هدرزة

حين‭ ‬يصبح‭ ‬الدم‭ ‬قضية‭ ‬أمام‭ ‬القاضي

عبير المحجوب

داخل‭ ‬قاعة‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية،‭ ‬كان‭ ‬الصمتُ‭ ‬مختلفًا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭.‬

لا‭ ‬صراخ‮…‬‭ ‬لا‭ ‬دموع‭ ‬مرتفعة‮…‬‭ ‬فقط‭ ‬توتر‭ ‬ثقيل‭.. ‬الملف‭ ‬المعروض‭ ‬أمام‭ ‬القاضي‭ ‬يحمل‭ ‬عنوانًا‭ ‬قانونيًا‭ ‬جافًا‭: ‬‭)‬دعوى‭ ‬إثبات‭ ‬نسب‭(‬‭.‬

لكن‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬العنوان‭ ‬حياة‭ ‬كاملة‭ ‬معلّقة‭.‬

‭ ‬وقائع‭ ‬الملف‭ ‬كما‭ ‬وردتْ‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬الدعوى‭:‬

‭- ‬زواج‭ ‬موثق‭ ‬بعقد‭ ‬شرعي‭.‬

‭- ‬حمل‭ ‬وقع‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الزواج‭.‬

‭- ‬خلافات‭ ‬حادة‭ ‬انتهتْ‭ ‬بانفصال‭ ‬فعلي‭ ‬قبل‭ ‬الطلاق‭ ‬الرسمي‭.‬

الزوج‭ ‬ينكر‭ ‬نسبة‭ ‬المولود‭ ‬إليه‭.‬

الزوجة‭ ‬تطالب‭ ‬بإثبات‭ ‬النسب‭ ‬وإلزامه‭ ‬بالحقوق‭ ‬القانونية‭ ‬كافة‭ ‬للطفل‭.‬

الزوج‭ ‬دفع‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة‭ ‬بأن‭ ‬العلاقة‭ ‬الزوجية‭ ‬كانتْ‭ ‬متوترة،‭ ‬وأن‭ ‬الانفصال‭ ‬سبق‭ ‬الحمل‭ ‬حسب‭ ‬ادعائه‭.‬

الزوجة‭ ‬تمسكتْ‭ ‬بتاريخ‭ ‬العقد‮…‬‭ ‬وفترة‭ ‬الحمل‮…‬‭ ‬وطلبتْ‭ ‬اللجوء‭ ‬للخبرة‭ ‬الطبية‭.  ماذا‭ ‬يقول‭ ‬القانون‭ ‬الليبي؟

قانون‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬الليبي‭ ‬يعتمد‭ ‬في‭ ‬مسائل‭ ‬النسب‭ ‬على‭ ‬

قيام‭ ‬الزواج‭ ‬الصحيح‭.‬

إمكانية‭ ‬التلاقي‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الحمل‭.‬

المدة‭ ‬الشرعية‭ ‬للحمل‭.‬

الأصل‭ ‬في‭ ‬القانون‭:‬

‭)‬الولد‭ ‬يُنسب‭ ‬إلى‭ ‬الفراش‭ ‬الصحيح‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يثبت‭ ‬العكس‭ ‬بدليل‭ ‬قاطع‭(.‬

إنكار‭ ‬النسب‭ ‬ليس‭ ‬أمرًا‭ ‬بسيطًا،ولا‭ ‬يُقبل‭ ‬بمجرد‭ ‬الشك،‭ ‬أو‭ ‬الادعاء‭.‬

وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬قد‭ ‬تأمر‭ ‬المحكمة‭ ‬بإجراء‭ ‬فحوصات‭ ‬طبية‭ ‬حديثة‭ ‬‮«‬عند‭ ‬توفرها‭ ‬وبإذن‭ ‬قضائي‮»‬‭ ‬كوسيلة‭ ‬استدلال،‭ ‬لكن‭ ‬يبقى‭ ‬الأصل‭ ‬هو‭ ‬حماية‭ ‬النسب‭ ‬واستقراره‭.‬

‭ ‬ما‭ ‬رصدناه‭ ‬داخل‭ ‬الجلسة

القاضي‭ ‬لم‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬المسألة‭ ‬كخلاف‭ ‬زوجي‭.. ‬بل‭ ‬كقضية‭ ‬تمس‭ ‬هوية‭ ‬طفل‭.‬

سألَ‭ ‬سؤالًا‭ ‬مباشرًا‭ :‬

هل‭ ‬لديكَ‭ ‬دليلٌ‭ ‬قانوني‭ ‬ينفي‭ ‬إمكانيةالنسب؟

لم‭ ‬يكن‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬المشاعر…بل‭ ‬عن‭ ‬الإثبات‭.‬

قضايا‭ ‬إنكار‭ ‬النسب‭ ‬بدأتْ‭ ‬تظهر‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لأسباب‭ ‬متعدَّدة‭: ‬تفكك‭ ‬العلاقات‭ ‬قبل‭ ‬استكمال‭ ‬الإجراءات‭ ‬الرسمية‭.. ‬جهل‭ ‬قانوني‭ ‬بفترات‭ ‬العدة،‭ ‬والحمل‭. 

تأثير‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬الشكوك‭.‬

صراعات‭ ‬مالية‭ ‬بعد‭ ‬الانفصال‭.‬

وفي‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات،‭ ‬المتضرر‭ ‬الأول‭ ‬ليس‭ ‬الزوج‭ ‬ولا‭ ‬الزوجة‮…‬

بل‭ ‬الطفل‭.‬

البعد‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي

إنكار‭ ‬النسب‭ ‬لا‭ ‬يوقف‭ ‬عند‭ ‬ورقة‭ ‬حكم‭ ‬هو‭ ‬وصمة‭ ‬اجتماعية‭.‬

اضطراب‭ ‬في‭ ‬الهوية‭. ‬نزاع‭ ‬عائلي‭ ‬ممتد‭.‬

أزمة‭ ‬ثقة‭ ‬تمتد‭ ‬لسنوات‭.‬

وفي‭ ‬مجتمع‭ ‬محافظ،‭ ‬تتحول‭ ‬المسألة‭ ‬من‭ ‬قضية‭ ‬قانونية‭ ‬إلى‭ ‬ضغط‭ ‬اجتماعي‭ ‬واسع‭ ‬أما‭ ‬الرؤية‭ ‬الدينية‭ ‬بإيجاز‭ ‬

الشريعة‭ ‬الإسلامية‭ ‬شددت‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬الأنساب‭.‬

والتشكيك‭ ‬في‭ ‬النسب‭ ‬دون‭ ‬بيّنة‭ ‬معتبرة‭ ‬يُعد‭ ‬أمرًا‭ ‬خطيرًا‭ ‬أخلاقيًا‭ ‬ودينيًا‭.‬

الأصل‭ ‬هو‭ ‬الستر‭ ‬وحماية‭ ‬الأسرة،

لا‭ ‬فتح‭ ‬أبواب‭ ‬الشك‭ ‬بلا‭ ‬دليل‭.‬

‭ ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬غالبًا‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القضايا؟

المحكمة‭ ‬تتحقق‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الزواج‭.‬

تنظر‭ ‬في‭ ‬مدة‭ ‬الحمل‭.‬

تدرس‭ ‬إمكانية‭ ‬اللقاء‭ ‬بين‭ ‬الزوجين‭.‬

قد‭ ‬تلجأ‭ ‬للخبرة‭ ‬الفنية‭ ‬إن‭ ‬لزم‭.‬

تحكم‭ ‬بثبوت‭ ‬النسب‭ ‬إذا‭ ‬توافرت‭ ‬شروطه‭ ‬القانونية‭.‬

وإن‭ ‬ثبت‭ ‬النسب،‭ ‬تترتب‭ ‬جميع‭ ‬الحقوق‭:‬

النفقة‭ ‬‭ ‬الاسم‭ ‬‭ ‬الميراث‭ ‬‭ ‬الحضانة‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬النسب،

لا‭ ‬يكون‭ ‬النزاع‭ ‬بين‭ ‬رجل‭ ‬وامرأة‭ ‬فقط‮…‬

بل‭ ‬بين‭ ‬الشك‭ ‬والهوية‭.‬

وبين‭ ‬ورقة‭ ‬الدعوى‮…‬‭ ‬ومستقبل‭ ‬طفل‭.‬

وتبقي‭ ‬قضايا‭ ‬النسب‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الأكتر‭ ‬وجعا‭ ‬لطفل‭ ‬يواجه‭ ‬المجتمع‭ ‬فى‭ ‬ظل‭ ‬صراع‭ ‬أسري‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ ‬هو‭ ‬الضحية‭ ‬الأولى‭ .‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى