رأي

حين يصبح الألم سراً

فائزة صالح

كيف‭ ‬تمنعنا‭ ‬ثقافة‭ ‬العيب‭ ‬من‭ ‬طلب‭ ‬العلاج‭ ‬النفسي؟

في‭ ‬المجالس‭ ‬المزدحمة‭ ‬والضحكات‭ ‬العالية،‭ ‬قد‭ ‬يجلس‭ ‬شخص‭ ‬يبتسم‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‮…‬‭ ‬لكنه‭ ‬ينهار‭ ‬حين‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬غرفته‭. ‬هذا‭ ‬التناقض‭  ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬مألوفًا‭ ‬من‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية،‭ ‬حيث‭ ‬يتقن‭ ‬كثيرون‭ ‬فن‭ ‬التظاهر‭ ‬بالقوة،‭ ‬بينما‭ ‬يخوضون‭ ‬معارك‭ ‬نفسية‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬يقدّس‭ ‬الصبر‭ ‬ويخشى‭ ‬الوصمة،‭ ‬يتحوَّل‭ ‬الألم‭ ‬النفسي‭ ‬إلى‭ ‬سر‭ ‬يجب‭ ‬إخفاؤه‭ ‬لا‭ ‬علاجه‭.‬

ثقافة‭ ‬‮«‬العيب‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بإسكات‭ ‬المعاناة،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬تعريفها‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬القلق‭ ‬والاكتئاب‭ ‬كحالات‭ ‬إنسانية‭ ‬تحتاج‭ ‬دعماً‭ ‬وعلاجاً،‭ ‬يُختزلان‭ ‬في‭ ‬أوصاف‭ ‬جارحة‭ ‬مثل«ضعف‭ ‬الإيمان‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الدلال‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬قلة‭ ‬التحمل‮»‬‭.‬

هكذا‭ ‬يصبح‭ ‬طلب‭ ‬المساعدة‭ ‬النفسية‭ ‬مغامرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬قد‭ ‬تكلف‭ ‬صاحبها‭ ‬سمعته،‭ ‬وربما‭ ‬علاقاته‭ ‬وفرصه‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والزواج‭. ‬والنتيجة؟‭ ‬يختار‭ ‬كثيرون‭ ‬الصمت‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬صحتهم‭.‬

يؤكد‭ ‬مختصون‭ ‬أن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الوصمة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أنها‭ ‬تدفع‭ ‬الأفراد‭ ‬إلى‭ ‬تأخير‭ ‬طلب‭ ‬العلاج،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬الأعراض‭ ‬وتحولها‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬أكبر‭ ‬تمس‭ ‬الأسرة‭ ‬والعمل‭ ‬والمجتمع‭ ‬بأكمله‭. ‬فالمشكلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فردية؛‭ ‬إنها‭ ‬قضية‭ ‬صحة‭ ‬عامة‭ ‬تتطلب‭ ‬تغييراً‭ ‬جماعياً‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬والسلوك‭.‬

المفارقة‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يخشى‭ ‬‮«‬كلام‭ ‬الناس‮»‬‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬يئن‭ ‬بصمت‭ ‬من‭ ‬ضغوط‭ ‬اقتصادية‭ ‬وأسرية‭ ‬وأمنية‭ ‬متراكمة‭. ‬الجميع‭ ‬متعب،‭ ‬لكن‭ ‬القليل‭ ‬فقط‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬الاعتراف‭. ‬وبين‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الوصمة‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الدعم،‭ ‬تضيع‭ ‬فرص‭ ‬الشفاء‭.‬

ربما‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الشجاعة‭. ‬فالقوة‭ ‬ليستْ‭ ‬في‭ ‬إخفاء‭ ‬الألم،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مواجهته‭. ‬وطلب‭ ‬المساعدة‭ ‬ليس‭ ‬عيباً،‭ ‬بل‭ ‬خطوة‭ ‬أولى‭ ‬نحو‭ ‬التعافي،‭ ‬ونحو‭ ‬مجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬رحمة‭ ‬وإنسانية‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى