رأي

المواطن من يدفع الثمن

د.عبدالعظيم الازرق

يشهد‭ ‬سعر‭ ‬الدولار‭ ‬الأمريكي‭ ‬أمام‭ ‬الدينار‭ ‬الليبي‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬متواصلاً‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬رقم،‭ ‬بل‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬عبء‭ ‬يومي‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬معيشة‭ ‬المواطنين‭.‬‭ ‬فكل‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬تنعكس‭ ‬فوراً‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬المستوردة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬القوت‭ ‬الأساسي‭ ‬للأسر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أزمة‭ ‬العملة‭ ‬أزمة‭ ‬معيشية‭ ‬بامتياز‭.‬

في‭ ‬جوهر‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬تقف‭ ‬سياسات‭ ‬نقدية‭ ‬ومالية‭ ‬مشوّهة،‭ ‬أنتجت‭ ‬بيئة‭ ‬خصبة‭ ‬للاحتكار‭ ‬والمضاربة‭. ‬إذ‭ ‬أدّى‭ ‬حصر‭ ‬الاعتمادات‭ ‬المستندية‭ ‬وتخصيص‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬مجموعة‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬المتنفذين‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬سوق‭ ‬موازية‭ ‬نشطة،‭ ‬حيث‭ ‬يتسع‭ ‬الفارق‭ ‬تدريجياً‭ ‬بين‭ ‬السعر‭ ‬الرسمي‭ ‬وسعر‭ ‬السوق،‭ ‬فيتحول‭ ‬هذا‭ ‬الفرق‭ ‬إلى‭ ‬ربح‭ ‬مضمون‭ ‬يغذي‭ ‬شهية‭ ‬التجار‭ ‬للمضاربة‭ ‬بدل‭ ‬الاستثمار‭ ‬الحقيقي‭.‬

وما‭ ‬نشهده‭ ‬من‭ ‬حملات‭ ‬لمطاردة‭ ‬باعة‭ ‬العملة‭ ‬أو‭ ‬أصحاب‭ ‬الأسواق‭ ‬والمحلات‭ ‬التجارية‭ ‬والمصانع‭ ‬لا‭ ‬يعالج‭ ‬إلا‭ ‬النتائج،‭ ‬وليس‭ ‬الأسباب‭. ‬فالتاجر‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬نتاج‭ ‬لسياسة‭ ‬مالية‭ ‬توسعية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬إنفاق‭ ‬حكومي‭ ‬مرتفع‭ ‬بلا‭ ‬إنتاج،‭ ‬وفساد‭ ‬يبدد‭ ‬الموارد،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬سياسة‭ ‬نقدية‭ ‬تسمح‭ ‬بتوفير‭ ‬الدولار‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬سعرين‭ ‬للعملة‭. ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئة،‭ ‬يصبح‭ ‬تحويل‭ ‬الأموال‭ ‬إلى‭ ‬عملة‭ ‬صعبة‭ ‬وتدويرها‭ ‬أسرع‭ ‬وأكثر‭ ‬ربحية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬نشاط‭ ‬تجاري‭ ‬أو‭ ‬صناعي‭ ‬أو‭ ‬زراعي‭.‬

هذا‭ ‬الخلل‭ ‬البنيوي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬السعرين‭ ‬محركاً‭ ‬لدائرة‭ ‬فساد‭ ‬تتوسع‭ ‬كلما‭ ‬اتسع‭ ‬الفرق‭. ‬فبدل‭ ‬أن‭ ‬يذهب‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭ ‬لاستيراد‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬ومستلزمات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬ظل‭ ‬يُستنزف‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬مضاربة‭ ‬لا‭ ‬تضيف‭ ‬قيمة‭ ‬للاقتصاد‭.‬

النتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬يدفعها‭ ‬المواطن‭ ‬على‭ ‬موائد‭ ‬طعامه،‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬غلاء‭ ‬متواصل‭ ‬وتآكل‭ ‬للقدرة‭ ‬الشرائية‭. ‬وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬استقرار‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬بملاحقة‭ ‬التجار،‭ ‬بل‭ ‬بإصلاح‭ ‬جذري‭ ‬للسياسات‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬توحيد‭ ‬سعر‭ ‬الصرف،‭ ‬وضبط‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام،‭ ‬وفتح‭ ‬الاعتمادات‭ ‬بشفافية‭ ‬وعدالة،‭ ‬بما‭ ‬يعيد‭ ‬للدينار‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬وللسوق‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬عقلانيته‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى