
داخل قاعة الأحوال الشخصية، كان الصمتُ مختلفًا هذه المرة.
لا صراخ… لا دموع مرتفعة… فقط توتر ثقيل.. الملف المعروض أمام القاضي يحمل عنوانًا قانونيًا جافًا: )دعوى إثبات نسب(.
لكن خلف هذا العنوان حياة كاملة معلّقة.
وقائع الملف كما وردتْ في صحيفة الدعوى:
- زواج موثق بعقد شرعي.
- حمل وقع خلال فترة الزواج.
- خلافات حادة انتهتْ بانفصال فعلي قبل الطلاق الرسمي.
الزوج ينكر نسبة المولود إليه.
الزوجة تطالب بإثبات النسب وإلزامه بالحقوق القانونية كافة للطفل.
الزوج دفع أمام المحكمة بأن العلاقة الزوجية كانتْ متوترة، وأن الانفصال سبق الحمل حسب ادعائه.
الزوجة تمسكتْ بتاريخ العقد… وفترة الحمل… وطلبتْ اللجوء للخبرة الطبية. ماذا يقول القانون الليبي؟
قانون الأحوال الشخصية الليبي يعتمد في مسائل النسب على
قيام الزواج الصحيح.
إمكانية التلاقي بين الزوجين خلال فترة الحمل.
المدة الشرعية للحمل.
الأصل في القانون:
)الولد يُنسب إلى الفراش الصحيح ما لم يثبت العكس بدليل قاطع(.
إنكار النسب ليس أمرًا بسيطًا،ولا يُقبل بمجرد الشك، أو الادعاء.
وفي بعض الحالات، قد تأمر المحكمة بإجراء فحوصات طبية حديثة «عند توفرها وبإذن قضائي» كوسيلة استدلال، لكن يبقى الأصل هو حماية النسب واستقراره.
ما رصدناه داخل الجلسة
القاضي لم يتعامل مع المسألة كخلاف زوجي.. بل كقضية تمس هوية طفل.
سألَ سؤالًا مباشرًا :
هل لديكَ دليلٌ قانوني ينفي إمكانيةالنسب؟
لم يكن السؤال عن المشاعر…بل عن الإثبات.
قضايا إنكار النسب بدأتْ تظهر بشكل أكبر في السنوات الأخيرة، لأسباب متعدَّدة: تفكك العلاقات قبل استكمال الإجراءات الرسمية.. جهل قانوني بفترات العدة، والحمل.
تأثير مواقع التواصل في تضخيم الشكوك.
صراعات مالية بعد الانفصال.
وفي أغلب الحالات، المتضرر الأول ليس الزوج ولا الزوجة…
بل الطفل.
البعد النفسي والاجتماعي
إنكار النسب لا يوقف عند ورقة حكم هو وصمة اجتماعية.
اضطراب في الهوية. نزاع عائلي ممتد.
أزمة ثقة تمتد لسنوات.
وفي مجتمع محافظ، تتحول المسألة من قضية قانونية إلى ضغط اجتماعي واسع أما الرؤية الدينية بإيجاز
الشريعة الإسلامية شددت على حفظ الأنساب.
والتشكيك في النسب دون بيّنة معتبرة يُعد أمرًا خطيرًا أخلاقيًا ودينيًا.
الأصل هو الستر وحماية الأسرة،
لا فتح أبواب الشك بلا دليل.
ماذا يحدث غالبًا في مثل هذه القضايا؟
المحكمة تتحقق من تاريخ الزواج.
تنظر في مدة الحمل.
تدرس إمكانية اللقاء بين الزوجين.
قد تلجأ للخبرة الفنية إن لزم.
تحكم بثبوت النسب إذا توافرت شروطه القانونية.
وإن ثبت النسب، تترتب جميع الحقوق:
النفقة – الاسم – الميراث – الحضانة في قضايا النسب،
لا يكون النزاع بين رجل وامرأة فقط…
بل بين الشك والهوية.
وبين ورقة الدعوى… ومستقبل طفل.
وتبقي قضايا النسب من القضايا الأكتر وجعا لطفل يواجه المجتمع فى ظل صراع أسري يكون فيه هو الضحية الأولى .

