مــن أروقــة المـــحاكم
في بهو المحكمة؛ حيث تختلط أصوات المتقاضين برائحة القلق والانتظار، لم تكنْ هذه القضية تشبه غيرها.. لا صراخ، لا عراك، ولا دموع علنية. فقط وجوه متعبة، ونظرات تخفي أكثر مما تقول.
القضية بدأتْ ببلاغ بسيط: «خلاف عائلي».. لكن مع فتح الملف، تبيّن أنّ الخلاف لم يكن وليد يوم، أو أسبوع، بل تراكم سنوات طويلة من الصمت، تحت مسمى «الستر»، و«عيب نفضح مشكلاتنا».
زوجة في منتصف الثلاثينيات، حضرتْ رفقة شقيقها، لا تطلب طلاقًا، ولا نفقة، بل حماية..!!. تحدثت بصوت منخفض، وكأنها تخشى أن يسمعها أحدٌ خارج القاعة.
قالتْ: إنها تعرّضتْ لأذى نفسي متكرَّر، «تهديد، عزل اجتماعي، ومنع من زيارة أهلها»، دون أثر جسدي يُثبت الاعتداء.
الزوج، من جهته، أنكر كل شيء.
أكد أمام القاضي أن ما يحدث «خلافات طبيعية»، وأن زوجته «حساسة زيادة عن اللزوم»، وأن لا ضرب ولا سب، فقط «تربية».
هنا، ظهرت المعضلة التي تتكرر كثيرًا في المحاكم الليبية:
كيف يُثبت الأذى النفسي؟!.
وكيف تُدان جريمة لا تترك كدمات، بل تترك خوفًا دائمًا؟
الشهود كانوا غائبين.
الجيران «ما يحبوش يدخلوا رواحهم».
الأهل يعلمون، لكنهم يفضّلون الصمت «باش ما تكبرش».
القاضي طلب تقارير اجتماعية، واستمع لأقوال الاختصاصي الاجتماعي الذي أكّد أن الزوجة تعاني من أعراض قلق واكتئاب نتيجة بيئة أسرية ضاغطة، وأن استمرار الوضع قد ينعكس على الأطفال.
القضية لم تنتهِ بحكم فوري، بل بإجراءات احترازية:
تعهد بعدم التعرَّض، متابعة اجتماعية، وإبقاء الملف مفتوحًا.. خرجتْ الزوجة من القاعة، لا منتصرة، ولا خاسرة .. فقط امرأة حاولتْ كسر جدار الصمت، في مجتمع ما زال يرى أن الألم غير المرئي لا يُحسب.
هذه القضية ليستْ استثناءً. هي واحدة من عشرات الملفات التي تمر يوميًا أمام المحاكم؛ حيث تتحوَّل القيم الاجتماعية أحيانًا إلى غطاء يُخفي المعاناة بدل أن يحلّها.
في أروقة المحاكم، تتضح حقيقة مؤلمة:
ليس كل عنف يُضرب، وليس كل جريمة تُصرخ، وبعض القضايا لا تبحث عن فضيح … بل عن نجاة.


