لم تكنْ «ريحانة» يومًا مجرد طفلة تعيش في البيت، بل كانت روحًا تديره دون أن تشعر..صغيرة البيت، نعم..لكنها الأكبر والأكثر حضوراً، تدخل بهدوء يشبه هدوء مَنْ يعرف مكانه جيداً.. لا ترفع صوتها، ولا تحتاج إلى إعلان القدوم، يكفي أن تحضر لتصير التفاصيل أكثر ترتيباً، والقلوب أكثر انتباهاً.
في عينيها كبرياء طفولي لا يطغى بل يستقر هادئة حد الدهشة… واثقة حد الإرباك.
تشبه والدتها إلى درجة تجعلك تبتسم قبل أن تلاحظ ذلك، في جنونها الجميل، في عفويتها الصادقة، في دبلوماسيتها الناعمة، وفي طريقة طلبها للأشياء، وحتى في ثورتها حين تغضب، ثورة قصيرة، ذكية… تعرف متى تبدأها ومتى تنهيها.
مع أمها لا تتعامل ريحانة كطفلة فقط، بل كقلب صغير يعرف كيف يحتضن.
تناديها بعينين قبل اللسان، وتفهمها بإشارة تغلب البيان، وتجادلها بحب … تطلب منها الأشياء بأسلوب يجعل الرفض صعباً، إن لم يكن مستحيلاً، ليس لأن الطلب كبير، بل لأن الطريق إليه مليء بالحنان.
في حضن أمها تهدأ أكثر، وفي قربها تشبه نسخة مصغرة منها، تعكس جنونها وعقلها وحكمتها وعفويتها وبرائتها في آن واحد.
أما مع إخوتها، فهي الصغيرة التي يعرف الجميع أنها ليست أضعفهم.
تراقبهم بصمت، تتعلم منهم، وتعلمهم دون أن يشعروا…. تملك تلك الحنكة الطفولية التي تجعلها تأخذ حقها كاملاً، وتفرض وجودها دون صراع…. إن خاصموها، انتصرت بهدوئها، وإن تجاهلوها، لفتت انتباههم إليها بنظرات محسوب، وبكلمات بليغة غير مكتوبة.
يعرف إخوتها أن «ريحانة» إذا أرادتْ شيئا ستأخذه، ليس عنادًا فقط، بل ذكاءً وحبًا.
تقدس أشياءها كما تقدس علاقاتها .. لكل لعبة قيمة، ولكل لون معنى.. تحب الأناقة وتنسق ملابسها بدقة شديدة، وكأن الذوق خُلِقَ معها…. تحبُ نفسها كثيرًا، وتثق بها، هي متمردة بطريقتها الخاصة.. لا تحب العربية في تعليمها، وتميل إلى الإنجليزية، كأنها لغة أقرب لخيالها وخطواتها الخفيفة، فليس لها مع الإعراب ولا مع جمع المذكر، ولا تؤمن بنون النسوة، ولا تستسيغ كان وأخواتها.
«ريحانة» القلب ليستْ مجرد طفلة، بل ميزان البيت الصغير هي الحب حين يتجسد في أصغر أفراد الأسرة، والهدوء حين يربك أكبر الموجودين بالبيت، فهي الدليل الهادئ على أن الصغار أحياناً هم أكثر من يفهم معنى العائلة.

