
مع إشراقة الشمس، تكتظ الأسواق بالخضار التي تبدو في شكلها طازجة وصحية، لكن هل هذه الخضار آمنة حقًا؟ فبين الحقول والأسواق تمر الخضراوات برحلة طويلة قد تختلط فيها عوامل الإنتاج بالمواد الكيميائية والمبيدات الزراعية، التي يُفترض أن تُستخدم وفق ضوابط علمية دقيقة لكن مع تزايد الحديث عبر صفحات التواصل الاجتماعي عن الاستخدام العشوائي لبعض المبيدات وغياب التوعية الكافية، بدأتْ الشكوك تتسلَّل إلى أذهان المستهلكين حول ما إذا كانتْ هذه المنتجات ما تزال تحتفظ بسلامتها الصحية.
لذا بادرتْ صحيفة )فبراير( بفتح ملف سلامة الخضار في الأسواق العامة؛ حيث تم تتبع خيوط مشكلة تلوث الخضار من المزرعة إلى المائدة.
ولأجل البحث عن إجابة لسؤال مهم وهو .. هل ما نأكله غذاءً صحيًا؟ أم موتًا صامتًا يتسلَّل إلى موائدنا؟!
يقول حسين مرادي عضو منظمة حماية المستهلك :
إنَّ بعض المستهلكين يلاحظون تغيرًا في طبيعة بعض الغلال الزراعية سواء من حيث الطعم، أو سرعة التلف، أو المظهر غير الطبيعي للخضار.
وأشار إلى ملاحظته بعدم رضى أغلب المواطنين على عرض الخضار الورقية، والفاكهة سواء المستوردة، أو المحلية.
وأضاف مرادي : أن هذه التغيرات قد تكون مرتبطة باستخدام مفرط للأسمدة، أو المبيدات بهدف زيادة الإنتاج، أو تسريع نمو المحصول وتحسين خصوبة التربة، لكن استخدام الأسمدة المنتهية الصلاحية قد يسبَّب أضرارًا كبيرة للتربة والنبات والبيئة والإنسان.
وأشار «مرادي» إن أهم المعوقات لإنتاج زراعي جيد وصحي هو الأسمدة المنتهية الصلاحية التي تجاوزت المدة المحدَّدة للاستخدام أو تعرضتْ لظروف تخزين سيئة كالرطوبة العالية، والتعرض المباشر للشمس، هذه العوامل تؤدي إلى تغير تركيب السماد الكيميائي وفقدان فعاليته ويكون تأثيره سلبيًا على التربة ويؤدي إلى تدهور خصوبة التربة فلا تحصل على العناصر اللازمة لنمو النبات، ويسبب أيضاً اختلال التوازن الكيميائي في التربة فقد تتحلَّل بعض المركبات في السماد وتتحوَّل إلى مواد «حمضية، أو قلوية» تؤدي إلى تغيير درجة حموضة التربة وتقليل قدرة النبات على امتصاص العناصر الغذائية. وتسبب قتل الكائنات الحيَّة الدقيقة النافعة المفيدة لنبات كما تسبب الأسمدة الفاسدة في فقد العناصر الغذائية بشكل كافٍ، مما يؤدي لبطء النمو وقلة الإنتاج واحتراق جذور النبات إضافة لتأثر السلبي على تأثيرها على البيئة وتلوث المياه الجوفية، وينعكس ذلك كله سلبًا على صحة الإنسان؛ حيث تمتص النباتات الأسمدة الضارة وتنتقل إلى الإنسان عبر الغذاء مما قد يسبب تراكم المواد السامة في الجسم ومشكلات صحية على المدى الطويل.
الربح قبل السلامة
وفيما يتعلق بمشكلة المزارع في ضواحي العاصمة أغلبها تفلح تحت شعار «الربح قبل السلامة»، وفي هذا أوضحتْ المهندسة سعاد المحمودي المتخصَّصة في وقاية النبات أنه في ضواحي العاصمة تنتشر مزارع كبيرة تستأجر العمالة الوافدة من «مصر، وتشاد، والنيجر، والسودان» للعمل على مدار الساعة.
وأكدتْ بعد متابعتها لبعض هذه المزارع استخدام الفلاحين الأسمدة والمبيدات والأدوية الزراعية بكميات كبيرة ليس حفاظًا على المحصول فحسب بل لتحقيق أرباح سريعة ومضاعفة.
وواصلتْ المحمودي : أن أغلب العمالة الوافدة بلا تدريب كافٍ على الاستخدام الآمن للمواد الكيميائية وتُجبر من قبل ملاك المزارع على إعطاء جرعات أكبر لضمان نمو المحصول بسرعة حتى لو كان ذلك على حساب سلامة المستهلك.
وأضافتْ أن الأوراق تمتص الماءَ من الأرضِ وليستْ الجذور وهذا مفهوم فسيولوجي بسيط وأغلب الفلاحين ليس لديهم ثقافة زراعية عند تسميد النباتات؛ حيث يوضع حول الأشجار المثمرة وريها بالماء. إضافة إلى حدوث التغيرات المناخية عند حرث الأرض باستمرار يخرج الكربون من الأرض ويتبعه تبخر الماء وتبقى الأسمدة الكيماوية في التربة.
مؤكدة أن نجاح التنمية الزراعية بتوعية وتدريب الفلاحين والتشديد على عدم تحريك الأرض باستمرار خاصة عند زراعة الفول أو الشعير بمساحات كبيرة حتى يبقى الماء في التربة وتنخفض الانبعاثات الكربونية ونتفادى انجراف التربة عند الحصاد، ويفضل الحفاظ على السماد العضوي في التربة الزراعية، فهي تعطي أفضل إنتاج زراعي.
في المقابل عندما لا توجد متابعة مستمرة وتترك الأراضي الزراعية للري العشوائي ولتجار بائعي الأسمدة والمبيدات الذين يركزون على الربح من خلال غزارة الإنتاج الزراعي، فإن الخضار تصل إلى الأسواق محملة ببقايا مواد كيميائية خطيرة لا يلاحظها المستهلك بالعين المجردة لكنه قد يدفع ثمنها لاحقًا بصحته وصحة أسرته.
غياب التوعية الإعلامية
وفي السياق ذاته حدثتنا المهندسة نورا المقرحي المتخصَّصة في علوم المحاصيل الحقلية عن غياب التوعية الإعلامية مؤكدة أن ضعف حملات التوعية حول سلامة الغذاء يمثل أحد أبرز التحديات في هذا الملف.
وأشارت إلى أن عديد المزارعين لا يحصلون على إرشاد كافٍ حول الاستخدام الآمن للمبيدات كما أن المستهلكين أنفسهم قد يفتقرون إلى المعلومات الضرورية لاختيار المنتجات الأفضل أو التعامل الصحيح مع الخضار قبل استهلاكها.
وأوضحت أن وسائل الإعلام يمكن أن تقوم بدور مهم في نشر الثقافة الغذائية السليمة من خلال البرامج التوعوية والتحقيقات الصحفية التي تسلط الضوء على المخاطر المحتمل.
وحول الآثار المترتبة عن المبيدات والاسمدة
أجاب د.علي التومي : عادةً لا تظهر آثار التعرض للمواد الكيميائية الزراعية بسرعة؛ حيث تتراكم في الجسم لسنوات وقد تظهر الأمراض بعد مدة طويلة من التعرض المستمر لبقايا المبيدات في الغذاء أو البيئة. كما أكد أن الحل والوقاية من مخاطر تلوث الخضار بتشديد الرقابة على استيراد المبيدات والأسمدة ومتابعات فجائية.
وفي السياق ذاته أوضح د. التومي أن أهم الأضرار وتحديات الزراعة العضوية تكمن في انخفاض الإنتاجية «المحاصيل» مقارنة بالتقليدية وارتفاع تكاليف العمالة والشهادات وزيادة خطر الآفات والأمراض لعدم استخدام المبيدات الكيميائية وحاجة مساحات أراضٍ أكبر .. كما تشمل التحديات صعوبة التخلص من الأعشاب الضارة والتلوث المحتمل من المزارع المجاورة وارتفاع أسعار الخضار والفاكهة مع استخدام المبيدات والأسمدة مرتفعة السعر.
وأشار إلى أن أضرار وسلبيات الزراعة العضوية هي انخفاض الإنتاجية غالبًا ما تنتج الزراعة العضوية محاصيل أقل كمية مقارنة بالزراعة التقليدية «الكيماوية»، مما قد يؤثر على الأمن الغذائي. وارتفاع تكاليف الإنتاج والعمالة: تتطلب إدارة الآفات والأعشاب يدويًا، أو بطرق طبيعية عمالة كثيفة، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الحصول على شهادات اعتماد الزراعة العضوية. وخطر الآفات والأمراض فعدم استخدام المبيدات الكيميائية يجعل المحاصيل أكثر عرضة لهجمات الحشرات والأمراض، مما قد يؤدي إلى فقدان كامل للمحصول في بعض الحالات ومخاطر التلوث الخارجي؛ حيث تنتقل الكيماويات والمبيدات من المزارع التقليدية المجاورة عبر الرياح، أو الماء مما يلوث المحاصيل العضوية ويُفسد سلامتها وعن مشكلات التربة والسماد يعد التسميد العضوي غير المعالج جيداً، فهو يجذب الآفات أو يسبَّب اختلالاً في توازن العناصر الغذائية كما أن تحلَّل المواد العضوية بكميات كبيرة فإنه يؤدي لظروف لاهوائية ضارة إضافة أن الزراعة العضوية تحتاج إلى مساحات أرض أكبر مما قد يضغط على النظم البيئية الطبيعية. ومشكلات تخزين وتسويق فالمنتجات العضوية عرضة أكثر للتعفن وتحتاج لبنية تحتية متطورة.
أ.فريدة بوريش باحثة في الاقتصاد الزراعي قالت: تناول خضراوات وفواكه عُولجتْ بمبيدات أو أسمدة منتهية الصلاحي، أو مهربة قد يسبب عدة أضرار صحية للمواطنين خاصة إذا كانتْ تحتوي على بقايا مواد كيميائية ضارة. من أخطر هذه الأضرار التسمَّم الغذائي مثل : القيء، والإسهال، وآلام المعدة والدوخة بعد تناول الغذاء الملوث والحساسية وتهيج الجلد والعينين نتيجة بقايا المواد الكيميائية ومشكلات في الكبد والكلى بسبب تراكم السموم في الجسم مع الاستهلاك المستمر وضعف جهاز المناعة وزيادة قابلية الجسم للإصابة بالأمراض وزيادة خطر بعض الأمراض المزمنة مثل اضطرابات الجهاز العصبي وبعض أنواع الأورام عند التعرض الطويل للمواد الكيميائية لذلك يؤكد المختصون على ضرورة الرقابة الصارمة على المبيدات والأسمدة ومنع تهريبها، أو بيع المنتهية الصلاحية إضافة إلى توعية المواطنين بغسل الخضراوات والفواكه جيدًا قبل تناولها حفاظًا على صحتهم.
وذكر الدكتور فتحي بن شتوان أستاذ جامعي : أن الأمن الغذائي والمائي، هو أحد الركائز الأساسية لاستقرار الدولة في ليبيا، خاصة في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والمناخية وارتفاع الاعتماد على الاستيراد. من ضمن رؤية المشروع النهضوي في الأمن الغذائي والمائي ومنها تطوير الزراعة والمحاصيل الاستراتيجية المحلية واستعادة البذور الوطنية الأصيلة والمحافظة عليها لتجنب الاعتماد على الاستيراد وتحقيق كفاءة إنتاجية عالية وتوفير المال وحماية المحاصيل والثروة الحيوانية من الآفات والأمراض تحسين إدارة الموارد المائية باستخدام أفضل الممارسات الدولية دعم الصناعات الغذائية القائمة على المحاصيل الاقتصادية لأجل بناء ليبيا الحديثة القادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي والمائي اعتمادًا على الابتكار والبحث العلمي والتكنولوجيا الزراعية الحديثة وتنمية الريف وتطوير التمويل الزراعي واستعادة الأراضي المتدهورة وتحسين الإنتاج وتطبيق هذه المنظومة سيقود إلى زيادة الإنتاج المحلي تحقيق الاكتفاء الذاتي نسبياً.
سؤال عن الحضور الاعلامي
وحول عدم حضور قضية سلامة الغذاء بقوة في وسائل الإعلام؟ .. يجيب الدكتور محمد علي الأصفر أستاذ الإعلام في الجامعات الليبية : إن قضايا سلامة الغذاء تحتاج إلى اهتمام إعلامي كبير لأنها تمس حياة المواطنين مباشرة كما يرفع تعزيز التعاون بين الإعلام والجهات الصحية والزراعية من وعي المزارعين والمستهلكين ويعزز ثقافة الغذاء الآمن.
كما أوضح الأصفر : أن التهاون في سلامة الغذاء يعد خطأ كبيرًا إن لم يكن جريمة يعاقب عليها القانون ودور وسائل الإعلام التوعوي يأتي ضمن أولوية أهداف ووظائف تلك الوسائل بمختلف تصنيفاتها المطبوعة والمسموعة والمرئية والرقمية وهذا يتطلب تقديم برامج إرشادية مستمرة من قبل متخصصين ومرشدين في مجال الزراعة والبيطرة والطب الوقائي، ومتخصصي التغذية والإمراض ذات العلاقة. وأشار إلى عدم توفر الحملات الإعلامية المكتفة والمستمرة في وسائل الإعلام والتي قد ترجع إلى مبررات غير مقبولة مثل قلة الإمكانات وغياب المتخصصين في هذا المجال وقال الإعلام المتخصص يختلف عن الإعلام العام لأنه يركز على موضوعات وقضايا محددة ويستعمل لغة خاصة ومعلومات معمقة في موضوع محدد كأضرار المبيدات الحشرية فبإمكانه أن يستضيف المتخصصين والمهتمين في هذا المجال لكي يسهموا في توضيح أكثر لأهم القضايا ويتعمقوا بتوسع في نفس المجال مما يجعل المتلقي يستفيد ويتجنب المخاطر المترتبة على سوء استخدام تلك المبيدات سواء أكان المزارع نفسه أم الوسيط البائع وكذلك المستهلك..وأكد» الأصفر» على أهمية التركيز على الإعلام المتخصص في المجال الصحي مثلاً بإمكانه إجراء تحقيقات استقصائية حول مخاطر استخدام المبيدات الزراعية وبخصوص كليات وأقسام الإعلام لها دور أكاديمي في تخريج إعلاميين وتكليف الطلاب بالقيام بحملات توعوية وأيضًا إعداد تحقيقات صحفية على هذه الموضوعات الحساسة كما أن كليات وأقسام الإعلام بإمكانها عقد ندوات ومؤتمرات علمية بالتنسيق مع كليات الزراعة والبيطرة والطب والصيدلة والتقنية الطبية والمتخصصين تتناول فيه قضايا المبيدات الحشرية والأمراض المنتشرة في المجتمع وبما أن أهداف الجامعات تتمثل في خدمة المجتمع من خلال ما تقوم به من نشاطات لكلياتها حسب التخصص وبذلك تكون التوعية الإعلامية بسلامة الغداء ومكافحة التلوث من اختصاص الكليات والأقسام الإعلامية .
يؤكد المواطن أسامة مفتاح على ضرورة التشديد على المنافذ الحدودية والموانئ لمنع دخول المبيدات والأسمدة غير المطابقة للمواصفات الدولية ومنع بيع المبيدات إلا عبر محال مرخصة وتحت إشراف الجهات الزراعية المختصة وفرض عقوبات صارمة على المهربين والتجار الذين يبيعون مواد خطرة، أو غير مسجلة وتوعية المزارعين والعمال الزراعيين بخطورة استخدام المبيدات المجهولة المصدر وضرورة الالتزام بفترة الأمان قبل الحصاد وجهاز الحرس البلدي.
يضيف : لا بد من تكثيف التفتيش على المزارع والأسواق وأخذ عينات من الخضراوات، والفواكه لتحليلها والتأكد من سلامتها..بهذه الإجراءات فقط يمكن حماية صحة المواطن، وضمان إنتاج غذاء آمن، مع دعم المزارعين بالبدائل الآمنة والمبيدات المسموح بها.



