الرئيسية

بين الحاجة والذاكرة مصوغاتنا الفضية السيــولة الأخيرة !!

هدي الميلودي

في‭ ‬أزقة‭ ‬أسواق‭ ‬

‭(‬المشير‭) ‬و‭(‬القزدارة‭)‬العتيقة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬رنين‭ ‬الفضة‭ ‬الليبية‭ ‬الخالصة‭ ‬يعزف‭ ‬ألحان‭ ‬الأفراح‭ ‬والزينة‭ ‬كما‭ ‬كان؛‭ ‬بل‭ ‬بات‭ ‬يئن‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الموازين‭ ‬التي‭ ‬تُقدر‭ ‬تاريخ‭ ‬الأجداد‭ ‬بسعر‭ ‬الغرام‭ ‬اليومي‭. ‬هناك،‭ ‬وفي‭ ‬مشهد‭ ‬يختزل‭ ‬قسوة‭ ‬الراهن،‭ ‬تقف‭ ‬العائلات‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬الصمت،‭ ‬لا‭ ‬لتشتري‭ ‬حلياً،‭ ‬بل‭ ‬لتودع‭ (‬الصدرة‭) ‬و‭(‬الخناق‭)‬‭ ‬و‭(‬الأسوار‭) ‬المتوارثة،‭ ‬محولةً‭ ‬إرثاً‭ ‬بصرياً‭ ‬واجتماعياً‭ ‬تراكم‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬سيولة‭ ‬نقدية‭ ‬تسد‭ ‬رمق‭ ‬العيش‭.‬تُشعل‭ ‬هذه‭ ‬التجارة‭ ‬المتصاعدة‭ ‬شرارة‭ ‬انقسام‭ ‬حاد‭ ‬يمزق‭ ‬الشارع‭ ‬الليبي؛‭ ‬فبينما‭ ‬يراها‭ ‬البعض‭ ‬ضرورة‭ ‬معيشية‭ ‬مريرة‭ ‬فرضتها‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الخانقة‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة،‭ ‬يصفها‭ ‬خبراء‭ ‬الآثار‭ ‬وحماة‭ ‬التراث‭ ‬بأنها‭ ‬جريمة‭ ‬تاريخية‭ ‬مكتملة‭ ‬الأركان،‭ ‬تمحو‭ ‬بصمة‭ ‬الهوية‭ ‬الليبية‭ ‬وتجرد‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬من‭ ‬رموزها‭ ‬الأصيلة‭.  ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬محلات‭ ‬الصاغة‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تداول‭ ‬لمعدن‭ ‬ثمين،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نزيف‭ ‬صامت‭ ‬لاستنزاف‭ ‬ذاكرة‭ ‬بصرية‭ ‬واجتماعية‭ ‬تشكلت‭ ‬عبر‭ ‬قرون،‭ ‬ليبقى‭ ‬السؤال‭ ‬المعلق‭ ‬وسط‭ ‬ضجيج‭ ‬المزايدات‭: ‬هل‭ ‬نبيع‭ ‬اليوم‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استرداده‭ ‬غداً،‭ ‬وهل‭ ‬ستغفر‭ ‬لنا‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬تحويل‭ ‬تاريخها‭ ‬إلى‭ ‬سبائك‭ ‬صماء؟‭ ‬

ليست‭ ‬مجرد‭ ‬معدن

إنها‭ ‬خزانة‭ ‬ذاكرتنا‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬نضعها‭ ‬على‭ ‬الميزان

موضوع‭ ‬بيع‭ ‬المقتنيات‭ ‬التراثية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬هو‭ ‬موضوع‭ ‬شائك‭ ‬يثير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬والمشاعر‭ ‬المختلطة،‭ ‬فالأمر‭ ‬يتأرجح‭ ‬دائماً‭ ‬بين‭ ‬القيمة‭ ‬المعنوية‭ ‬والهوية‭ ‬وبين‭ ‬الضغوط‭ ‬المعيشية‭ ‬الصعبة‭.‬حراس‭ ‬الهوية‭ ‬هم‭  ‬المثقفين،‭ ‬المهتمين‭ ‬بالتاريخ،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬العريقة‭. ‬حججهم‭ ‬تتركز‭ ‬في‭:‬

الهوية‭ ‬لا‭ ‬تُقدر‭ ‬بثمن‭: ‬يترسخ‭ ‬لديهم‭ ‬مبدأ‭ ‬أن‭ ‬“من‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬ماضٍ،‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬حاضر‭ ‬ولا‭ ‬مستقبل”‭. ‬بيع‭ ‬‮«‬الخِلال‮»‬‭ ‬الفضي،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الردي‮»‬‭ ‬القديم،‭ ‬أو‭ ‬المخطوطات،‭ ‬يُعتبر‭ ‬تفريطاً‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الروح‭ ‬الليبية‭. ‬إنه‭ ‬إرث‭ ‬للأجيال‭: ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المقتنيات‭ ‬أمانة‭ ‬يجب‭ ‬تسليمها‭ ‬للأبناء‭ ‬والأحفاد‭ ‬لتعريفهم‭ ‬بجذورهم،‭ ‬وليس‭ ‬بضاعة‭ ‬للربح‭ ‬السريع‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬التهريب‭ ‬و‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬هذه‭ ‬القطع‭ ‬في‭ ‬متاحف‭ ‬أجنبية‭ ‬أو‭ ‬مجموعات‭ ‬خاصة‭ ‬خارج‭ ‬البلاد،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬ضياعها‭ ‬من‭ ‬السجل‭ ‬الوطني‭ ‬الثقافي‭ ‬للأبد‭.‬

أسامة‭ ‬السوكني‭ ‬‭ ‬

المُضطر‭ ‬للبيع‭ ‬أجبرته‭ ‬‮«‬واقعية‭ ‬الظروف‮»‬

‭ ‬لا‭ ‬نبيع‭ ‬رغبةً‭ ‬في‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬التراث،‭ ‬بل‭ ‬مدفوعة‭ ‬بظروف‭ ‬قاهرة‭:‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭: ‬غلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬وتأخر‭ ‬الرواتب‭ ‬دفعنا‭ ‬لبيع‭ ‬حلي‭ ‬الفضة‭ ‬القديمة‭ ‬أو‭ ‬السيوف‭ ‬والمقتنيات‭ ‬الثمينة‭ ‬لتأمين‭ ‬احتياجات‭ ‬أساسية‭.‬كذلك‭ ‬غياب‭ ‬الوعي‭ ‬بالقيمة‭: ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬يبيع‭ ‬الورثة‭ ‬‮«‬خاصة‭ ‬الشباب‮»‬‭ ‬مقتنيات‭ ‬أجدادهم‭ ‬لأنهم‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬قيمتها‭ ‬التاريخية،‭ ‬ويرون‭ ‬فيها‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬أشياء‭ ‬قديمة‮»‬‭ ‬تشغل‭ ‬مساحة‭ ‬في‭ ‬البيت‭.‬

إبراهيم‭ ‬التاغدي‭ ‬

تجار‭ ‬الأنتيك‭ ‬‮«‬بين‭ ‬الهواية‭ ‬والاستثمار‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أسواق‭ ‬نشطة‭ ‬لبيع‭ ‬التراث‮»‬‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬المحلات‭ ‬هناك‭ ‬الجانب‭ ‬الإيجابي‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬التجار‭ ‬يساهمون‭ ‬في‭ ‬‮«‬ترميم‮»‬‭ ‬وحفظ‭ ‬قطع‭ ‬كانت‭ ‬ستتعرض‭ ‬للتلف‭ ‬بسبب‭ ‬الإهمال‭ ‬في‭ ‬البيوت‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الجانب‭ ‬السلبي‭:‬حيث‭ ‬يُتهم‭ ‬البعض‭ ‬بالمساهمة‭ ‬في‭ ‬طمس‭ ‬الهوية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بيع‭ ‬هذه‭ ‬القطع‭ ‬لجهات‭ ‬مجهولة‭ ‬أو‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬خروجها‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭.‬الاان‭ ‬هناك‭ ‬دعوات‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬عبر‭:‬

المتاحف‭ ‬الخاصة‭ ‬والبلدية‭: ‬تشجيع‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬إهداء‭ ‬أو‭ ‬إعارة‭ ‬مقتنياتهم‭ ‬للمتاحف‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬بيعها‭ ‬للخارج‭.‬ايضا‭ ‬التوثيق‭ ‬الرقمي‭: ‬تصوير‭ ‬المقتنيات‭ ‬وتوثيق‭ ‬قصصها‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تم‭ ‬بيعها،‭ ‬لتبقى‭ ‬القيمة‭ ‬المعنوية‭ ‬محفوظة‭. ‬وضرورة‭ ‬وجود‭ ‬قوانين‭ ‬صارمة‭ ‬تمنع‭ ‬خروج‭ ‬التراث‭ ‬الوطني،‭ ‬مع‭ ‬توفير‭ ‬تعويضات‭ ‬أو‭ ‬مكافآت‭ ‬لمن‭ ‬يسلم‭ ‬قطعاً‭ ‬نادرة‭ ‬للدولة‭.‬

‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الليبي‭ ‬في‭ ‬مجمله‭ ‬ضد‭ ‬البيع‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬للطمس،‭ ‬لكنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الغيرة‭ ‬على‭ ‬التراث‮»‬‭ ‬وبين‭ ‬‮«‬الواقع‭ ‬المعيشي‮»‬

سالم‭ ‬الغزيوي

بيع‭ ‬الفضة‭ ‬الليبية‭ ‬أمر‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الاهمية‭ ‬فمايحدث‭ ‬اليوم‭ ‬ماهو‭ ‬إلا‭ ‬‮«‬طمس‭ ‬ممنهج‭ ‬للموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬الليبي‮»‬،‭ ‬فاالعائلات‭ ‬بدأت‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬بيع‭ ‬تحف‭ ‬نادرة‭ ‬ورثتها‭ ‬عن‭ ‬أجدادها،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬ينذر‭ ‬بخسارة‭ ‬لا‭ ‬تُقدّر‭ ‬بثمن‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬

‭ ‬يراها‭ ‬‮«‬ضرورة‭ ‬معيشية‮»‬‭ ‬فرضتها‭ ‬الظروف،‭ ‬ومن‭ ‬يراها‭ ‬‮«‬جريمة‭ ‬تاريخية‮»‬‭ ‬تمحو‭ ‬الهوية‭. ‬فالمواطن‭ ‬لا‭ ‬يلجأ‭ ‬لبيع‭ ‬إرث‭ ‬عائلته‭ ‬إلا‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الحاجة،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬الإنسان‭ ‬أغلى‭ ‬من‭ ‬الجماد‮»‬‭.‬

الضائقة‭ ‬المالية‭ ‬وغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬وتأخر‭ ‬الرواتب‭ ‬دفع‭ ‬العائلات‭ ‬لبيع‭ ‬‮«‬الخناق‮»‬‭ ‬و«الصدرة‮»‬‭ ‬لتأمين‭ ‬أساسيات‭ ‬الحياة

و‭ ‬أن‭ ‬القطع‭ ‬ملكية‭ ‬فردية،‭ ‬ولصاحبها‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬التصرف‭ ‬بها‭ ‬كسيولة‭ ‬مالية‭ ‬عند‭ ‬الأزمات‭.‬كذلك‭ ‬

غياب‭ ‬الدعم‭ ‬الحكومي‭: ‬الدولة‭ ‬لعدم‭ ‬توفير‭ ‬آليات‭ ‬‮«‬مثل‭ ‬متاحف‭ ‬تشتري‭ ‬هذه‭ ‬القطع‮»‬‭ ‬لحفظها‭ ‬مع‭ ‬تعويض‭ ‬أصحابها‭ ‬مادياً‭. ‬

عبدالله‭ ‬الترهوني‭ ‬

‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬هو‭ ‬‮«‬استنزاف‭ ‬للهوية‮»‬‭ ‬وتحويل‭ ‬التاريخ‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬وزن‭ ‬من‭ ‬المعدن‭ ‬يُباع‭ ‬ويُصهر‭.‬الطمس‭ ‬الممنهج‭: ‬يخشى‭ ‬المثقفون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬خروج‭ ‬هذه‭ ‬القطع‭ ‬‮«‬خاصة‭ ‬النادرة‭ ‬منها‮»‬‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭ ‬يعني‭ ‬ضياع‭ ‬أدلة‭ ‬مادية‭ ‬على‭ ‬الحقب‭ ‬التاريخية‭ ‬الليبية‭.‬

فالقيمة‭ ‬المعنوية‭: ‬للفضة‭ ‬الليبية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬معدن،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬“خزانة‭ ‬أسرار”‭ ‬تحمل‭ ‬نقوشاً‭ ‬ورموزاً‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬مناطق‭ ‬وقبائل‭ ‬وتاريخ‭ ‬اجتماعي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تعويضه‭.‬

و‭ ‬أكبر‭ ‬المخاوف‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬قيام‭ ‬التجار‭ ‬بصهر‭ ‬القطع‭ ‬القديمة‭ ‬لتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬سبائك‭ ‬أو‭ ‬صياغتها‭ ‬بشكل‭ ‬حديث،‭ ‬مما‭ ‬ينهي‭ ‬وجود‭ ‬القطعة‭ ‬الأثرية‭ ‬للأبد‭.‬

ان تيار‭ ‬‮«‬الضرورة‭ ‬المعيشية‮»‬ تيار‭ ‬“حماية‭ ‬الموروث”

النظرة‭ ‬للقطعة رأسمال‭ ‬احتياطي‭ ‬للأزمات‭.‬ وثيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬لا‭ ‬تقدر‭ ‬بثمن‭.‬

المسؤولية تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭.‬ تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الفرد‭ ‬والدولة‭ ‬معاً‭.‬والحل‭ ‬المقترح توفير‭ ‬سيولة‭ ‬ودعم‭ ‬مادي‭ ‬للمواطن‭.‬ إنشاء‭ ‬متاحف‭ ‬وطنية‭ ‬وسن‭ ‬قوانين‭ ‬تمنع‭ ‬التصدير‭ ‬فالجدل‭ ‬لا‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬“حب‭ ‬التراث”‭ ‬من‭ ‬عدمه،‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬المقايضة‭ ‬الصعبة‭ ‬بين‭ ‬البقاء‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭. ‬التحذيرات‭ ‬من‭ ‬“الطمس‭ ‬الممنهج”‭ ‬تعكس‭ ‬خوفاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬بلا‭ ‬شواهد‭ ‬مادية‭ ‬على‭ ‬رقي‭ ‬وحضارة‭ ‬أجدادهم‭.‬لذلك‭ ‬يجب‭   ‬إطلاق‭ ‬حملات‭ ‬توعية‭ ‬وطنية،‭ ‬وتفعيل‭ ‬دور‭ ‬“مصلحة‭ ‬الآثار”‭ ‬لتوثيق‭ ‬هذه‭ ‬المقتنيات‭ ‬وشرائها‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تركها‭ ‬لأسواق‭ ‬الصاغة‭ ‬أو‭ ‬التهريب‭.‬

فاطمة‭ ‬التاجوري‭ ‬

بصراحة‭ ‬اني‭ ‬ضد‭ ‬الصهر‭ ‬جملة‭ ‬وتفصيلاً‭ ‬أن‭ ‬صهر‭ ‬‮«‬ال‭ ‬شنبير‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الخناق‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الدبلون‮»‬‭ ‬هو‭ ‬جريمة‭ ‬حضارية؛‭ ‬لأن‭ ‬القطعة‭ ‬إذا‭ ‬صُهرت‭ ‬فُقدت‭ ‬تفاصيل‭ ‬نقوشها‭ ‬اليدوية‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬لمئات‭ ‬السنين‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تكرارها‭.‬يجب‭ ‬المطالبة‭ ‬بتقنين‭ ‬البيع‭ ‬و‭ ‬ألا‭ ‬تُباع‭ ‬هذه‭ ‬القطع‭ ‬لمحلات‭ ‬الصاغة‭ ‬العادية،‭ ‬بل‭ ‬لمراكز‭ ‬متخصصة‭ ‬أو‭ ‬متاحف‭ ‬تضمن‭ ‬بقاءها‭ ‬داخل‭ ‬ليبيا‭ ‬كإرث‭ ‬وطني‭.‬لان‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬التهريب‭:‬و‭ ‬البيع‭ ‬العشوائي‭ ‬يسهل‭ ‬خروج‭ ‬هذه‭ ‬التحف‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬البلاد،‭ ‬لتستقر‭ ‬في‭ ‬متاحف‭ ‬دولية‭ ‬أو‭ ‬مجموعات‭ ‬خاصة،‭ ‬مما‭ ‬يجرد‭ ‬الليبيين‭ ‬من‭ ‬تاريخهم‭ ‬المادي‭.‬

إلا‭ ‬أن‭  ‬المواطنين‭ ‬البسطاء‭ ‬الذين‭ ‬يواجهون‭ ‬أزمات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬وبعض‭ ‬تجار‭ ‬المعادن‭ ‬الثمينة‭.‬والحاجة‭ ‬المادية‭: ‬يقول‭ ‬لسان‭ ‬حالهم‭: ‬“لا‭ ‬تمنعني‭ ‬من‭ ‬بيع‭ ‬ملكي‭ ‬وأنا‭ ‬محتاج”‭. ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬التراث‭ ‬مهم،‭ ‬لكن‭ ‬تأمين‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬أو‭ ‬مصاريف‭ ‬الزواج‭ ‬أهم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غلاء‭ ‬المعيشة‭. ‬ويعترض‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬تدخل‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬الجمعيات‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬تصرفهم‭ ‬في‭ ‬مقتنيات‭ ‬ورثوها‭ ‬عن‭ ‬أجدادهم،‭ ‬معتبرين‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬مدخرات‭ ‬للزمن‭ ‬الصعب‮»‬‭.‬

‭ ‬

‭ ‬بلقاسم‭ ‬البوعيش

لا‭ ‬توجد‭ ‬بدائل‭ ‬فاذا‭ ‬منعتني‭ ‬من‭ ‬بيعها‭ ‬كفضة‭ ‬‮«‬بوزن‭ ‬المعدن‮»‬،‭ ‬فمن‭ ‬سيشتريها‭ ‬مني‭ ‬بقيمتها‭ ‬التاريخية‭ ‬العالية؟”‭.‬

الفضة‭ ‬الليبية‭ ‬هي‭ ‬‮«‬أرشيف‭ ‬بصري‮»‬‭ ‬للهوية‭ ‬الوطنية‭.‬

العائلات‭ ‬ذات‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬ضد‭ ‬التقييد الفضة‭ ‬هي‭ ‬“السيولة‭ ‬الأخيرة”‭ ‬لمواجهة‭ ‬الظروف‭ ‬الصعبة‭.‬

هواة‭ ‬الجمع‭ ‬والانتيك مع‭ ‬الحماية الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ندرة‭ ‬القطع‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭ ‬مستقبلاً‭.‬

تجار‭ ‬الصاغة‭ ‬‮«‬الصهارون‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬الحماية عملهم‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬تدوير‭ ‬المعدن‭ ‬وتلبية‭ ‬طلب‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬الموديلات‭ ‬الحديثة‭.‬

لذلك‭ ‬يجب‭  ‬التوفيق‭ ‬ودلك‭ ‬

إنشاء‭ ‬“صندوق‭ ‬شراء‭ ‬التراث”‭: ‬تقوم‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال‭ ‬بشراء‭ ‬القطع‭ ‬النادرة‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬بأسعار‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬سعر‭ ‬السوق‭ ‬‮«‬سعر‭ ‬المعدن‮»‬‭ ‬للحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬متاحف‭.‬

التوثيق‭ ‬الرقمي‭: ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الصهر،‭ ‬يجب‭ ‬أولاً‭ ‬تصوير‭ ‬وتوثيق‭ ‬القطعة‭ ‬وأبعادها‭ ‬ونقوشها‭ ‬في‭ ‬قاعدة‭ ‬بيانات‭ ‬وطنية‭.‬

دعم‭ ‬الحرفيين‭: ‬تشجيع‭ ‬الصاغة‭ ‬على‭ ‬محاكاة‭ ‬النقوش‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬جديد‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬صهر‭ ‬القديم‭ ‬الأصيل‭.‬

‭)‬ختاما‭(‬

‭ ‬كشف‭ ‬هذا‭ ‬الاستطلاع‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬قاسية‭ ‬تواجه‭ ‬الكثيرين؛‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬الحاجة‭ ‬للسيولة‭ ‬المادية‭ ‬باتت‭ ‬تلتهم‭ ‬“رصيدنا‭ ‬المعنوي”‭ ‬وتراثنا‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعوض‭. ‬إن‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬قطع‭ ‬الفضة‭ ‬التاريخية‭ ‬والمشغولات‭ ‬التراثية‭ ‬لسد‭ ‬الاحتياجات‭ ‬اليومية‭ ‬يمثل‭ ‬ضريبة‭ ‬باهظة‭ ‬يدفعها‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬تاريخه‭ ‬ووجدانه‭.‬

الاضطرار‭ ‬لا‭ ‬الاختيار‭: ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬ممن‭ ‬شملهم‭ ‬الاستطلاع‭ ‬أكدوا‭ ‬أن‭ ‬البيع‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬ضغوط‭ ‬اقتصادية‭ ‬خانقة‭ ‬وليس‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬التجديد‭. ‬كل‭ ‬قطعة‭ ‬فضة‭ ‬تُباع‭ ‬لتُصهر،‭ ‬هي‭ ‬خسارة‭ ‬لنمط‭ ‬فني‭ ‬وتاريخي‭ ‬كان‭ ‬يميز‭ ‬أجيالاً‭ ‬سابقة‭.‬غياب‭ ‬البدائل‭: ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬ضعف‭ ‬الحلول‭ ‬التمويلية‭ ‬وغلاء‭ ‬المعيشة‭ ‬هما‭ ‬المحركان‭ ‬الأساسيان‭ ‬لهذا‭ ‬“النزيف‭ ‬الثقافي”‭.‬

‭: ‬إن‭ ‬حماية‭ ‬الموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬تبدأ‭ ‬بتمكين‭ ‬الفرد‭ ‬اقتصادياً؛‭ ‬فالتاريخ‭ ‬لا‭ ‬يحفظه‭ ‬الجياع،‭ ‬والذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬تضعف‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬“البيع”‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬للبقاء‭. ‬نأمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬صرخة‭ ‬تنبيه‭ ‬للمؤسسات‭ ‬المعنية‭ ‬للتدخل‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬كنوزنا‭ ‬الأسرية‭ ‬والتاريخية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى