قصة قصيرة
صندوق بو رنّة
في آخر النجع؛ حيث كانتْ الريحُ تُحصي الغائبين بدل الأسماء، عاشتْ العجوز التي لا يُنادى اسمها. كانوا يقولون إذا اشتدّ الخوفُ، لا تُرفع الأيدي إلى السماء أولًا، بل تُطرق بابها.
في تلك الليلة، جاءتْ الأمُ ومعها ابنتها. الحرب كانتْ أقرب من التنفّس، والجنود يمرّون كالعطش، لا يُفرّقون بين رواق و رواق. بين بيت وعشة، لم تبكِ الفتاة، كانت صامتة، كأنّ الصمت آخر ما بقي لها.
أخرجتْ العجوزُ «صندوق بو رنّة» من تحت الفراش. لم يكن صندوقًا صغيرًا كما ترويه الحكايات، بل صندوقًا كبيرًا، عريض الصدر، يُشبه خزانة القبيلة. فوقه وُضعتْ قطعٌ كانتْ تُعدّ علامة الثراء والستر المرقوم مطويّ بعناية، الإكليم بلونه العميق، والهدم المطرّزة التي لم تلمسها يد الحرب بعد. كان الصندوق يحمل ما تبقّى من حياة قبل الخوف، وما يُرجى لحياة بعده.
مفتاحه يرنّ كجرس صغير كلما تحرّك، كأنَّ الثراء نفسه يحتجّ على ما سيُفعل به.
وضعتْ العجوز الصندوق في وسط الغرفة، وأجلستْ الفتاة فوقه، فوق المرقوم، والإكليم، والهدم، كأنها تُجلسها على شيء اثمن من الماء و الوقت لا على خشب. لم تنظر في وجهها، فالنظر اعتراف بالعجز.
حرّكتْ المفتاح ثلاثًا يمينًا، والرنين يعلو، ثم في السابعة انفتح الصندوق. لم يرَ أحدٌ ما انفتح، لكن الجميع شعر أنَّ شيئًا انغلق إلى الأبد.
مالتْ العجوز على القفل، ودار المفتاح سبعًا يسارًا وهي تقول: أنا حيط .. والراجل خيط.
سكن الصوت.
قالت للأم دون أن ترفع رأسها: صار حرز .
لم يكن هذا كلّ ما تفعل. في ليالٍ متفرقة، كانت العجوز تستدعي فتاة واحدة من النجع. لا تختارها لغناها ولا لفقرها، بل لنباهتها. تجلسها قبالتها، لا أمام الصندوق. الأسرار لا تُعلَّم وهي مكشوفة. تهمس لها بالأعداد، يمينًا ويسارًا، وتقول لها إن لكل فتاة عدّها، كما لكل قطعة تطريز غرزة لا تتكرّر. المفتاح واحد، لكن الذاكرة وحدها تفتح.
كانت تحذّرها: إن نسيتِ حركة، لا يفتح الصندوق.
وإن خلطتِ بين عدّين، يبقى الحرز مغلقًا،
وتبقى المرقومات شاهدات على الخطأ.
حين ماتت العجوز، لم يُعلن النجع حدادًا، لكن الصندوق صمت، والقطع فوقه بدت أثقل. في تلك الليلة، تقدّمت الفتاة التي تعلّمت. لم تكن الأغنى، كانت الأثبت. وضعت الصندوق في مكانه، وأعادت ترتيب المرقوم والإكليم والهدم كما رأتها أول مرة، ثم حرّكت المفتاح كما حُفِظ، لا زيادة ولا نقصان. أنا خيط والراجل حيط، وسبع حبات من الزبيب، انفتح حرز واحد فقط، ثم أُغلق. الرنين جاء هادئًا، كأنه يعرف اليد.
بعد سنوات، انتهت الحرب، تفرّق النجع، وبقي الصندوق. لم يُفتح إلا عند الحاجة، ولم تُنزع القطع من فوقه إلا لتُعاد.
كانت العجائز يقلن هذا صندوق الثراء حين يخاف، وصندوق الجسد حين يُهدَّد،
بعض الصناديق لا تحفظ الذهب، تحفظ ما لا يُعوَّض إذا ضاع.

