مع إشراقة هلال شهر رمضان، لا تتبدّل مواقيت الطعام فحسب، بل تتجدّد في النفوس معاني السموّ والارتقاء. إنه شهر تتقدّم فيه الأخلاق إلى الواجهة، وتغدو معيارًا حقيقيًا لصدق الصيام وقبوله؛ فليس الصوم امتناعًا عن الطعام والشراب فقط، بل هو مدرسة تربوية تُعيد تشكيل السلوك وتزكّي الروح.
لقد لخّص النبي جوهر هذه الرسالة في قوله: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، في إشارة واضحة إلى أن الأخلاق هي روح العبادة ولبُّها. وفي رمضان تتجلّى قيمة الصدق في المعاملة، والرحمة في التعامل، والصبر في مواجهة الاستفزاز، وكأن الصائم يوقّع كل يوم عهدًا جديدًا مع ذاته أن يكون أرقى خُلقًا وأصفى سريرة.
رمضان فرصة لمراجعة الذات قبل محاسبة الآخرين؛ أن نكفّ ألسنتنا عن الغيبة، وأن نروّض أعصابنا على الحلم، وأن نُحسن الظن بالناس. فكم من خصومة أطفأها اعتذار في هذا الشهر، وكم من قلب أصلحه عفوٌ صادق. الصائم الحقيقي هو من يصوم بلسانه عن الأذى، وبقلبه عن الحقد، وبجوارحه عن كل ما يُنقص من أجره.
وفي مجتمعنا، حيث تتسارع وتيرة الحياة وتتزايد الضغوط، يقدّم رمضان نموذجًا عمليًا للتكافل؛ موائد تُمدّ، وصدقات تُعطى، وأيادٍ تمتدّ بالعون دون منٍّ ولا أذى. هنا تتجسّد الأخلاق في أبهى صورها: تضامنٌ يُشعر المحتاج بأنه جزء أصيل من النسيج الاجتماعي، ورحمةٌ تُذكّرنا بأن «خير الناس أنفعهم للناس».
كما أن أخلاق رمضان لا ينبغي أن تبقى موسمية؛ فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد انقضاء الشهر، حين نُطالب بترجمة ما تعلّمناه إلى سلوك دائم. فالموظف الذي التزم الأمانة في عمله خلال رمضان، والطالب الذي تحلّى بالانضباط، وربّ الأسرة الذي أدار بيته بالحلم والتسامح، كلهم مطالبون بأن يجعلوا من هذه القيم منهج حياة لا ظرفًا عابرًا.
إن أخلاقنا في رمضان ليست شعارات تُرفع، بل أفعال تُمارس. هي ابتسامة في وجه عابر، وكلمة طيبة تُطفئ غضبًا، وصبرٌ عند الشدّة، وإحسانٌ بلا انتظار مقابل. وإذا كان الصوم سرًّا بين العبد وربه، فإن الأخلاق هي الشهادة العلنية على صدق هذا السر.
فليكن رمضاننا هذا العام نقطة تحوّل، لا مجرد محطة زمنية. ولنجعل من أخلاقنا عنوانًا لصيامنا، ومن سلوكنا رسالةً تعبّر عن روح الشهر الكريم. فالأمم تُقاس بأخلاقها، والأفراد يُعرفون بمواقفهم، ورمضان هو الفرصة الذهبية لنكون كما نحب أن نُرى… وكما يحب الله أن نكون.
دمتم بخير

