تخيل أن تعيش حياتك دون أصدقاء، أو حتى دون صديق واحد، وتظل تعرف الناس لكنك غريب بينهم؛ فليس بينهم من يمكن أن يكون رفيق عقلك وحلمك ومستشارك وداعمك وأنيسك!
لقد حاول كثير من الأفراد عبر التاريخ أن يعتزلوا البشر لكنهم لم يستطيعوا العيش دون أنيس يعدونه صديقهم من حيوان أو شجر أو حجر أو مطر، فلا تحتمل نفس الإنسان أن تكون وحدها في مواجهة القدر والمصير، ولزام عليها أن تتعلل بوجود من يؤازرها وإلا افترست ذاتها أو الآخرين.
البعض يجعل الكتاب صديقا له ولكنهم إنما يجدون في الكتب من كتبوها بوجدانهم ورؤاهم ولغتهم فهو صداقة بشر لبشر، كمن يبحث بعيدا عن البشر عمن يجعله يحتمل بعد الناس وعدم التواصل معهم.
نحن مخلوقات تعيش في مجموعات، تتكامل مع بعضها، وتنضج بجوار غيرها، الغير الوليف، والجار الصاحب، والقرين الصديق، وفردوس بدون الناس ما ينداس كما يقول مثلنا بعد التصرف.
لكن عليك أن تنتقي رفيقك الذي يعزز إيجابيتك ويقربك من أحلامك ويرشدك في الضباب ويتشاطر معك الحزن والخبز والأمل، أن تختار حقا صديقا يناسبك فليس الأصدقاء قدرا بل اختيارات، وضلالك بواسطة صديق ليست خطأ صديقك بل هو سوء اختيار منك وضعف شخصية ونزعة تبعية مهلكة.
يا صديقي لن تعيش دون صديق، لكنك أيضا قد تهلك إذا ظننت الكل صديقك، وعليك أن تقرأ وتسافر وتحس وتفكر وتقرر وبإرادتك تفعل، كل ذلك ما يقويك لتستحق رفقة عظيمة أو صديقا جيدا أو أخا لم تنجبه والدتك، وكن واثقا أن مليارات البشر فيهم آلاف من يستحقون صداقتك وملايين من لا يمكن أن يكونوا لك خلانا، دون ضغينة ودون تمييز بل ذلك إيقاع من إيقاعات الحياة الدنيا.
مرحى إذا صادقت شخصا أو طائرا أو غصنا أو أغنية، ورائع أن تتواصل مع شخص وأمة وأن تنتقي لك في كل بلد صديقا أنيقا حقيقيا، وكم هو قاس أن تسافر دون رفقة أو تستمر من غير ألفة تائها في دروب الزمان الصعبة، لا كتف تستند عليه ولا قلب ينبض معك ولا صاحب يركن لرأيك وتركن لرأيه فتعيش حياة دون أخلاء، قد لا يقدر عليها إلا خواص من المخلوقات، يقدرون على احتمال الوحشة وترويض الشقاء.

