
لعل المكانة التي وصلتْ إليها )الرواية الليبية(عربيًا ودوليًا، لم تكنْ سهلة، ولم تكن منحة مجانية، وعطفاً أدبياً ًثقافياً من الآخر، بقدر ما كانت رحلة شاقة قام بها أفراد تفاوت عطاؤهم بين الموهوبين المجدّين، وبين تلك )الجموع( من الكتَّاب الذين كان أداؤهم فيها محتشماً لم يقدم جديداً، أو مميزاً بقدر ما أضاف رقماً آخر في سلسلة ببليوغرافيا الرواية، التي أتحفنا وفاجأنا الدكتور عبد الله مليطان بأنها بلغت «476 رواية ليبية منشورة»، منذ أن بدأتْ صرختها الأولى بأول رواية هي رواية محمد فريد سيالة، «اعترافات إنسان» في طبعتها الأولى الصادرة عام 1961م، ثم أعادت مجلة «الدوحة» نشرها ضمن سلسلة كتاب الدوحة في يناير 2017م.
وكنا قد تصدينا لما أورده الدكتور الصيد أبو ديب في كتيب له صدر بإحدى الندوات التي أقيمت عام 1998 بطرابلس، وذكر فيه بأن أول رواية ليبية هي رواية )مبروكة( وادعى بأنها صدرت في دمشق عام 1937م، مستنداً في ذلك لما كتب على غلاف كتَّاب «الليبيون في سوريا» الذي أصدره كلٌ من زين العابدين موسى، وأحمد أديب الحاج.
يذكران أن رواية )مبروكة( ستصدر للكتاب حسين ظافر بن موسى، وقد كان ابنه تيسير بن موسى حاضراً معنا في تلك الأمسية، ولكنه لم يعقبْ، ولم يذكر بأنه قد صدرت لوالده تلك الرواية، فقد كانت مجرد فكرة لم تتحقق، أُعلن عنها قبل تحققها المادي في كتاب يمشي في الأسواق، وتتلقفه الأيدي، ولم تخرج إلى دنيا النشر أبداً.
لكن الأمر الذي يجب التوقف عنده هنا هو مصدر تلك المكانة التي حققتها الرواية الليبية في ظل )لا مبالاة وبلادة الموقف الرسمي( تجاه نجاحاتها وتحققاتها ومدافراتها، فالرواية لضمان مكانتها لا بد لها من أدوات مساندة، أهمها المساندة الرسمية، التي تأخذ بيد هذا الجنس الإبداعي الفردي، إلى مجالات وفنون جماعية مكلفة، مثل أهمية نشرها في دور النشر المرموقة ذات الامتدادات الاقليمية والعالمية، وتقديمها للعين في شكل مسلسلات إذاعية وسينمائية، وإقامة المسابقات لها وتقديم الجوائز المجزية لمبدعيها، ولكن المحصول الرسمي في هذا الشأن بائس وضعيف، إن لم يكن منعدماً في بعض جوانبه، قياساً بالمساعدة العربية والدولية التي قدمتها للرواية الليبية، فدور النشر العربية والليبية الخاصة أو الدولية هي من دفعت بهذا الجنس الأدبي في ليبيته إلى مساحات أرحب ومكانة أسمى، ولنا خير شاهد فيما حققه الأديبان الليبيان أحمد إبراهيم الفقيه، وابراهيم الكوني من مكانة ونجاح كانا هما بذرته بموهبتهما وجهديهما المتواصل، إلا أن لدور النشر والجوائز العربية والدولية التي تحصلا عليها دوراً أساسياً في التعريف بجهدهما وانتشار أدبهما وتأكيد مكانة الرواية الليبية، كما أن اغترابهما واشتراقهما كل في مجاله وكذلك لمساحة الحرية الفكرية التي نشرت في ظلالها رواياتاهما والمناخ الملائم، كذلك احتكاكهما بعالم الرواية مباشرة في بلدانها الأصلية، فنحو الشرق اتجه الكوني، ونحو الغرب اتجه الفقيه، وكان لسفر الخروج هذا دور واضح وكبير فيما حققاه باحتكاكهما بهذه العوالم، فمن الاقتراب من عالم الرواية الروسية الكلاسيكية ودروس معهد غوركي، وعظمة ما كتبه «فيودور دوستويفسكي» سيما في رائعته «الاخوة كارامازوف» على سبيل المثال، أو في تلك المكانة التي حققتها الرواية الإنجليزية ممثلة في روادها السامقين «تشارلز ديكنز»، أو الاخوات «برونتي» وغيرهما، ولا ننسى بالتأكيد دور الرواية العربية سيما في مصر عند محفوظ ويوسف إدريس، والآخرين.
إن نجاحات وامتدادات الرواية الليبية كثيرة، وشجونها عديدة، يتقدمها بخطوات شاحبة التقاعس الرسمي بشخيره الاحتفالي في مرات خجولة، وهو تقاعس أكثر في كل اتجاه وميدان، بل هو مخجل، وإذا أراد أن يمد يداً فليستْ إلا يدًا سياسية، تبحث عن ثمار النجاح لتقطفها ولتستر هذا التقاعس، وتلك البلادة.



