اجتماعي

بين البطالة والهجرة.. جيل يغتاله الانتظار

شهد عبد الحفيظ

رغم‭ ‬أن‭  ‬بلدنا‭ ‬غني‭ ‬بالموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬ويمتلك‭ ‬موقعًا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬مهمًا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬واقع‭ ‬شبابها‭ ‬يعكس‭ ‬صورة‭ ‬قاتمة‭ ‬لفرص‭ ‬العمل‭ ‬والاستقرار‭. ‬فمعدل‭ ‬البطالة‭ ‬بين‭ ‬صفوف‭ ‬الشباب‭ ‬في‭ ‬تزايد‭ ‬مستمر،‭ ‬بينما‭ ‬يغيب‭ ‬أي‭ ‬برنامج‭ ‬حقيقي‭ ‬لاحتوائهم،‭ ‬أو‭ ‬استثمار‭ ‬طاقاتهم‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬تنموية‭.‬

اليوم‭ ‬يقف‭ ‬آلاف‭ ‬الشباب‭ ‬الليبي‭ ‬على‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬صعب‭: ‬إما‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الفقر‭ ‬والبطالة‭ ‬والفراغ،‭ ‬أو‭ ‬ركوب‭ ‬أمواج‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬الشرعية‭ ‬التي‭ ‬ابتلعت‭ ‬أرواح‭ ‬الكثيرين‭ ‬في‭ ‬البحر‭.‬

هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬شأناً‭ ‬فردياً‭ ‬بل‭ ‬تحولتْ‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة‭ ‬مجتمعية‭ ‬تهدّد‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتزيد‭ ‬من‭ ‬معدلات‭ ‬الجريمة‭ ‬والانحراف‭ ‬والإدمان،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬سياسات‭ ‬واضحة‭ ‬لمعالجة‭ ‬الأسباب‭.‬

الشباب‭ ‬يمثلون‭ ‬غالبية‭ ‬سكان‭ ‬ليبيا،‭ ‬لكنهم‭ ‬الأكثر‭ ‬تهميشًا‭. ‬فلا‭ ‬فرص‭ ‬عمل،‭ ‬ولا‭ ‬برامج‭ ‬تدريبية‭ ‬جادة،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬دعم‭ ‬لمبادراتهم‭ ‬الريادية‭. ‬وبغياب‭ ‬الأفق،‭ ‬يتزايد‭ ‬الإحباط‭ ‬واليأس،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬مخاطر‭ ‬أكبر،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬مستقبلهم‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬البلاد‭ ‬ككل‭.‬

إنّ‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬تبدأ‭ ‬بالاعتراف‭ ‬بها‭ ‬أولاً‭ ‬كقضية‭ ‬أمن‭ ‬قومي‭ ‬واجتماعي،‭ ‬ثم‭ ‬وضع‭ ‬استراتيجيات‭ ‬عاجلة‭ ‬تركز‭ ‬على‭:‬

‭- ‬دعم‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭.‬

‭- ‬توفير‭ ‬برامج‭ ‬تدريب‭ ‬وتأهيل‭ ‬للشباب‭.‬

‭- ‬خلق‭ ‬بيئة‭ ‬آمنة‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬المحلي‭.‬

‭- ‬فتح‭ ‬مجالات‭ ‬للأنشطة‭ ‬الثقافية‭ ‬والرياضية‭ ‬كمساحة‭ ‬للتفريغ‭ ‬الإيجابي‭.‬

الشباب‭ ‬ليسوا‭ ‬عبئاً‭ ‬على‭ ‬ليبيا‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬هم‭ ‬رأس‭ ‬مالها‭ ‬الحقيقي‭. ‬لكن‭ ‬تجاهل‭ ‬أزمتهم‭ ‬قد‭ ‬يجعلنا‭ ‬ندفع‭ ‬جميعاً‭ ‬الثمن‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭ ‬في‭ ‬المقاهي‭ ‬وعلى‭ ‬الأرصفة،‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬الانتظار‭ ‬أمام‭ ‬مكاتب‭ ‬التشغيل،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬زحمة‭ ‬الشوارع،‭ ‬تلتقي‭ ‬شباباً‭ ‬بملامح‭ ‬واحدة‭: )‬قلق،‭ ‬ضجر،‭ ‬وحلم‭ ‬مؤجل‭(. ‬شباب‭ ‬ليبيا،‭ ‬الذين‭ ‬يشكلون‭ ‬أغلبية‭ ‬المجتمع،‭ ‬يعيشون‭ ‬اليوم‭ ‬بين‭ ‬مطرقة‭ ‬البطالة‭ ‬وسندان‭ ‬الهجرة،‭ ‬عالقين‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬يلتهم‭ ‬أعمارهم،‭ ‬بينما‭ ‬تغيب‭ ‬الحلول‭ ‬الحقيقية‭.‬

حيدر‭    ‬تخرج‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬منذ‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬لكنه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يطرق‭ ‬أبواب‭ ‬الوزارات‭ ‬والشركات‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬وظيفة‭. ‬يقول‭ ‬بصوت‭ ‬محبط‭:‬‭ ‬‮«‬كل‭ ‬ما‭ ‬عندي‭ ‬شهادة‭ ‬جامعية‭ ‬لا‭ ‬تفتح‭ ‬ليّ‭ ‬باباً،‭ ‬ولا‭ ‬توفر‭ ‬لي‭ ‬مستقبلاً‭.‬‮»‬

سناء‭ –  ‬درستْ‭ ‬الهندسة،‭ ‬لكنها‭ ‬تفكر‭ ‬جدياً‭ ‬في‭ ‬الهجرة‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭.‬‭ ‬‮«‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬مستقبلي‭ ‬هنا‭ ‬مسدود‭. ‬البحر،‭ ‬رغم‭ ‬مخاطره،‭ ‬يبدو‭ ‬أحياناً‭ ‬أقل‭ ‬قسوة‭ ‬من‭ ‬البقاء‭ ‬بلا‭ ‬عمل‭ ‬وبلا‭ ‬أمل‭.‬‮»‬

عيسى‭-  ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬مشروعاً‭ ‬صغيراً‭ ‬لبيع‭ ‬الأجهزة‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬لكن‭ ‬العراقيل‭ ‬البيروقراطية‭ ‬والضرائب‭ ‬المرتفعة‭ ‬أغلقت‭ ‬أمامه‭ ‬الطريق‭.‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أعمل،‭ ‬لكن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تساعد،‭ ‬وكأنها‭ ‬تدفعنا‭ ‬دفعاً‭ ‬نحو‭ ‬الهجرة‭ ‬أو‭ ‬الجريمة‭.‬مروان‭   -‬خريج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬منذ‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬وأنا‭ ‬أتنقل‭ ‬بين‭ ‬المكاتب‭ ‬والوزارات‭. ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أخرج‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬وكأني‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬وهم‭. ‬حتى‭ ‬العمل‭ ‬البسيط‭ ‬لا‭ ‬أجده‭. ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬شهادتي‭ ‬مجرد‭ ‬ورقة‭ ‬تزين‭ ‬الجدار‭.‬‮»‬

عبد‭ ‬الله‭ ‬يقول‭  ‬مشروع‭ ‬ضائع

بدأ‭ ‬محلاً‭ ‬صغيراً‭ ‬لبيع‭ ‬القرطاسية‭  ‬لكن‭ ‬الإجراءات‭ ‬المعقدة‭ ‬والضرائب‭ ‬المرتفعة‭ ‬أغلقت‭ ‬حلمه‭. ‬لم‭ ‬أطلب‭ ‬وظيفة‭ ‬حكومية،‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬أعتمد‭ ‬على‭ ‬نفسي،‭ ‬لكن‭ ‬الدولة‭ ‬لم‭ ‬تتركني‭ ‬حتى‭ ‬أبدأ‭.‬

سناء‭  – ‬معلمة‭ ‬متطوعة

تعمل‭ ‬منذ‭ ‬سنتين‭ ‬بلا‭ ‬راتب‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬ابتدائية‭. ‬تقول‭:‬‭ ‬أحب‭ ‬الأطفال‭ ‬والتعليم،‭ ‬لكن‭ ‬كيف‭ ‬أستمر‭ ‬بلا‭ ‬مرتب؟‭ ‬حتى‭ ‬المواصلات‭ ‬اليومية‭ ‬أصبحت‭ ‬عبئاً‭.‬

أفكر‭ ‬في‭ ‬ترك‭ ‬التعليم‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬آخر‭.‬

                        ‬محمد‭  ‬الحلم‭ ‬في‭ ‬البحر

لم‭ ‬يكمل‭ ‬دراسته‭ ‬الثانوية،‭ ‬وانضم‭ ‬إلى‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬يخططون‭ ‬للهجرة‭ ‬عبر‭ ‬قارب‭ ‬مطاطي‭. ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬مجرماً‭ ‬أو‭ ‬عاطلاً‭. ‬البحر‭ ‬خطير،‭ ‬لكن‭ ‬ربما‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬أجد‭ ‬حياة‭ ‬أبدأ‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

‭ ‬‭ ‬فاطمة‭ ‬الشهادة‭ ‬في‭ ‬الدرج

تحمل‭ ‬ماجستير‭ ‬في‭ ‬الإعلام،‭ ‬لكنها‭ ‬تبيع‭ ‬ملابس‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬لتغطية‭ ‬مصاريفها‭. ‬تقول‭ ‬بحزن‭: ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬سنوات‭ ‬دراستي‭ ‬ضاعت‭ ‬هباء‭. ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬وظيفة‭ ‬في‭ ‬مجالي،‭ ‬فقط‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أعيش‭ ‬بكرامة‭.‬

هذه‭ ‬القصص‭ ‬ليست‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬تعكس‭ ‬أزمة‭ ‬عامة‭. ‬آلاف‭ ‬الشباب‭ ‬يعيشون‭ ‬الواقع‭ ‬ذاته‭: ‬انتظار‭ ‬طويل،‭ ‬قلق‭ ‬مستمر،‭ ‬وحلم‭ ‬مؤجل‭. ‬ومع‭ ‬غياب‭ ‬الحلول‭ ‬الجادة،‭ ‬يتحول‭ ‬الإحباط‭ ‬إلى‭ ‬يأس،‭ ‬واليأس‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬خطرة‭.‬

قصص‭ ‬هولاء‭ ‬الشباب‭  ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حكايات‭ ‬شخصية،‭ ‬بل‭ ‬مرآة‭ ‬لجيل‭ ‬كامل‭ ‬يُهدر‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬البطالة‭. ‬إنقاذ‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشباب‭ ‬ليس‭ ‬ترفاً‭ ‬ولا‭ ‬خياراً‭ ‬مؤجلاً،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬وطنية‭. ‬فالمعادلة‭ ‬واضحة‭: ‬إذا‭ ‬ضاع‭ ‬الشباب،‭ ‬ضاع‭ ‬الوطن‭.              

  ‬الخبراء‭ ‬يحذرون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬تجاهل‭ ‬أزمة‭ ‬الشباب‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬كارثية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬ككل‭: ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الجريمة،‭ ‬تفشي‭ ‬الإدمان،‭ ‬وتنامي‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬الشرعية‭. ‬فالشباب‭ ‬الذين‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬محرك‭ ‬التنمية،‭ ‬تحولوا‭ ‬إلى‭ ‬ضحايا‭ ‬الفراغ‭ ‬والتهميش‭.‬

بين‭ ‬حلم‭ ‬الهجرة‭ ‬وواقع‭ ‬البطالة،‭ ‬يقف‭ ‬شباب‭ ‬ليبيا‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬اليأس‭. ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬مستقبل‭ ‬البلاد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُبنى‭ ‬دونهم‭. ‬إنقاذ‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الضياع‭ ‬يبدأ‭ ‬بالاستثمار‭ ‬في‭ ‬طاقاتهم،‭ ‬وفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬أمام‭ ‬أحلامهم،‭ ‬وإلا‭ ‬سيظل‭ ‬السؤال‭ ‬المؤلم‭ ‬معلقاً‭: ‬من‭ ‬سيبني‭ ‬ليبيا‭ ‬إذا‭ ‬هاجر‭ ‬شبابها‭ ‬أو‭ ‬ضاعوا‭ ‬في‭ ‬فراغ‭ ‬الانتظار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى