كيف تمنعنا ثقافة العيب من طلب العلاج النفسي؟
في المجالس المزدحمة والضحكات العالية، قد يجلس شخص يبتسم طوال الوقت… لكنه ينهار حين يعود إلى غرفته. هذا التناقض أصبح جزءًا مألوفًا من حياتنا اليومية، حيث يتقن كثيرون فن التظاهر بالقوة، بينما يخوضون معارك نفسية لا يراها أحد في مجتمع يقدّس الصبر ويخشى الوصمة، يتحوَّل الألم النفسي إلى سر يجب إخفاؤه لا علاجه.
ثقافة «العيب» لا تكتفي بإسكات المعاناة، بل تعيد تعريفها. فبدلاً من النظر إلى القلق والاكتئاب كحالات إنسانية تحتاج دعماً وعلاجاً، يُختزلان في أوصاف جارحة مثل«ضعف الإيمان»، أو «الدلال» أو «قلة التحمل».
هكذا يصبح طلب المساعدة النفسية مغامرة اجتماعية قد تكلف صاحبها سمعته، وربما علاقاته وفرصه في العمل والزواج. والنتيجة؟ يختار كثيرون الصمت على حساب صحتهم.
يؤكد مختصون أن أخطر ما في الوصمة الاجتماعية أنها تدفع الأفراد إلى تأخير طلب العلاج، ما يؤدي إلى تفاقم الأعراض وتحولها إلى أزمات أكبر تمس الأسرة والعمل والمجتمع بأكمله. فالمشكلة لم تعد فردية؛ إنها قضية صحة عامة تتطلب تغييراً جماعياً في الوعي والسلوك.
المفارقة أن المجتمع الذي يخشى «كلام الناس» هو نفسه الذي يئن بصمت من ضغوط اقتصادية وأسرية وأمنية متراكمة. الجميع متعب، لكن القليل فقط يجرؤ على الاعتراف. وبين الخوف من الوصمة والحاجة إلى الدعم، تضيع فرص الشفاء.
ربما حان الوقت لإعادة تعريف الشجاعة. فالقوة ليستْ في إخفاء الألم، بل في مواجهته. وطلب المساعدة ليس عيباً، بل خطوة أولى نحو التعافي، ونحو مجتمع أكثر رحمة وإنسانية.


