
في مجتمعاتٍ تتقن ارتداء الأقنعة، كثيرًا ما تتحوَّل الابتسامة إلى ستارٍ يُخفي خلفه تعبًا نفسيًا عميقًا لا يراه أحدٌ. ومع تصاعد ضغوط الحياة وتسارع إيقاعها، باتتْ الحاجةُ إلى الدعم النفسي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، غير أن «ثقافة العيب» ما زالتْ تُبقي العلاج النفسي خطوة مؤجلة لدى كثيرين خوفًا من نظرة المجتمع، وأحكامه القاسية.
وبين سكوتٍ يثقلُ الأرواحَ، والوصمة التي تؤخر العلاج، يظل السؤال قائمًا: لماذا نخشى الاعتراف بالألم النفسي رغم حاجتنا الملحة إلى العلاج؟
يظل الحديثُ عن العلاج النفسي محاطًا بالحذر، والخوف من نظرة الآخرين. غير أن تصاعد الضغوط المعيشية وتسارع التحولات الاجتماعية يدفعنا إلى طرح سؤال ملح لا يمكن تأجيله: كيف يمكن أن تتغير حياتنا لو أصبح طلب العلاج النفسي سلوكًا طبيعيًا لا يثير الخجل، ولا يفتح باب القيل والقال؟.
للإجابة عن هذا السؤال استطلاعنا آراء مواطنين ومتخصصين فجاءتْ إجاباتهم متقاطعة عند فكرة واحدة المجتمع الذي يتصالح مع صحته النفسية يصبح أكثر توازنًا ورحمةً واستقرارًا.
السؤال…
برأيك .. ما الذي قد يتغير في حياتك أو في حياة من حولك لو أصبح طلب العلاج النفسي أمرًا طبيعيًا لا يثير الخجل أو الخوف من كلام النَّاس؟.
د.علي فرج مستشار اجتماعي بوزارة الشؤون الاجتماعية.
في الحقيقة لم يكنْ يومًا طلب العلاج النفسي أمرًا يثير الخجل أو الخوف من كلام النَّاس؛ فالطبيعة البشرية دائمًا تحتاج للمساعده في تخطي الصعاب، والمشكلات النفسية، والاجتماعية وغيرها؛ فنحن جميعًا نحتاج للدعم النفسي وهدا لا يعني أننا غير أسوياء أو غير طبيعيين فكلنا ذوي احتياجات خاصة، وكلنا يحتاج للرعاية، والاهتمام على قدر حاجته، ولكن الشعوب العربية من ثقافاتها وعاداتها أن من يطلب العلاج أو الدعم النفسي فهو فاقد الأهلية ويتعرض للوصم والنظرة الدونيه .. أما ما يتعلق بالسؤال المطروح المتعلق بالتغيير في حياتي أو حياة من حولي لو أصبح طلب العلاج النفسي أمرًا طبيعيًا لا يغير الخجل أو الخوف من كلام الناس، بالتأكيد سوف يكون التغيير إيجابيًا، وهذا ما نطمح إليه جميعًا وسوف يؤدي إلى إحداث تغيير كبير في المجتمع؛ فهناك الكثير من المشكلات، والصعوبات التي يعاني منها النَّاس لا سيما الشباب التي تحتاج إلى تدخل الاختصاصي النفسي والتي لو تم مساعدتهم في علاجها لأصبحوا أسوياء، وأسهموا في بناء الوطن ولكن التستر والتجاهل وعدم طلب المساعده سيزيد من حجم المعاناة.
ونلاحظ اليوم كثيرًا من الطلبة وهروبًا من الضغوط النفسية، والاكتئاب يتجهون إلى السجاير، وتعاطي المخدرات على صعيد الأفراد، وإذا تعدى الفرد إلى الأسرة فالخوف من الفضيحة يدفعهم للسحرة والمشعوذين ما يزيد الأمرُ تعقيدًا، وتدهور الحالته .. فالذهاب إلى الاختصاصي النفسي وطلب المساعدة، والدعم النفسي سوف يغير من نمط الحياة الشخصية.
ليلى الغول – صحفية
ترى أن تطبيع زيارة الطبيب النفسي سيحدث نقلة حقيقية في وعي المجتمع تجاه مفهوم الصحة النفسية بوصفها جزءًا أصيلاً من الصحة العامة.
وتؤكد أن نشر الوعي بأهمية العلاج النفسي يمكن أن يحد من العنف، والجرائم الناتجة عن الضغوط ويجعل النَّاس أكثر اتزانًا، وهدوءًا في تعاملاتهم اليومية.
د. صفية بن مسعود عضو هيئة تدريس بجامعة طرابلس
تؤكد أن جعل زيارة الطبيب النفسي سلوكًا صحيًا عاديًا كزيارة طبيب الأسرة سينعكس مباشرةً على صحة الفرد، والمجتمع معًا، فالصحة النفسية عنصرٌ أساسي يؤثر في التفكير والسلوك واتخاذ القرار.
وترى أن التوعية بأهمية الطب النفسي خطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتقليل مظاهر العنف.
عمران عمر عمار – موظف
يقول إن التغيير الأكبر سيكون التحرَّر من الاقنعة الاجتماعية، والانتقال من ثقافة المكابرة والصمت إلى ثقافة المواجهة والشفاء.
ويشير إلى أن الاعتراف بالحاجة للمساعدة سيعيد تعريف القوة، ويخلق بيئة أكثر صدقًا وأمانًا، كما سيسهم في تخفيف المشكلات الصحية، والعلاقات المتوترة عبر معالجة جذورها.
الصادق محمد – مواطن
يعتقد أن تقبل العلاج النفسي يمثل وعيًا ثقافيًا يزيل الخلط بين المرض النفسي، والجنون، ويسمح بالتدخل المبكر لمعالجة الصراعات النفسية قبل تفاقمها، ما يعيد الفرد إلى حياته الطبيعية، ويجنب الأسرة آثارًا سلبية كان يمكن تفاديها.
مواطن ..
يرى أن طلب الارشاد النفسي، وعي ومسؤولية وليس ضعفًا، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والأمنية.
ويؤكد أن الدعم النفسي يمنح مساحة آمنة للحديث ويساعد على فهم المشاعر وتنظيم الأفكار، ما يقي من العنف والاكتئاب والتفكك الأسري ويُسهم في بناء مجتمع أكثر توازنًا وتماسكًا.
فاطمة مشمور - أختصاصية اجتماعية، وعضو الاتحاد النسائي
تشير إلى أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية في مدن الجنوب تجعل الاهتمام بالصحة النفسية ضرورة ملحة. وتؤكد أن طلب الدعم النفسي خطوة شجاعة تعود بالنفع على الفرد والأسرة والمجتمع، لافتةً إلى مبادرات توفر مساحات آمنة للدعم والتفريغ النفسي.
وترى أن الاستثمار في الصحة النفسية هو استثمارٌ في قوة المجتمع واستقراره.
خلاصة ..
تتقاطع هذه الأصوات عند قناعة مشتركة مفادها أن تطبيع العلاج النفسي ليس رفاهية بل ضرورة، وأن المجتمع الذي يعالج جراحه بدل اخفائها يخطو خطوة حقيقية نحو الاتزان والرحمة والاستقرار.
بين )كلام الناس( وصحة الإنسان: لماذا نخاف من العلاج النفسي؟.
حول أسباب هذه الظاهرة، وتأثيراتها وسُبل تغييرها كان لنا هذا الحوار مع المستشار النفسي واستشاري العلاقات الأسرية وعضو المجلس الاستشاري الأسري العربي والباحث في الجريمة د. عبد الحميد بالنَّور ..
هل ما زالتْ ثقافة العيب تشكّل حاجزًا قويًا يمنع الأفراد من طلب العلاج النفسي في مجتمعاتنا؟
د. بالنَّور : إن ثقافة العيب تعد من أكبر المعيقات التي تحول دون التوجه للطبيب النفسي، إذ ما تزال الاضطرابات النفسية مرتبطة بالخجل، والعار والخوف من كلام النَّاس ونظرتهم السلبية.
هذا الربط يجعل كثيرين يفضلون المعاناة الصامتة على طلب المساندة، خصوصًا مع الخلط الموروث بين المرض النفسي والمرض العقلي، مما يدفع الأسر إلى حماية سمعتها على حساب صحة أبنائها النفسية.
كيف تؤثرُ الوصمة الاجتماعية على قرار الاعتراف بالمعاناة النفسية ؟.
الوصمة الاجتماعية تُولد مشاعر الخجل، والعجز، والذنب، والدونية وتدفع كثيرين إلى إنكار مشكلاتهم النفسية خوفًا من وصفهم بالجنون، أو الاختلال، ويؤدي ذلك إلى تأخير العلاج، والعزلة الاجتماعية، وربما فقدان العمل، بل إن بعض الأسر تخفي معاناة أبنائها خوفًا من «الفضيحة».
إلى أي مدى يُسهم الخلط بين المرض النفسي وضعف الإيمان في تعميق الأزمة؟
يبيّن أن الإيمان يمنح الطمأنينة لكنه لا يمنع الإصابة بالاضطرابات النفسية، فالمرض النفسي كأي مرض عضوي يحتاج تشخيصًا وعلاجًا. إلا أن ربطه بضعف الإيمان يزيد معاناة المريض، ويؤخر طلب العلاج، ويدفع بعض الحالات للجوء إلى حلول غير علمية بدل التوجه للمختصين.
ما أكثر الاضطرابات النفسية انتشارًا في ظل الضغوط الحالية؟
بحسب سجلات العيادات النفسية، تتصدر حالات القلق والوسواس القهري ونوبات الهلع والرهاب الاجتماعي واضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب قائمة الاضطرابات الأكثر انتشارًا، إضافة إلى مشكلات الأطفال السلوكية مثل : الخوف والكذب، والتبول اللاإرادي.
كيف ينعكس إهمال الصحة النفسية على العلاقات الأسرية ؟.
إهمال الصحة النفسية يقود إلى توتر دائم داخل الأسرة، وتباعد عاطفي، وضعف التواصل، ومشكلات تربوية متفاقمة، وقد يصل إلى العنف الأسري، وفقدان الاستقرار، لتدخل الأسرة في دوامة صراعات متواصلة.
ما العلامات التي تشير إلى الحاجة لمراجعة مختص نفسي؟
من أبرزها: القلق المستمر، العصبية الزائدة، تجنب التجمعات، اضطرابات النَّوم، الصداع والإرهاق دون سبب واضح، فقدان الشغف، تقلب المزاج، والعزلة الاجتماعية.
ما دور الإعلام والمؤسسات التعليمية في تغيير النظرة للعلاج النفسي ؟.
يرى أن للإعلام والتعليم دورًا محوريًا في تفكيك الوصمة عبر حملات التوعية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، واستضافة المختصين لنشر ثقافة الدعم النفسي.
هل تختلف نظرة الرجال والنساء لطلب الدعم النفسي؟
النساءُ وفق الملاحظة أكثر إقبالًا على العلاج النفسي وتقبلاً لفكرة طلب المساعدة، بينما يتردَّد الرجال بسبب الضغوط الثقافية التي تربط العلاج النفسي بالضعف وتهديد المكانة الاجتماعية.
ما الرسالة لكل من يعاني بصمت..؟
يؤكد د. بالنَّور أن المرض النفسي حالة صحية حقيقية، والصمتُ لا يحل المشكلة بل يؤخر علاجها، وأن الذهاب للمعالج النفسي خطوة شجاعة تعبّر عن احترام الذات والحرص على الحياة الأفضل.
يختتم هذا الحوار حقيقةً واضحة أن الخوف من «كلام الناس» قد يكون أخطر من المرض نفسه. فالصحة النفسية ليستْ رفاهية، بل ركيزة أساسية لاستقرار الفرد والأسرة والمجتمع.
وبين السكوت وطلب المساعدة، تبقى الشجاعة في الاعتراف بالحاجة إلى الدعم أول طريق التعافي.



