
أتصور أن ما نحتاجه ابتداءً في مؤسساتنا التعليمية وجامعتنا ليس التفكير الناقد بل تقديم المعرفة بصفتها متنًا وتوسيع هامش الأسئلة وتعلّم كيفية نظمها.
ربما نحن بحاجة لإعادة ترتيب النسق المعرفي لمسارات التعليم عندنا أولاً.
علينا أن نعيد ترتيب الأسئلة الجوهرية لتشكيل هذا البناء المعرفي دون أن نلغي إمكانية تداخل هذه الأسئلة. المهم أن نركز في المرحلتين الابتدائية والاعدادية على سؤال الماهية «ماذا what»، وهو السؤال القادر على توفير قدر جيد من المعرفة لدى المتعلم ثم نشرع في المرحلة الثانوية بالاشتغال على السؤال التحليلي «لماذا »، وهو سؤال تحليلي استكشافي سابر للأغوار فاحص للماهية. سؤال مركزي ينفض عن المتعلم سباته المعرفي، ويشرع في بناء قدرات التفكير الأساسية لديه.
في المرحلة الجامعية يكون السؤال سؤالا تفكيكيًا ناظمًا للمعرفة رافيًا لما اهترأ من نسيجها وهو سؤال الكيف«كيف How» هذا السؤال قائم على السؤالين الأولين ولا مكان لتحققه في غياب سؤال الماهية والسؤال التحليلي. إذا أستطعنا أن نجعل تعليمنا قائمًا على تراتبية هذه الأسئلة طوال سنوات التحصيل العلمي الأساسي والجامعي سيكون لدينا جيلٌ قادر على ممارسة التفكير الناقد ممارسة حقيقية وسنكون قد استطعنا بناء قاعدة عريضة من المعرفة التي يمكن أن تقف في وجه كل متذاكٍ سفسطائي يسعى لإيهام الآخرين بصحة مقولاته و منطقه. دون هذه القاعدة سيظهر بيننا الكثير من أدعياء المعرفة وسنظل نتسابق في الحصول على الشهادات العليا دون تقديم معرفة حقيقية نسأل أسئلة فارغة تستند إلى نصوص مجترة من الذاكرة أو مجتزئه من سياقها الحداثوي أما إذا ذهبنا إلى تدريس مادة التفكير الناقد المدجج بالمنطق الرياضي في هذا الفراغ المعرفي فسنكون كمن يتأبط عصا ليلج بها بحرا من الرمال المتحركة.
التفكير الناقد لا يتأسس على هامش من التعليم التلقيني طوال سنوات من الغياب الحقيقي للمتعلم وحضور صوري للمعلم. هذه المرحلة التي غاب بها التواصل وانهارت فيها جسور المعرفة كانت الحيطان وحدها شاهدة على لقاء المعلم بالمتعلم.


