في كل مدينة ليبية، تكاد لا تمرّ بمقهى إلا وتراه مكتظًا بالرجال. فناجين قهوة لا تبرد، أحاديث مكرّرة عن الكرة والسياسة، ووجوه تائهة. مشهدٌ عابر للمارّة، لكنه يعكس أزمة عميقة: لماذا يهرب الرجل الليبي إلى المقهى بدل بيته؟
المقهى لم يعد استراحة قصيرة، بل صار ملجأ للهروب. هناك يجد الرجل متنفسًا بعيدًا عن مطالب الأبناء، وأسئلة الزوجة وضغوط البيت. في البيت يواجه واقعه القاسي: غلاء، بطالة، وتأخر المرتبات. أما في المقهى، فيؤجّل مواجهة الحقيقة ولو لساعات.
لكن الهروب ليس اقتصاديًا فقط. هو أيضاً نتاج أزمة تواصل. كثير من الرجال تربّوا على أن الشكوى ضعف، وأن الكلام عيب. لذلك يفضّلون الصمت بين دخان المقهى على حوار صريح داخل الأسرة.
المقهى ليس عدوًا، لكنه مرآة تعكس خللاً أكبر. المشكلة ليستْ في الكراسي والطاولات، بل في غياب الحوار داخل البيوت. والحل ليس في إغلاق المقاهي، بل في كسر جدار الصمت بين الزوج والزوجة، وبين الأب وأبنائه.
في النهاية، الرجل لا يهرب من أسرته بقدر ما يهرب من واقع أثقل كاهله.
لكن الحقيقة تبقى: لا مقهى يعوّض حضن بيت ينتظره..فالمقهى ليس سوى محطة مؤقتة، مهما طال الجلوس فيها. وحده البيت بما فيه من دفء وتواصل صادق يمكن أن يمنح الرجل سكينة دائمة. والمطلوب اليوم أن نعيد ترتيب الأولويات:
أن يتحوّل الحوار إلى عادة لا استثناء، وأن يصبح البيت هو الملجأ الأول لا آخر الخيارات. عندها فقط، سيبقى المقهى مكاناً جميلاً للقاء الأصدقاء، لا منفًى يلوذ به الرجل من واقعه.