رأي

المقهى .. منفى اختياري للرجل الليبي

فائزة العجيلي

في‭ ‬كل‭ ‬مدينة‭ ‬ليبية،‭ ‬تكاد‭ ‬لا‭ ‬تمرّ‭ ‬بمقهى‭ ‬إلا‭ ‬وتراه‭ ‬مكتظًا‭ ‬بالرجال‭. ‬فناجين‭ ‬قهوة‭ ‬لا‭ ‬تبرد،‭ ‬أحاديث‭ ‬مكرّرة‭ ‬عن‭ ‬الكرة‭ ‬والسياسة،‭ ‬ووجوه‭ ‬تائهة‭. ‬مشهدٌ‭ ‬عابر‭ ‬للمارّة،‭ ‬لكنه‭ ‬يعكس‭ ‬أزمة‭ ‬عميقة‭: ‬لماذا‭ ‬يهرب‭ ‬الرجل‭ ‬الليبي‭ ‬إلى‭ ‬المقهى‭ ‬بدل‭ ‬بيته؟

المقهى‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬استراحة‭ ‬قصيرة،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬ملجأ‭ ‬للهروب‭. ‬هناك‭ ‬يجد‭ ‬الرجل‭ ‬متنفسًا‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬مطالب‭ ‬الأبناء،‭ ‬وأسئلة‭ ‬الزوجة‭ ‬وضغوط‭ ‬البيت‭. ‬في‭ ‬البيت‭ ‬يواجه‭ ‬واقعه‭ ‬القاسي‭: ‬غلاء،‭ ‬بطالة،‭ ‬وتأخر‭ ‬المرتبات‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬المقهى،‭ ‬فيؤجّل‭ ‬مواجهة‭ ‬الحقيقة‭ ‬ولو‭ ‬لساعات‭.‬

لكن‭ ‬الهروب‭ ‬ليس‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬فقط‭. ‬هو‭ ‬أيضاً‭ ‬نتاج‭ ‬أزمة‭ ‬تواصل‭. ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬تربّوا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشكوى‭ ‬ضعف،‭ ‬وأن‭ ‬الكلام‭ ‬عيب‭. ‬لذلك‭ ‬يفضّلون‭ ‬الصمت‭ ‬بين‭ ‬دخان‭ ‬المقهى‭ ‬على‭ ‬حوار‭ ‬صريح‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭.‬

المقهى‭ ‬ليس‭ ‬عدوًا،‭ ‬لكنه‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬خللاً‭ ‬أكبر‭. ‬المشكلة‭ ‬ليستْ‭ ‬في‭ ‬الكراسي‭ ‬والطاولات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الحوار‭ ‬داخل‭ ‬البيوت‭. ‬والحل‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬إغلاق‭ ‬المقاهي،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كسر‭ ‬جدار‭ ‬الصمت‭ ‬بين‭ ‬الزوج‭ ‬والزوجة،‭ ‬وبين‭ ‬الأب‭ ‬وأبنائه‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬الرجل‭ ‬لا‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬أسرته‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬أثقل‭ ‬كاهله‭.‬

لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬تبقى‭: ‬لا‭ ‬مقهى‭ ‬يعوّض‭ ‬حضن‭ ‬بيت‭ ‬ينتظره‭..‬فالمقهى‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬محطة‭ ‬مؤقتة،‭ ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬الجلوس‭ ‬فيها‭. ‬وحده‭ ‬البيت‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬دفء‭ ‬وتواصل‭ ‬صادق‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬الرجل‭ ‬سكينة‭ ‬دائمة‭. ‬والمطلوب‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭:‬

أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬الحوار‭ ‬إلى‭ ‬عادة‭ ‬لا‭ ‬استثناء،‭ ‬وأن‭ ‬يصبح‭ ‬البيت‭ ‬هو‭ ‬الملجأ‭ ‬الأول‭ ‬لا‭ ‬آخر‭ ‬الخيارات‭. ‬عندها‭ ‬فقط،‭ ‬سيبقى‭ ‬المقهى‭ ‬مكاناً‭ ‬جميلاً‭ ‬للقاء‭ ‬الأصدقاء،‭ ‬لا‭ ‬منفًى‭ ‬يلوذ‭ ‬به‭ ‬الرجل‭ ‬من‭ ‬واقعه‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى