رأي

منازل‭ ‬الروح

‭ ‬صالح‭  ‬قدر‭ ‬بوه

تخيل‭ ‬أن‭ ‬تعيش‭ ‬حياتك‭ ‬دون‭ ‬أصدقاء،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬دون‭ ‬صديق‭ ‬واحد،‭ ‬وتظل‭ ‬تعرف‭ ‬الناس‭ ‬لكنك‭ ‬غريب‭ ‬بينهم؛‭ ‬فليس‭ ‬بينهم‭ ‬من‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬رفيق‭ ‬عقلك‭ ‬وحلمك‭ ‬ومستشارك‭ ‬وداعمك‭ ‬وأنيسك‭!‬

لقد‭ ‬حاول‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬يعتزلوا‭ ‬البشر‭ ‬لكنهم‭ ‬لم‭ ‬يستطيعوا‭ ‬العيش‭ ‬دون‭ ‬أنيس‭ ‬يعدونه‭ ‬صديقهم‭ ‬من‭ ‬حيوان‭ ‬أو‭ ‬شجر‭ ‬أو‭ ‬حجر‭ ‬أو‭ ‬مطر،‭ ‬فلا‭ ‬تحتمل‭ ‬نفس‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬القدر‭ ‬والمصير،‭ ‬ولزام‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تتعلل‭ ‬بوجود‭ ‬من‭ ‬يؤازرها‭ ‬وإلا‭ ‬افترست‭ ‬ذاتها‭ ‬أو‭ ‬الآخرين‭.‬

البعض‭ ‬يجعل‭ ‬الكتاب‭ ‬صديقا‭ ‬له‭ ‬ولكنهم‭ ‬إنما‭ ‬يجدون‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬من‭ ‬كتبوها‭ ‬بوجدانهم‭ ‬ورؤاهم‭ ‬ولغتهم‭ ‬فهو‭ ‬صداقة‭ ‬بشر‭ ‬لبشر،‭ ‬كمن‭ ‬يبحث‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬البشر‭ ‬عمن‭ ‬يجعله‭ ‬يحتمل‭ ‬بعد‭ ‬الناس‭ ‬وعدم‭ ‬التواصل‭ ‬معهم‭.‬

نحن‭ ‬مخلوقات‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬مجموعات،‭ ‬تتكامل‭ ‬مع‭ ‬بعضها،‭ ‬وتنضج‭ ‬بجوار‭ ‬غيرها،‭ ‬الغير‭ ‬الوليف،‭ ‬والجار‭ ‬الصاحب،‭ ‬والقرين‭ ‬الصديق،‭ ‬وفردوس‭ ‬بدون‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬ينداس‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬مثلنا‭ ‬بعد‭ ‬التصرف‭.‬

لكن‭ ‬عليك‭ ‬أن‭ ‬تنتقي‭ ‬رفيقك‭ ‬الذي‭ ‬يعزز‭ ‬إيجابيتك‭ ‬ويقربك‭ ‬من‭ ‬أحلامك‭ ‬ويرشدك‭ ‬في‭ ‬الضباب‭ ‬ويتشاطر‭ ‬معك‭ ‬الحزن‭ ‬والخبز‭ ‬والأمل،‭ ‬أن‭ ‬تختار‭ ‬حقا‭ ‬صديقا‭ ‬يناسبك‭ ‬فليس‭ ‬الأصدقاء‭ ‬قدرا‭ ‬بل‭ ‬اختيارات،‭ ‬وضلالك‭ ‬بواسطة‭ ‬صديق‭ ‬ليست‭ ‬خطأ‭ ‬صديقك‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬سوء‭ ‬اختيار‭ ‬منك‭ ‬وضعف‭ ‬شخصية‭ ‬ونزعة‭ ‬تبعية‭ ‬مهلكة‭.‬

يا‭ ‬صديقي‭ ‬لن‭ ‬تعيش‭ ‬دون‭ ‬صديق،‭ ‬لكنك‭ ‬أيضا‭ ‬قد‭ ‬تهلك‭ ‬إذا‭ ‬ظننت‭ ‬الكل‭ ‬صديقك،‭ ‬وعليك‭ ‬أن‭ ‬تقرأ‭ ‬وتسافر‭ ‬وتحس‭ ‬وتفكر‭ ‬وتقرر‭ ‬وبإرادتك‭ ‬تفعل،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يقويك‭ ‬لتستحق‭ ‬رفقة‭ ‬عظيمة‭ ‬أو‭ ‬صديقا‭ ‬جيدا‭ ‬أو‭ ‬أخا‭ ‬لم‭ ‬تنجبه‭ ‬والدتك،‭ ‬وكن‭ ‬واثقا‭ ‬أن‭ ‬مليارات‭ ‬البشر‭ ‬فيهم‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬يستحقون‭ ‬صداقتك‭ ‬وملايين‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬لك‭ ‬خلانا،‭ ‬دون‭ ‬ضغينة‭ ‬ودون‭ ‬تمييز‭ ‬بل‭ ‬ذلك‭ ‬إيقاع‭ ‬من‭ ‬إيقاعات‭ ‬الحياة‭ ‬الدنيا‭.‬

مرحى‭ ‬إذا‭ ‬صادقت‭ ‬شخصا‭ ‬أو‭ ‬طائرا‭ ‬أو‭ ‬غصنا‭ ‬أو‭ ‬أغنية،‭ ‬ورائع‭ ‬أن‭ ‬تتواصل‭ ‬مع‭ ‬شخص‭ ‬وأمة‭ ‬وأن‭ ‬تنتقي‭ ‬لك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلد‭ ‬صديقا‭ ‬أنيقا‭ ‬حقيقيا،‭ ‬وكم‭ ‬هو‭ ‬قاس‭ ‬أن‭ ‬تسافر‭ ‬دون‭ ‬رفقة‭ ‬أو‭ ‬تستمر‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬ألفة‭ ‬تائها‭ ‬في‭ ‬دروب‭ ‬الزمان‭ ‬الصعبة،‭ ‬لا‭ ‬كتف‭ ‬تستند‭ ‬عليه‭ ‬ولا‭ ‬قلب‭ ‬ينبض‭ ‬معك‭ ‬ولا‭ ‬صاحب‭ ‬يركن‭ ‬لرأيك‭ ‬وتركن‭ ‬لرأيه‭ ‬فتعيش‭ ‬حياة‭ ‬دون‭ ‬أخلاء،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يقدر‭ ‬عليها‭ ‬إلا‭ ‬خواص‭ ‬من‭ ‬المخلوقات،‭ ‬يقدرون‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬الوحشة‭ ‬وترويض‭ ‬الشقاء‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى