يستمر النقاش، والجدال الواسع، وتتواصل ردود الأفعال، عقب إصدار الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في بلادنا، حكمها بإبطال أربعة قوانين كانت قد صدرت عن مجلس النواب.. والمتعلقة بالتعديلات التي أُدخلت على نظام القضاء.
هذا النقاش؛ لم يقتصر على أساتذة القانون، وأعضاء الهيئات القضائية، والمحامين؛ فحسب. بل انخرط في الجدال؛ السياسيون، ومن ورائهم.. مؤيدين، ومعارضين، بكل أطيافهم في المشهد الليبي. أيضاً خاض حتى عامة الناس في موضوع “الحكم” ..الذي مازال حديث الشارع، والفيس الليبي.. ويؤكد ويعكس تناول “الحكم” والاهتمام به، على مستوى مختلف الأوساط في بلادنا؛ حقيقة مفادها، أنه لم يُعد في ليبيا، ما يمكن أن يكون بمنأى عن السلطة الخامسة، التي استطاعت أن تستوعب، جميع الآراء، والتيارات، والتوجهات، والمؤثرين.. وتمهد لهم الدروب الأسهل في إيصال رسائلهم، والأسرع في الوصول لمريديهم.
واللافت في حكم الدائرة الدستورية، بالمحكمة العليا.. هو التعاطي الإعلامي، المثير للإنتباه، والجدير بالاهتمام، الذي خلق، لأول مرة حالة وعي شعبي، بالسلطة القضائية. ما لها وما عليها.. والأهم في بعث هذا الوعي، أنه جاء عن طريق المختصين أنفسهم من القانونين، والقضاة، و المحامين، وأساتذة الجامعات.. الذين شارك العديد منهم، ومن الأسماء المعروفة، في سجال غير مسبوق، من حيث الطرح، والتوسع، والانتشار والجرأة، والشفافية، المعزز بالاستدلالات، والحجج، و المقارنات.. والأسئلة المثيرة، والآراء الصريحة.
كما أن اللافت أيضاً، في الحوار الدائر حول “الحكم” أنه طال كذلك البيت الداخلي للسلطة القضائية، وهذه سابقة ربما تسجل لأول مرة في ليبيا، ومن أصحاب البيت أنفسهم.
فماذا يجري في بيت القضاة؟ وهل بالفعل نشهد تصحيحاً، وترميماً، وتجديداً، وتحصيناً منيعاً، لهذا البيت، الذي يبدو أن رياح الاضطرابات، التي تعصف ببلادنا من جميع الاتجاهات، تقترب من اسواره الشاهقة، وأن هناك من يتربص به، من المتصارعين الليبيين، وداعميهم؟ في محاولات مفضوحة، لتوريط القضاء في مستنقع الصراع على السلطة، واقحامه في التجاذبات السياسية، والاستقطاب، الذي لا يخفى على أي أحد.. فكيف ستبرهن السلطة القضائية لليبيين ، بأنها محل تقثهم المنشودة، ورهان آمانهم المتبقي، وحائط دفاعهم الأول والأخير؟
ويبقى القول أن صون واحترام أحكام القضاء الدستوري، واجب وحاجة وضرورة تقتضيها مصلحة البلاد والعباد.


