يشهد سعر الدولار الأمريكي أمام الدينار الليبي ارتفاعاً متواصلاً لم يعد مجرد رقم، بل تحوّل إلى عبء يومي يضغط على معيشة المواطنين. فكل زيادة في سعر الصرف تنعكس فوراً على أسعار السلع المستوردة، ولا سيما المواد الغذائية التي تمثل القوت الأساسي للأسر، وهو ما يجعل أزمة العملة أزمة معيشية بامتياز.
في جوهر هذه المشكلة تقف سياسات نقدية ومالية مشوّهة، أنتجت بيئة خصبة للاحتكار والمضاربة. إذ أدّى حصر الاعتمادات المستندية وتخصيص النقد الأجنبي في أيدي مجموعة محدودة من المتنفذين إلى خلق سوق موازية نشطة، حيث يتسع الفارق تدريجياً بين السعر الرسمي وسعر السوق، فيتحول هذا الفرق إلى ربح مضمون يغذي شهية التجار للمضاربة بدل الاستثمار الحقيقي.
وما نشهده من حملات لمطاردة باعة العملة أو أصحاب الأسواق والمحلات التجارية والمصانع لا يعالج إلا النتائج، وليس الأسباب. فالتاجر هو في النهاية نتاج لسياسة مالية توسعية قائمة على إنفاق حكومي مرتفع بلا إنتاج، وفساد يبدد الموارد، إلى جانب سياسة نقدية تسمح بتوفير الدولار في بيئة سعرين للعملة. في مثل هذه البيئة، يصبح تحويل الأموال إلى عملة صعبة وتدويرها أسرع وأكثر ربحية من أي نشاط تجاري أو صناعي أو زراعي.
هذا الخلل البنيوي جعل من الفارق بين السعرين محركاً لدائرة فساد تتوسع كلما اتسع الفرق. فبدل أن يذهب النقد الأجنبي لاستيراد الغذاء والدواء ومستلزمات الإنتاج، ظل يُستنزف في عمليات مضاربة لا تضيف قيمة للاقتصاد.
النتيجة النهائية يدفعها المواطن على موائد طعامه، في صورة غلاء متواصل وتآكل للقدرة الشرائية. وعليه، فإن استقرار سعر الصرف لن يتحقق بملاحقة التجار، بل بإصلاح جذري للسياسات المالية والنقدية، يقوم على توحيد سعر الصرف، وضبط الإنفاق العام، وفتح الاعتمادات بشفافية وعدالة، بما يعيد للدينار بعضاً من قيمته وللسوق بعضاً من عقلانيته.
