ثقافة

في أثر عنايات الزيات

إشراف: سميرة البوزيدي

تأسرنا‭ ‬كتبُ‭ ‬السير‭ ‬التي‭ ‬تتبع‭ ‬أطيافًا‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬وتستعيد‭ ‬قصصًا‭ ‬لشخصيات‭ ‬طواها‭ ‬النسيان،‭ ‬ويكمن‭ ‬سحر‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬الأدبي‭ ‬والإنساني‭ ‬في‭ ‬قيمته‭ ‬المزدوجة‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬كونه‭ ‬سجلًا‭ ‬تاريخيًا‭ ‬يؤرخ‭ ‬لمرحلة‭ ‬أو‭ ‬اتجاه،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬تأثيره‭ ‬ليتغلغل‭ ‬في‭ ‬أعماقنا،‭ ‬فالشخصية‭ ‬التي‭ ‬يدرسها‭ ‬الكاتب‭ ‬قد‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬حكايةً‭ ‬ملهمةً‭ ‬نستلهم‭ ‬منها‭ ‬العبر،‭ ‬أو‭ ‬نتعرف‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬على‭ ‬قصة‭ ‬منسية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الأدبي،‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬الذى‭ ‬عثرتُ‭ ‬عليه‭ ‬صدفة‭ ‬وهو‭ ‬كتاب‭ ‬توثيقى‭ ‬جميل‭ ‬بعنوان‭ )‬في‭ ‬أثر‭ ‬عنايات‭ ‬الزيات‭(  ‬للشاعرة‭ ‬إيمان‭ ‬مرسال‭ ‬قامتْ‭ ‬فيه‭ ‬المؤلفة‭ ‬بالبحث‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬عدة‭ ‬سنوات‭ ‬‏عن‭ ‬حياة‭ ‬كاتبة‭ ‬مصرية‭ ‬مجهولة‭ ‬اسمها‭ ‬‮«‬عنايات‭ ‬الزيات‮»‬‭ ‬انتحرت‭ ‬في‭ ‬3‭ ‬يناير‭ ‬عام‭ ‬1963م‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الخامسة‭ ‬والعشرين‭ ‬‏من‭ ‬عمرها‭.‬

بدأت‭ ‬مؤلفة‭ ‬الكتاب‭ ‬بحثها‭ ‬عن‭ ‬مقر‭ ‬سكن،‭ ‬عائلة‭ ‬‮«‬عنايات‭ ‬الزيات‮»‬‭ ‬وعن‭  ‬جارة‭ ‬كانت‭ ‬قريبة‭ ‬منها‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬واستقصتْ‭ ‬عن‭ ‬شجرة‭ ‬نسب‭ ‬عائلة‭ ‬جدها‭ ‬لأمها‭ ‬محمد‭ ‬رشيد‭ ‬باشا‭ ‬‏واستمرتْ‭ ‬في‭ ‬الاستقصاء‭ ‬والبحث،‭ ‬حتى‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬مقبرتها‭ ‬البعيدة‭ ‬المنزوية‭ ‬في‭ ‬مقابر‭ ‬عائلة‭ ‬جدها‭ ‬لأمها‭ ‬وعندما‭ ‬عرفتْ‭ ‬‏بأنّ‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬صداقة‭ ‬جمعتها‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة،‭ ‬مع‭ ‬الممثلة‭ ‬‮«‬نادية‭ ‬لطفي‮»‬‭ ‬تواصلتْ‭ ‬مع‭ ‬الفنانة‭ ‬هاتفيًا‭ ‬من‭ ‬مقر‭ ‬أقامتها‭ ‬بكندا‭ ‬ثم‭ ‬‏زارتْ‭ ‬مصر‭ ‬للقائها‭ ‬والحديث‭ ‬معها‭ ‬عن‭ ‬تفاصيل‭ ‬صداقتها‭ ‬بالكاتبة،‭ ‬وقادها‭ ‬البحث‭ ‬للتعرَّف‭ ‬على‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬‏ما‭ ‬بالكاتبة‭ ‬المنتحرة‭.‬‏

رحلة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيق‭ ‬الكتاب‭ ‬غنى‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬الكاتبة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لمعرفة‭ ‬أسباب‭ ‬انتحارها‭ ‬المأساوي‭ ‬الذي‭ ‬أرجعه‭ ‬الكثيرون‭ ‬‏لرفض‭ ‬الدار‭ ‬القومية‭ ‬نشر‭ ‬روايتها‭  )‬الحب‭ ‬والصمت‭(‬،‭ ‬ولكن‭ ‬الشاعرة‭ ‬إيمان‭ ‬مرسال‭ ‬تتقصى‭ ‬خلف‭ ‬أسباب‭ ‬كثيرة،‭ ‬‏أخرى‭ ‬أسهمتْ‭ ‬في‭ ‬انتحارها‭ ‬التراجيدي‭ ‬وتكشف‭ ‬تفاصيل‭ ‬اجتماعية‭ ‬كثيرة،‭ ‬منها‭ ‬زواجها‭ ‬الفاشل‭ ‬بشخص‭ ‬لم‭ ‬يتفهم‭ ‬روح‭ ‬‏الكاتبة‭ ‬لديها‭ ‬ورغبتها‭ ‬بالكتابة‭ ‬والعمل‭ ‬وخوفها‭ ‬من‭ ‬خسارة‭ ‬حضانة‭ ‬طفلها‭ ‬بعد‭ ‬رفعها‭ ‬قضية‭ ‬طلاق‭ ‬ضده‭ ‬‏تبحث‭ ‬الكاتبة‭ ‬كذلك‭ ‬عن‭ ‬سيرة‭ ‬مخفية‭ ‬لمرضها،‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة‭ ‬بمرض‭ ‬الاكتئاب‭ ‬وتصل‭ ‬مؤلفة‭ ‬الكتاب‭ ‬‏إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬النفسي‭ ‬الذي‭ ‬عالجتْ‭ ‬فيه‭ ‬الكاتبة‭ ‬منذ‭ ‬طفولتها‭ ‬لمعرفة‭ ‬المرض‭ ‬الذي‭ ‬عانتْ‭ ‬منه‭ ‬والأدوية‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تتناولها‭ ‬‏ومنها‭ ‬الدواء‭ ‬المنّوم‭ ‬الذي‭ ‬استخدمته‭ ‬في‭ ‬الانتحار‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تناولها‭ ‬عشرين‭ ‬حبةً‭ ‬من‭ ‬الدواء‭ ‬المنوم‭.‬

تحاول‭ ‬الشاعرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتابها‭ ‬معرفة‭ ‬أسباب‭ ‬غياب،‭ ‬رواية‭ )‬عنايات‭ ‬الزيات‭(‬عن‭ ‬قوائم‭ ‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬فروايتها‭ ‬واسمها،‭ ‬‏غير‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الرواية‭ ‬العربية،‭ ‬وكأن‭ ‬نسيانها‭ ‬وإهمالها‭ ‬هو‭ ‬نوعٌ‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الرفض‭ ‬لها‭ ‬ككاتبة‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬روايتها‭ ‬‏نشرتْ‭ ‬بعد‭ ‬وفاتها‭ ‬بسنوات‭ ‬في‭ ‬عام1967م‭.‬

تتبع‭ ‬الأثر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ملء‭ ‬كل‭ ‬الفجوات‭ ‬تقول‭ ‬الكاتبة‭ ‬إيمان‭ ‬مرسال‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬فقرات‭ ‬كتابها‭ ‬بأن‭ ‬تتبع‭ ‬أثر‭ ‬شخص‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬كتابة‭ ‬قصة‭ ‬حياة‭ ‬هذا‭ ‬الشخص،‭ ‬‏تتبع‭ ‬الأثر‭ ‬لا‭ ‬يعنى‭ ‬ملء‭ ‬كل‭ ‬الفجوات‭ ‬ولا‭ ‬يعنى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬الحقيقة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توثيقها‭ ‬إنها‭ ‬رحلة‭ ‬تجاه‭ ‬شخص،‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬‏التكلم‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬والحوار‭ ‬معه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬واحد‭.‬

لهذا‭ ‬عملت‭ ‬الكاتبة‭ ‬في‭ ‬كتابها‭ ‬عن‭ ‬عنايات‭ ‬الزيات،‭ ‬بالبحث،‭ ‬وسيرة‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالكاتبة‭ ‬المنتحرة‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬‏عائلتها‭ ‬والبيت،‭ ‬الذى‭ ‬سكنتْ‭ ‬فيه،‭ ‬واللقاء‭ ‬مع‭ ‬أختها‭ ‬الوحيدة‭ ‬المتبقية‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة،‭ ‬والحوار‭ ‬مع‭ ‬جارتها‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬‏الفنانة‭ ‬‮«‬نادية‭ ‬لطفي‮»‬‭ ‬صديقتها‭ ‬الأثيرة‭ ‬بالروضة‭ ‬والمدرسة‭ ‬الألمانية‭ ‬التي‭ ‬درست‭ ‬كلتيهما‭ ‬فيها‭ ‬ومعهد‭ ‬الآثار‭ ‬الألماني‭ ‬الذى‭ ‬‏عملت‭ ‬فيه‭  ‬وتتحدث‭ ‬المؤلفة،‭ ‬عن‭ ‬فحوى‭ ‬روايتها‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تبصر‭ ‬النّور‭ ‬وهى‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬ومخطوط‭ ‬روايتها‭ ‬الثانية،‭ ‬عن‭ ‬‏عالم‭ ‬المصريات‭ ‬‮«‬لودفيج‭ ‬كايمر‮»‬‭ ‬الذى‭ ‬تعرفتْ‭ ‬الكاتبة‭ ‬عنايات‭ ‬الزيات‭ ‬على‭ ‬مكتبته‭ ‬القيمة‭ ‬عندما‭ ‬عملتْ‭ ‬بمكتبة‭ ‬مركز‭ ‬الآثار‭ ‬‏الألماني‭ ‬وعالم‭ ‬المصريات‭ ‬لودفيج‭ ‬كايمر‭ ‬كان‭ ‬ضمن‭ ‬لجنة‭ ‬وضع‭ ‬‮«‬كتالوج‮»‬‭ ‬المتحف‭ ‬المصري‭  ‬وسيرة‭ ‬حياته‭ ‬المهنية‭ ‬‏حفزت‭ ‬عنايات‭ ‬الزيات،‭ ‬على‭ ‬تتبع‭ ‬مسار‭ ‬حياته‭ ‬العملية‭ ‬عبر‭ ‬لقاءته‭ ‬مع‭ ‬علماء‭ ‬وأطباء‭ ‬وبحثه‭ ‬عن‭ ‬الكتب‭ ‬النادرة،‭ ‬وكأنما‭ ‬ثمة‭ ‬‏روح‭ ‬متشابهة‭ ‬بين‭ ‬الشاعرة‭ ‬إيمان‭ ‬مرسال‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬وتتقصى‭ ‬عن‭ ‬سيرة‭ ‬كاتبة‭ ‬وسيرة‭ ‬عنايات‭ ‬الزيات‭ ‬التي‭ ‬بدورها‭ ‬كانت‭ ‬‏أيضا‭ ‬تعد‭ ‬وتخطط‭ ‬لكتابة‭ ‬كتاب‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬عالم‭ ‬المصريات‭ ‬لودفيج‭ ‬كايمر‭.‬

تقول‭ ‬الكاتبة‭ ‬عنايات‭ ‬الزيات‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الأوراق‭ ‬التي‭ ‬عثرتْ‭ ‬عليها‭ ‬الشاعرة‭ ‬إيمان‭ ‬مرسال‭ )‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أعنى‭ ‬شيئًا‭ ‬عند‭ ‬أحد‭. ‬إذا‭ ‬‏ضعت‭ ‬أو‭ ‬وجدت‭ ‬سيان‭ ‬وجودي‭ ‬كعدمه‭ ‬أنا‭ ‬إن‭ ‬وجدت‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬أوجد‭ ‬لن‭ ‬تهتز‭ ‬الدنيا‭ ‬خطاي‭ ‬لا‭ ‬تترك‭ ‬أثرا‭ ‬وكأني‭ ‬أمشي‭ ‬على‭ ‬‏الماء‭ ‬ووجودي‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬أحد‭ ‬كأنني‭ ‬كائن‭ ‬غير‭ ‬مرئي‭”‬‏‭ ‬ولكن‭ ‬كتاب‭ ‬الشاعرة‭ ‬إيمان‭ ‬مرسال‭ ‬أخرجها‭ ‬من‭ ‬النسيان،‭ ‬والتجاهل‭ ‬وأعاد‭ ‬لها‭ ‬الوجود‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬وكأن‭ ‬بمؤلفة‭ ‬الكتاب‭ ‬بكتابها‭ ‬‏الجميل‭ ‬القيم،‭ ‬تقدم‭ ‬وردة‭ ‬وفاء‭ ‬لكاتبة‭ ‬منسية‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬إنجاز‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬ستينيات‭ ‬،القرن‭ ‬الماضي‭ ‬لو‭ ‬‏لم‭ ‬يقوم‭ ‬سدنة‭ ‬الثقافة‭ ‬وقتها‭ ‬برفض‭ ‬روايتها‭ ‬وعدم‭ ‬إعطاؤها‭ ‬فرصة‭ ‬للنشر،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬تأخذ‭ ‬قرار‭ ‬الانتحار‭ ‬وإنهاء‭ ‬حياتها‭ ‬‏وهي‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬شبابها‭ ‬وفى‭ ‬بداية‭ ‬مسيرتها‭ ‬الإبداعية‭ . ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الفصل‭ ‬الأول‭ ‬لرواية‭ ‬العقاب‭ ‬لقصي‭ ‬البسطامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى