
رغم أن بلدنا غني بالموارد الطبيعية ويمتلك موقعًا استراتيجيًا مهمًا، إلا أن واقع شبابها يعكس صورة قاتمة لفرص العمل والاستقرار. فمعدل البطالة بين صفوف الشباب في تزايد مستمر، بينما يغيب أي برنامج حقيقي لاحتوائهم، أو استثمار طاقاتهم في مشروعات تنموية.
اليوم يقف آلاف الشباب الليبي على مفترق طرق صعب: إما البقاء في الداخل في مواجهة الفقر والبطالة والفراغ، أو ركوب أمواج الهجرة غير الشرعية التي ابتلعت أرواح الكثيرين في البحر.
هذه الأزمة لم تعد شأناً فردياً بل تحولتْ إلى مشكلة مجتمعية تهدّد النسيج الاجتماعي وتزيد من معدلات الجريمة والانحراف والإدمان، في ظل غياب سياسات واضحة لمعالجة الأسباب.
الشباب يمثلون غالبية سكان ليبيا، لكنهم الأكثر تهميشًا. فلا فرص عمل، ولا برامج تدريبية جادة، ولا حتى دعم لمبادراتهم الريادية. وبغياب الأفق، يتزايد الإحباط واليأس، ما قد يفتح الباب أمام مخاطر أكبر، ليس فقط على مستقبلهم بل على استقرار البلاد ككل.
إنّ مواجهة هذه الأزمة تبدأ بالاعتراف بها أولاً كقضية أمن قومي واجتماعي، ثم وضع استراتيجيات عاجلة تركز على:
- دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
- توفير برامج تدريب وتأهيل للشباب.
- خلق بيئة آمنة تشجع على الاستثمار المحلي.
- فتح مجالات للأنشطة الثقافية والرياضية كمساحة للتفريغ الإيجابي.
الشباب ليسوا عبئاً على ليبيا ، بل هم رأس مالها الحقيقي. لكن تجاهل أزمتهم قد يجعلنا ندفع جميعاً الثمن في المستقبل القريب في المقاهي وعلى الأرصفة، في طوابير الانتظار أمام مكاتب التشغيل، وحتى في زحمة الشوارع، تلتقي شباباً بملامح واحدة: )قلق، ضجر، وحلم مؤجل(. شباب ليبيا، الذين يشكلون أغلبية المجتمع، يعيشون اليوم بين مطرقة البطالة وسندان الهجرة، عالقين في فراغ يلتهم أعمارهم، بينما تغيب الحلول الحقيقية.
حيدر – تخرج في كلية الاقتصاد منذ خمس سنوات، لكنه ما زال يطرق أبواب الوزارات والشركات بحثاً عن وظيفة. يقول بصوت محبط: «كل ما عندي شهادة جامعية لا تفتح ليّ باباً، ولا توفر لي مستقبلاً.»
سناء – درستْ الهندسة، لكنها تفكر جدياً في الهجرة عبر البحر. «أشعر أن مستقبلي هنا مسدود. البحر، رغم مخاطره، يبدو أحياناً أقل قسوة من البقاء بلا عمل وبلا أمل.»
عيسى- حاول أن يبدأ مشروعاً صغيراً لبيع الأجهزة الإلكترونية، لكن العراقيل البيروقراطية والضرائب المرتفعة أغلقت أمامه الطريق.أريد أن أعمل، لكن الدولة لا تساعد، وكأنها تدفعنا دفعاً نحو الهجرة أو الجريمة.مروان -خريج الاقتصاد منذ خمس سنوات وأنا أتنقل بين المكاتب والوزارات. كل يوم أخرج من البيت وكأني أبحث عن وهم. حتى العمل البسيط لا أجده. أشعر أن شهادتي مجرد ورقة تزين الجدار.»
عبد الله يقول مشروع ضائع
بدأ محلاً صغيراً لبيع القرطاسية لكن الإجراءات المعقدة والضرائب المرتفعة أغلقت حلمه. لم أطلب وظيفة حكومية، أردت أن أعتمد على نفسي، لكن الدولة لم تتركني حتى أبدأ.
سناء – معلمة متطوعة
تعمل منذ سنتين بلا راتب في مدرسة ابتدائية. تقول: أحب الأطفال والتعليم، لكن كيف أستمر بلا مرتب؟ حتى المواصلات اليومية أصبحت عبئاً.
أفكر في ترك التعليم والبحث عن أي عمل آخر.
محمد الحلم في البحر
لم يكمل دراسته الثانوية، وانضم إلى مجموعة من الشباب يخططون للهجرة عبر قارب مطاطي. لا أريد أن أصبح مجرماً أو عاطلاً. البحر خطير، لكن ربما في الضفة الأخرى أجد حياة أبدأ بها من جديد.
فاطمة الشهادة في الدرج
تحمل ماجستير في الإعلام، لكنها تبيع ملابس على الإنترنت لتغطية مصاريفها. تقول بحزن: أشعر أن سنوات دراستي ضاعت هباء. لم أعد أبحث عن وظيفة في مجالي، فقط أريد أن أعيش بكرامة.
هذه القصص ليست فردية، بل تعكس أزمة عامة. آلاف الشباب يعيشون الواقع ذاته: انتظار طويل، قلق مستمر، وحلم مؤجل. ومع غياب الحلول الجادة، يتحول الإحباط إلى يأس، واليأس إلى قرارات خطرة.
قصص هولاء الشباب ليست مجرد حكايات شخصية، بل مرآة لجيل كامل يُهدر عمره في دوامة البطالة. إنقاذ هؤلاء الشباب ليس ترفاً ولا خياراً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية. فالمعادلة واضحة: إذا ضاع الشباب، ضاع الوطن.
الخبراء يحذرون من أن استمرار تجاهل أزمة الشباب قد يقود إلى نتائج كارثية، ليس فقط على الأفراد بل على المجتمع ككل: ارتفاع معدلات الجريمة، تفشي الإدمان، وتنامي الهجرة غير الشرعية. فالشباب الذين يُفترض أن يكونوا محرك التنمية، تحولوا إلى ضحايا الفراغ والتهميش.
بين حلم الهجرة وواقع البطالة، يقف شباب ليبيا على حافة اليأس. لكن الحقيقة التي لا مفر منها أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى دونهم. إنقاذ جيل كامل من الضياع يبدأ بالاستثمار في طاقاتهم، وفتح الأبواب أمام أحلامهم، وإلا سيظل السؤال المؤلم معلقاً: من سيبني ليبيا إذا هاجر شبابها أو ضاعوا في فراغ الانتظار؟