رأي

د.عبدالعظيم الازرق

قراءة‭ ‬في‭ ‬أزمة‭ ‬الأسعار

تتزامن‭ ‬موجة‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬مع‭ ‬قدوم‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك،‭ ‬الذي‭ ‬يزداد‭ ‬فيه‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية‭ ‬والسلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬اختلالات‭ ‬قائمة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬وتأثيرًا‭ ‬على‭ ‬معيشة‭ ‬المواطنين‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬الموسمي‭ ‬في‭ ‬الطلب،‭ ‬رغم‭ ‬أهميته،‭ ‬لا‭ ‬يفسر‭ ‬وحده‭ ‬تفاقم‭ ‬الغلاء،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬عن‭ ‬مشكلات‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والنقدية‭.‬

تتكرر‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المأزومة‭ ‬ظاهرة‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬التسعير‭ ‬الإجباري‭ ‬باعتباره‭ ‬حلًا‭ ‬سريعًا‭ ‬لكبح‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬وكأن‭ ‬المشكلة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تاجر‭ ‬التجزئة‭ ‬أو‭ ‬مخازن‭ ‬السلع،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬النقدية‭ ‬والمالية‭ ‬التي‭ ‬أفرزت‭ ‬التضخم‭ ‬من‭ ‬الأساس‭. ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬خاطئة‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬أثبتت‭ ‬فشلها‭ ‬تاريخيًا‭ ‬في‭ ‬معظم،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬جميع،‭ ‬التجارب‭ ‬التي‭ ‬طُبِّقت‭ ‬فيها‭.‬

من‭ ‬البديهي‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أن‭ ‬التسعير‭ ‬القسري‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬الأسعار‭ ‬الحقيقية،‭ ‬بل‭ ‬يفضي‭ ‬غالبًا‭ ‬إلى‭ ‬اختفاء‭ ‬السلع‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬النظامية‭ ‬وظهورها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الموازية،‭ ‬حيث‭ ‬تُباع‭ ‬بأسعار‭ ‬أعلى‭ ‬وخارج‭ ‬أي‭ ‬إطار‭ ‬رقابي‭. ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬نظرية‭ ‬معقدة‭ ‬أو‭ ‬اجتهادًا‭ ‬نخبويًا،‭ ‬بل‭ ‬قاعدة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مستقرة،‭ ‬تجاهلتها‭ ‬دول‭ ‬عديدة‭ ‬فقادها‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬تموين‭ ‬وتضخم‭ ‬أكثر‭ ‬حدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتضاعف‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬مثل‭ ‬ليبيا،‭ ‬يعاني‭ ‬أصلًا‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬السلطة‭ ‬المركزية،‭ ‬وتعدد‭ ‬الفاعلين،‭ ‬وضعف‭ ‬إنفاذ‭ ‬السياسات‭.‬

إن‭ ‬التضخم‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬ليسا‭ ‬نتاج‭ ‬جشع‭ ‬التجار‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هما‭ ‬انعكاس‭ ‬مباشر‭ ‬لاختلالات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬والمالية،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬غير‭ ‬المنضبط‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام،‭ ‬وتعدد‭ ‬قنوات‭ ‬الصرف،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬الصرف‭ ‬دون‭ ‬غطاء‭ ‬مالي‭ ‬حقيقي،‭ ‬بما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬قيمة‭ ‬العملة‭ ‬المحلية‭ ‬وارتفاع‭ ‬كلفة‭ ‬الاستيراد‭. ‬ويُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬تهريب‭ ‬العملة،‭ ‬أحيانًا‭ ‬بوسائل‭ ‬غير‭ ‬قانونية‭ ‬وأحيانًا‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬تبدو‭ ‬شكليًا‭ ‬قانونية‭. ‬وعندما‭ ‬يكون‭ ‬المنبع‭ ‬مختلًا،‭ ‬فإن‭ ‬معالجة‭ ‬المصب‭ ‬لا‭ ‬تؤدي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬تعقيد‭ ‬الأزمة‭.‬

ويقع‭ ‬الخطأ‭ ‬الجوهري‭ ‬حين‭ ‬تُوجَّه‭ ‬أدوات‭ ‬الدولة‭ ‬الرقابية‭ ‬نحو‭ ‬تجار‭ ‬التجزئة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬متابعة‭ ‬من‭ ‬حصلوا‭ ‬على‭ ‬الاعتمادات،‭ ‬ومن‭ ‬استوردوا‭ ‬السلع،‭ ‬ومن‭ ‬أداروا‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬ومن‭ ‬تسببوا‭ ‬في‭ ‬استنزاف‭ ‬الاحتياطيات‭. ‬فهؤلاء‭ ‬هم‭ ‬الحلقة‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تُحدِّد‭ ‬تكلفة‭ ‬السلعة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬رف‭ ‬المتجر‭.‬

إن‭ ‬تكرار‭ ‬السياسات‭ ‬الفاشلة،‭ ‬مع‭ ‬انتظار‭ ‬نتائج‭ ‬مختلفة،‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬فقط‭ ‬ضعفًا‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬غيابًا‭ ‬واضحًا‭ ‬للمساءلة‭. ‬فالسوق‭ ‬لا‭ ‬يُضبط‭ ‬بالعصا،‭ ‬بل‭ ‬بسياسة‭ ‬نقدية‭ ‬منضبطة،‭ ‬وسعر‭ ‬صرف‭ ‬واقعي،‭ ‬ورقابة‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬المال‭ ‬العام‭. ‬وما‭ ‬عدا‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬علاجًا،‭ ‬بل‭ ‬دوران‭ ‬في‭ ‬الحلقة‭ ‬ذاتها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى