشري السنة الرابعة:
مرّات نطلع من الامتحان وأنا متأكد إني فشلت، مش لأن المادة صعبة، لكن لأن الوقت ما كفاش. نعرف الإجابة، لكن ما لحقتش نكتبها.
منى – طالبة صيدلة:
الدكتور يقول لنا: هذا بسيط. لكن البسيط هذا نقروا فيه أيام وليالي.
أسامة – طالب هندسة مدنية:
المحاضرة تبدأ متأخرة، وتنتهي متأخرة، وكل يوم نرجع للبيت منهك دون ما نلحق نراجع.
خلود – طالبة علوم طبية:
مرة مرضت نفسيًا، طلبت تأجيل اختبار، ما حدش سألني حتى شن صاير معي.
ناصر – طالب اقتصاد:
الجامعة ما تحسبش حساب للطالب اللي يخدم. إما تقرا، إما تعيش.
إيمان – طالبة قانون السنة الرابعة:
أكثر حاجة تخوفني إنّي ننجح، لكن نطلع دون ثقة في نفسي.
وليد – طالب تقنية معلومات:
نقرا برمجة على الورق، مش على الكمبيوتر. هذا أكبر تناقض.
آيات – طالبة تمريض:
التدريب في المستشفيات قاسِ، لكن القسوة الأكبر في التجاهل.
عبد السلام – طالب زراعة:
كليتنا بعيدة، ومواصلاتها صعبة. نوصل متأخرين، ونُحاسبوا.
سمية – طالبة تربية خاصة:
نقرا عن الدعم النفسي، لكن ما نلقاهوش لأنفسنا.
فرج – طالب علوم:
في الامتحان نحس إنهم يختبروا قدرتنا على التحمل، مش على الفهم.
حنين – طالبة سنة أولى:
ضعت في الإجراءات، التسجيل، الجداول. ما فيش حد يشرح لك.
طالبة – سنة أولى جامعة:
كنتُ نتصور الجامعة مرحلة جميلة. اليوم الأول حسّيت بالضياع، وما لقيتش حد يوجهني.
إن التعليم الجامعي ليس رفاهية، بل استثمار في مستقبل الوطن. وأي جامعة تُرهق طلبتها، وتدفعهم إلى الكورسات، وتتركهم فريسة للضغط والقلق، إنما تُفرغ التعليم من مضمونه الحقيقي.
يبقى السؤال مفتوحًا:
من يسمع هؤلاء الطلبة؟، ومن يراجع السياسات التعليمية داخل أعرق جامعات البلاد؟، ومتى تتحوَّل الجامعة من عبءٍ ثقيل على أكتاف الطلبة، إلى مساحةٍ آمنة للعلم، والكرامة، والأمل؟



