من أمام أحد مصارف عاصمتنا المكلومة، كنتُ شاردة خلف النافذة، والسيارة تمضي بوتيرةٍ متأنية، كأنها تماطل الزمن نفسه. عندها أتيحتْ ليَّ فرصةٌ لاستراق النظر إلى ما حولي فإذا بطابورٍ طويلٍ يتمدّد إلى شباك المصرف، يتجلى عجز السيولة النقدية عن استيعابه، فتتضخّم مطالب النَّاس حتى تلتهم كل رصيد عند نهاية الطابور، بدا ليَّ عجوزٌ أثقل الزمانُ خُطاه؛ ظهره منحنٍ كقوسٍ مثقل بسنين الحياة، وثيابه البالية تتدلى من جسده وكأنها تروي حكايات الفقر، وحذاؤه الممزق يكاد يختبئ تحت قدميه. يجرّ أرجله بخطواتٍ متثاقلة، لتبدو هيئته شاهدة على طول العمر، ومرارته، وكل حركة منه تنطق بصبرٍ طويلٍ وصمتٍ ممتدٍّ بين شدائد الأيام بيده اليمنى قنينةُ ماءِ «دجلة»، ممتلئة برشفتين، أو تكاد، تترنّح يمينًا وشمالًا مع كل خطوة، وباليسرى يتمسّك بعجوزه كما لو كانتْ حزمة من العُملة الصعبة، كنزٌ ثمينٌ لا يُفرَّط فيه، ويصعب عليه أن تفلت من قبضته. يقتسمان الصمت كما يقتسمان العمر، ينتظران دورًا قد يأتي، أو لا يأتي، بلا شكوى ولا سؤال؛ كأن ما تبقّى لهما من الحياة اختُصر في تلك الوقفة الطويلة، حيث لا يُطلب أكثر من حقٍ بسيط، ولا يُنتظر أقل من كرامةٍ أنهكها الانتظار. ليكتمل المشهد بصورةٍ من الحب الذي نقشته السنوات على وجهيهما، فتتحول كل خطوة إلى ملحمة عن الصبر والوفاء الذي جمعهما معًا ترتدي عجوزه فرّاشيةٌ باهتة، متهالكة، كأنها نُسجت بأيادٍ جنفاء، ويبدو عليها أثر العوز الذي يلاحقها منذ سنين، تمشي بخطواتٍ عرجاءَ متلكّئة، كأنها تساير بطءَ الطابور في آخره، وتُساق إلى الذلّ طويلًا قبل أن تنال حقّها؛ فالحقّ هنا لا يُؤخذ إلا بعد أن يُكسر صاحبه، ولا يُعترف بالإنسان إلا بعد أن يُسحق. هنا، لا يمرّ أحدٌ إلا وقد دفع من إنسانيته ثمن العبور. فجأةً، أسرعت السيارة ثم توقفت أمام أحد المحال الغذائية الكبيرة، وكأنها أرادت أن أعيش المشهد من جديد، بكلّ إحساسه وصخبه، بينما لا تزال صورة العجوزين تتردّد في ذهني. يا ترى، هل سيبلغان دورهما للسحب؟ هل تكفيهما تسعمائة دينار التقاعد لتأمين لقمة عيشهما، ورشفتا دجلة؟ هل تكفيهما سويًّا ويرتويان بعد ظمٍ امتدّ سنينًا؟ يقطع شرودي رجلٌ خمسيني الطريق من أمامي، يرافقه ابنه الذي لا يتجاوز العشر سنوات، يخطوان بخطواتٍ متسارعة، بينما تتزاحم الأقدام وتتصادم الأجساد في سباقٍ صاخبٍ نحو ذلك المحل، حيث تتلألأ لافتة التخفيضات، فتتوهج الرغبات وتستيقظ الحماسة بين المتسابقين، وكلٌّ يسعى لأن يكون أول من يلتقط ما يثير شغفه وسط ضجيج المكان المتصاعد. الآن، أسأل نفسي: ما المنتج المخفّض الذي جذب هذا الكم الهائل من الناس، حتى اصطفُّوا لأجله في طوابيرٍ لا تنتهي؟ وكأنني كلما نجوت من طابورٍ، أجد آخر يواجهني أمامي، يطاردني بلا هوادة؟ هل هو الزيت أم السكر أم المواد الأساسية التي يندر وجودها؟ أم مجرد اندفاعٍ جماعي لا شعوري يقوده شغف البشر بالاقتناء قبل الآخرين، أم الحاجة الماسّة التي دفعت الناس إلى ركضٍ يائس وراء السلع الرخيصة كما لو كانت آخر ما يبقيهم على قيد الحياة؟ الأصوات تتصاعد، والأقدام تتدافع، والضجيج يزمجر كوحشٍ جائع، والهواء يثقل بالصرخات والهمسات، وعربات التسوق تصرّ وتتصادم، والأرض ترتجف تحت وطأة الزحام؛ موجةٌ من فوضى منظمة تجتاح المكان، كلٌّ يندفع ليكون أول من يلتقط العرض المُخفّض، كأن المكان حلبة صراع بلا رحمة، لا مجال فيها للصبر أو التردد، ولا من يرحم أحدًا. فيخرج الرجل الخمسيني من المحل رفقة ابنه أمامي، يحملان في يديهما أربع علب من «زيت دوار الشمس»، وقد بدا عليهما التعب والراحة معًا، كأنهما خرجا من معركةٍ ضارية مع الزحام، ليحصلا على نصيبهما من الأمان المؤقت والرزق الذي طال انتظاره. هنا، في هذه البلاد، لا تحتاج المذلّة إلى أكثر من «دينارٍ واحدٍ» فارقٍ في السعر، ليُجمع النَّاس في طوابير طويلة، بين وجوهٍ منهكة وأعمارٍ مختلفة جمعتها الحاجة؛ فحتى الأطفال لم ينجو من طوابير الهوان، ولم تُستثنَ براءتهم من حسابات اللقمة. وهكذا، لا يعود الطابور مجرد انتظارٍ عابر، بل مرآةً لبلدٍ يتعلّم فيه النَّاسُ الصبر قسرًا، ويقف فيه الأطفال طويلًا قبل أن يعرفوا لماذا.


