
قاد الدبلوماسي الأمريكي «مسعد بولس» في الأيام الماضية مباحثات غير عادية اتخذتْ من طرابلس، وبنغازي مكانًا لها ومَنْ الممسكين بالقرار فيهما على الأرجح مقرًا لما انتهى إليه. وإذا كانت لقاءات طرابلس قد انتهتْ بالتوقيع على جملة من الاتفاقات المتصلة بالبترول تصنيعًا وتسويقًا، وعمالةً على أكثر من صعيد، فلا شك أن ما اختصتْ به بنغازي قد يكون أكثر أثرًا إذا قُدِّرَ لموعده أن يحين وفقًا لما أفصح عنه «بولس» وحدَّد موعده في الربيع القادم، ونعني بذلك المناورة العسكرية بين الطرفين الأمريكي، والليبي والتي أمّلَ منها «بولس» توحيد السلاح الليبي، ذلك التوحيد الذي سيكون من نتيجته متى يتم توحيد كل ما عداه تأسيسًا على القول المأثور )إذا صَلصلَ الباز فلا ديك صائح(، والمرء لا يقول بذلك انحيازًا لهذه الإمبراطورية الضخمة مالاً وسلاحًا، ولا إعجابًا بسياساتها أو طمعًا في خيراتها، ولكنها الحقيقة المُرَّة التي يؤكدها أكثر من شاهد، ويفرض التسليم بها كل مراجع دقيق، ويكفي أن الوجود الأمريكي الذي غرس أساساته الأولى بداية من طرابلس؛ حيث مطار الملّاحة بقلب المدينة لتشمل بقية الولاية ويبدأ من ثم التنقيب والحفر عن البترول، فلا تمر سنوات عشر إلا والاحتفالات تقام بأول تصدير منه بجالون صُنع من الذهب قُدِمَ هدية للملك «إدريس» في العام الثاني والستين من القرن الماضي وأثناء الاحتفال الذي أُعلِنَت فيه التعديلات الدستورية التي وحَّدتْ السلطة التنفيذية. تلك التي أذِنت بزوال العروش الصغيرة وأذِنت لاحقًا ببروز زعامة حقَّقتْ أفضل الأدوار عن طريق المال الليبي ابتداءً من الوطن العربي والفضاء الأفريقي إن لم نقل العالمي، وهي المرحلة التي كُتِبَ فيها لليبيا أن تدخل مرحلة مختلفة إن يكن زمن سبتمبر مكان له غير ما نحن بصدَّده، وأن الحقبة التي تلته قد دلتْ على أن ما جرى من أحداث قد دلَّ على أن الصراع كان حول المنطقة مجتمعة، وأن الاستقرار المنتظر لن يكون بالنسبة لنا مجزأً وإنما هو على الأرجح سيكون شاملاً البشر والحجر والأثر، بمعنى أن الدور الليبي سيكون شاملاً وأن الإشارة التي حملها حديث «بولس» عن المناورات والتدريبات المنتظرة في الربيع القادم قد تعني انتهاء مرحلة التخطيط المتعلق بنا، وما من سبيل لنا غير أن ننتظر وقد يتوجب علينا أن نتأكد بأن الذين على رأس شواغرهم من المتنفذين عندنا لا همَّ لهم سوى نهب المزيد من الثروات، والإصرار على إنفاقها في المظاهر التي يمكن أن تدخل في عقولهم -إن وجدت- إمكانية بلوغهم مبلغ القيادة، إلا أنها أعجز من أن تبلغ بهم خطوة، وأن أولى بنا أن نتبنى ضرورة البحث عما سواهم ليس فقط لقيادة المرحلة وإنما مجرد الاقتراب منها عندما يحين موعد التحرك الحقيقي، فما كل من يحضر الزفة من خُلص العريس، وليس كل من التقى مسعد بولس سيسعد.
