
في أزقة أسواق
(المشير) و(القزدارة)العتيقة، لم يعد رنين الفضة الليبية الخالصة يعزف ألحان الأفراح والزينة كما كان؛ بل بات يئن تحت وطأة الموازين التي تُقدر تاريخ الأجداد بسعر الغرام اليومي. هناك، وفي مشهد يختزل قسوة الراهن، تقف العائلات الليبية في طوابير الصمت، لا لتشتري حلياً، بل لتودع (الصدرة) و(الخناق) و(الأسوار) المتوارثة، محولةً إرثاً بصرياً واجتماعياً تراكم عبر الأجيال إلى مجرد سيولة نقدية تسد رمق العيش.تُشعل هذه التجارة المتصاعدة شرارة انقسام حاد يمزق الشارع الليبي؛ فبينما يراها البعض ضرورة معيشية مريرة فرضتها الأزمات الاقتصادية الخانقة وارتفاع تكاليف الحياة، يصفها خبراء الآثار وحماة التراث بأنها جريمة تاريخية مكتملة الأركان، تمحو بصمة الهوية الليبية وتجرد الذاكرة الجماعية من رموزها الأصيلة. إن ما يحدث اليوم في محلات الصاغة ليس مجرد تداول لمعدن ثمين، بل هو نزيف صامت لاستنزاف ذاكرة بصرية واجتماعية تشكلت عبر قرون، ليبقى السؤال المعلق وسط ضجيج المزايدات: هل نبيع اليوم ما لا يمكن استرداده غداً، وهل ستغفر لنا الأجيال القادمة تحويل تاريخها إلى سبائك صماء؟
ليست مجرد معدن
إنها خزانة ذاكرتنا تلك التي نضعها على الميزان
موضوع بيع المقتنيات التراثية في ليبيا هو موضوع شائك يثير الكثير من الجدل والمشاعر المختلطة، فالأمر يتأرجح دائماً بين القيمة المعنوية والهوية وبين الضغوط المعيشية الصعبة.حراس الهوية هم المثقفين، المهتمين بالتاريخ، وكثير من العائلات العريقة. حججهم تتركز في:
الهوية لا تُقدر بثمن: يترسخ لديهم مبدأ أن “من ليس له ماضٍ، ليس له حاضر ولا مستقبل”. بيع «الخِلال» الفضي، أو «الردي» القديم، أو المخطوطات، يُعتبر تفريطاً في جزء من الروح الليبية. إنه إرث للأجيال: يرون أن هذه المقتنيات أمانة يجب تسليمها للأبناء والأحفاد لتعريفهم بجذورهم، وليس بضاعة للربح السريع. إلا أن الخوف من التهريب و أن تنتهي هذه القطع في متاحف أجنبية أو مجموعات خاصة خارج البلاد، مما يعني ضياعها من السجل الوطني الثقافي للأبد.
أسامة السوكني
المُضطر للبيع أجبرته «واقعية الظروف»
لا نبيع رغبةً في التخلص من التراث، بل مدفوعة بظروف قاهرة:الأزمات الاقتصادية: غلاء المعيشة وتأخر الرواتب دفعنا لبيع حلي الفضة القديمة أو السيوف والمقتنيات الثمينة لتأمين احتياجات أساسية.كذلك غياب الوعي بالقيمة: في بعض الأحيان، يبيع الورثة «خاصة الشباب» مقتنيات أجدادهم لأنهم لا يدركون قيمتها التاريخية، ويرون فيها مجرد «أشياء قديمة» تشغل مساحة في البيت.
إبراهيم التاغدي
تجار الأنتيك «بين الهواية والاستثمار ظهرت في السنوات الأخيرة أسواق نشطة لبيع التراث» سواء عبر الإنترنت أو في المحلات هناك الجانب الإيجابي أن هؤلاء التجار يساهمون في «ترميم» وحفظ قطع كانت ستتعرض للتلف بسبب الإهمال في البيوت. إلا أن الجانب السلبي:حيث يُتهم البعض بالمساهمة في طمس الهوية من خلال بيع هذه القطع لجهات مجهولة أو المساعدة في خروجها من ليبيا.الاان هناك دعوات متزايدة في المجتمع الليبي للحد من هذه الظاهرة عبر:
المتاحف الخاصة والبلدية: تشجيع الناس على إهداء أو إعارة مقتنياتهم للمتاحف بدلاً من بيعها للخارج.ايضا التوثيق الرقمي: تصوير المقتنيات وتوثيق قصصها حتى لو تم بيعها، لتبقى القيمة المعنوية محفوظة. وضرورة وجود قوانين صارمة تمنع خروج التراث الوطني، مع توفير تعويضات أو مكافآت لمن يسلم قطعاً نادرة للدولة.
الرأي العام الليبي في مجمله ضد البيع الذي يؤدي للطمس، لكنه يعاني من فجوة بين «الغيرة على التراث» وبين «الواقع المعيشي»
سالم الغزيوي
بيع الفضة الليبية أمر في غاية الاهمية فمايحدث اليوم ماهو إلا «طمس ممنهج للموروث الثقافي الليبي»، فاالعائلات بدأت بالفعل في بيع تحف نادرة ورثتها عن أجدادها، هذا ما ينذر بخسارة لا تُقدّر بثمن إلا أن هناك من
يراها «ضرورة معيشية» فرضتها الظروف، ومن يراها «جريمة تاريخية» تمحو الهوية. فالمواطن لا يلجأ لبيع إرث عائلته إلا تحت ضغط الحاجة، وأن «الإنسان أغلى من الجماد».
الضائقة المالية وغلاء المعيشة وتأخر الرواتب دفع العائلات لبيع «الخناق» و«الصدرة» لتأمين أساسيات الحياة
و أن القطع ملكية فردية، ولصاحبها الحق في التصرف بها كسيولة مالية عند الأزمات.كذلك
غياب الدعم الحكومي: الدولة لعدم توفير آليات «مثل متاحف تشتري هذه القطع» لحفظها مع تعويض أصحابها مادياً.
عبدالله الترهوني
إن ما يحدث هو «استنزاف للهوية» وتحويل التاريخ إلى مجرد وزن من المعدن يُباع ويُصهر.الطمس الممنهج: يخشى المثقفون من أن خروج هذه القطع «خاصة النادرة منها» خارج البلاد يعني ضياع أدلة مادية على الحقب التاريخية الليبية.
فالقيمة المعنوية: للفضة الليبية ليست مجرد معدن، بل هي “خزانة أسرار” تحمل نقوشاً ورموزاً تعبر عن مناطق وقبائل وتاريخ اجتماعي لا يمكن تعويضه.
و أكبر المخاوف تكمن في قيام التجار بصهر القطع القديمة لتحويلها إلى سبائك أو صياغتها بشكل حديث، مما ينهي وجود القطعة الأثرية للأبد.
ان تيار «الضرورة المعيشية» تيار “حماية الموروث”
النظرة للقطعة رأسمال احتياطي للأزمات. وثيقة تاريخية لا تقدر بثمن.
المسؤولية تقع على عاتق الظروف الاقتصادية. تقع على عاتق الفرد والدولة معاً.والحل المقترح توفير سيولة ودعم مادي للمواطن. إنشاء متاحف وطنية وسن قوانين تمنع التصدير فالجدل لا يدور حول “حب التراث” من عدمه، بل حول المقايضة الصعبة بين البقاء والحفاظ على الذاكرة. التحذيرات من “الطمس الممنهج” تعكس خوفاً حقيقياً من أن تصبح الأجيال القادمة بلا شواهد مادية على رقي وحضارة أجدادهم.لذلك يجب إطلاق حملات توعية وطنية، وتفعيل دور “مصلحة الآثار” لتوثيق هذه المقتنيات وشرائها من المواطنين بدلاً من تركها لأسواق الصاغة أو التهريب.
فاطمة التاجوري
بصراحة اني ضد الصهر جملة وتفصيلاً أن صهر «ال شنبير» أو «الخناق» أو «الدبلون» هو جريمة حضارية؛ لأن القطعة إذا صُهرت فُقدت تفاصيل نقوشها اليدوية التي تعود لمئات السنين ولا يمكن تكرارها.يجب المطالبة بتقنين البيع و ألا تُباع هذه القطع لمحلات الصاغة العادية، بل لمراكز متخصصة أو متاحف تضمن بقاءها داخل ليبيا كإرث وطني.لان الخوف من التهريب:و البيع العشوائي يسهل خروج هذه التحف إلى خارج البلاد، لتستقر في متاحف دولية أو مجموعات خاصة، مما يجرد الليبيين من تاريخهم المادي.
إلا أن المواطنين البسطاء الذين يواجهون أزمات اقتصادية، وبعض تجار المعادن الثمينة.والحاجة المادية: يقول لسان حالهم: “لا تمنعني من بيع ملكي وأنا محتاج”. يرون أن التراث مهم، لكن تأمين الغذاء والدواء أو مصاريف الزواج أهم في ظل غلاء المعيشة. ويعترض البعض على تدخل الدولة أو الجمعيات في كيفية تصرفهم في مقتنيات ورثوها عن أجدادهم، معتبرين أنها «مدخرات للزمن الصعب».
بلقاسم البوعيش
لا توجد بدائل فاذا منعتني من بيعها كفضة «بوزن المعدن»، فمن سيشتريها مني بقيمتها التاريخية العالية؟”.
الفضة الليبية هي «أرشيف بصري» للهوية الوطنية.
العائلات ذات الدخل المحدود ضد التقييد الفضة هي “السيولة الأخيرة” لمواجهة الظروف الصعبة.
هواة الجمع والانتيك مع الحماية الحفاظ على ندرة القطع يزيد من قيمتها السوقية مستقبلاً.
تجار الصاغة «الصهارون» ضد الحماية عملهم يعتمد على تدوير المعدن وتلبية طلب السوق على الموديلات الحديثة.
لذلك يجب التوفيق ودلك
إنشاء “صندوق شراء التراث”: تقوم الدولة أو رجال الأعمال بشراء القطع النادرة من العائلات بأسعار أعلى من سعر السوق «سعر المعدن» للحفاظ عليها في متاحف.
التوثيق الرقمي: إذا كان لا بد من الصهر، يجب أولاً تصوير وتوثيق القطعة وأبعادها ونقوشها في قاعدة بيانات وطنية.
دعم الحرفيين: تشجيع الصاغة على محاكاة النقوش القديمة في إنتاج جديد بدلاً من صهر القديم الأصيل.
)ختاما(
كشف هذا الاستطلاع عن حقيقة قاسية تواجه الكثيرين؛ وهي أن الحاجة للسيولة المادية باتت تلتهم “رصيدنا المعنوي” وتراثنا الذي لا يعوض. إن التخلي عن قطع الفضة التاريخية والمشغولات التراثية لسد الاحتياجات اليومية يمثل ضريبة باهظة يدفعها المجتمع من تاريخه ووجدانه.
الاضطرار لا الاختيار: الغالبية العظمى ممن شملهم الاستطلاع أكدوا أن البيع ناتج عن ضغوط اقتصادية خانقة وليس رغبة في التجديد. كل قطعة فضة تُباع لتُصهر، هي خسارة لنمط فني وتاريخي كان يميز أجيالاً سابقة.غياب البدائل: تبيّن أن ضعف الحلول التمويلية وغلاء المعيشة هما المحركان الأساسيان لهذا “النزيف الثقافي”.
: إن حماية الموروث الثقافي تبدأ بتمكين الفرد اقتصادياً؛ فالتاريخ لا يحفظه الجياع، والذاكرة الوطنية تضعف عندما يصبح “البيع” هو السبيل الوحيد للبقاء. نأمل أن تكون هذه النتائج صرخة تنبيه للمؤسسات المعنية للتدخل والحفاظ على ما تبقى من كنوزنا الأسرية والتاريخية.



