رأي

الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭: ‬أزمة‭ ‬أم‭ ‬فرصة؟

‭ ‬د.عبدالعظيم‭ ‬الازرق

أحدث‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬تحولاً‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مجالات‭ ‬الحياة،‭ ‬وكان‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬القطاعات‭ ‬المتأثرة‭. ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭: ‬هل‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬مناهج‭ ‬التعليم‭ ‬التقليدية‭ ‬صالحة‭ ‬لعصر‭ ‬تُنتج‭ ‬فيه‭ ‬المعرفة‭ ‬بسرعة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬أصبحت‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬مواكبة‭ ‬الواقع‭ ‬الجديد؟

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬المناهج‭ ‬الحالية‭ ‬بُنيت‭ ‬على‭ ‬الحفظ‭ ‬والتلقين،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والتحليل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬محدودة‭ ‬الفاعلية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الأدوات‭ ‬الذكية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬المعلومة‭ ‬فوراً‭. ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فشل‭ ‬التعليم،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬حاجة‭ ‬ملحّة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تصميم‭ ‬المناهج‭ ‬لتتحول‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬تنمية‭ ‬المهارات‭: ‬التفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬حل‭ ‬المشكلات،‭ ‬الإبداع،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التقييم‭ ‬والاختيار‭.‬

ولتجنب‭ ‬عجز‭ ‬المناهج،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إدماج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كأداة‭ ‬تعليمية‭ ‬لا‭ ‬كبديل‭ ‬عن‭ ‬العملية‭ ‬التربوية‭. ‬يجب‭ ‬تدريب‭ ‬المتعلمين‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬استخدامه‭ ‬بوعي،‭ ‬وفهم‭ ‬حدوده،‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬المعلومة‭ ‬الصحيحة‭ ‬والمضللة‭. ‬كما‭ ‬يتعين‭ ‬تأهيل‭ ‬المعلمين‭ ‬ليكونوا‭ ‬موجّهين‭ ‬وميسّرين‭ ‬للتعلم،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬ناقلين‭ ‬للمحتوى‭.‬

أما‭ ‬الخشية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬عقل‭ ‬الإنسان،‭ ‬فهي‭ ‬مبالغ‭ ‬فيها‭ ‬إذا‭ ‬أُحسن‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭. ‬فالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬وعياً‭ ‬أو‭ ‬قصداً،‭ ‬ولا‭ ‬يفكر‭ ‬بالمعنى‭ ‬الإنساني،‭ ‬بل‭ ‬يعالج‭ ‬بيانات‭ ‬ويستخلص‭ ‬أنماطًا‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬زُوّد‭ ‬به‭. ‬الخطر‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬وجوده،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكلي‭ ‬عليه،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خمول‭ ‬ذهني‭ ‬وتراجع‭ ‬في‭ ‬مهارات‭ ‬التفكير‭ ‬المستقل‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ليس‭ ‬منتجاً‭ ‬لأفكار‭ ‬أصيلة،‭ ‬بل‭ ‬مُعيد‭ ‬تنظيم‭ ‬وصياغة‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬متاح‭ ‬من‭ ‬معارف‭. ‬أما‭ ‬الإبداع،‭ ‬والحكم‭ ‬القيمي،‭ ‬والمسؤولية‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬فستظل‭ ‬مهماً‭ ‬إنسانية‭ ‬بامتياز‭. ‬وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬مستقبل‭ ‬التعليم‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬مقاومة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬توظيفه‭ ‬بحكمة،‭ ‬ليكون‭ ‬رافداً‭ ‬للعقل‭ ‬لا‭ ‬بديلاً‭ ‬عنه‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى