هدرزة

أروقة المحاكم

عبير المحجوب

في‭ ‬صباح‭ ‬مكتظ،‭ ‬كانتْ‭ ‬امرأةٌ‭ ‬تقف‭ ‬قرب‭ ‬باب‭ ‬القاعة،‭ ‬تحمل‭ ‬ملفًا‭ ‬أخضر‭ ‬وتضمه‭ ‬إلى‭ ‬صدرها،‭ ‬كأنها‭ ‬تخشى‭ ‬أن‭ ‬يهرب‭ ‬منها‭ ‬آخر‭ ‬ما‭ ‬تبقّى‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬تبكي،‭ ‬كانت‭ ‬متماسكة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اللازم،‭ ‬وذلك‭ ‬أخطر‭.‬

‭)‬انتصارٌ‭ ‬مكسور‭ .. ‬وبيتٌ‭ ‬على‭ ‬صفيح‭ ‬ساخن‭(‬

تقول‭ ‬الزوجة‭ ‬في‭ ‬روايتها‭ ‬بعد‭ ‬خروجها‭ ‬من‭ ‬هيئة‭ ‬المحكمة‭ ‬وبين‭ ‬أيام‭ ‬قضتها‭ ‬بين‭ ‬أروقة‭ ‬المكاتب‭ ‬والمحاكم‭ :‬

لم‭ ‬أتخيل‭ ‬يومًا‭ ‬أن‭ ‬يتحوَّل‭ ‬بيتي‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬معركة‮…‬‭ ‬وأن‭ ‬يصبح‭ ‬أبنائي‭ ‬وقودًا‭ ‬لصراع‭ ‬لا‭ ‬معنى‭ ‬له‭.‬

تزوّجتُ‭ ‬شابةً‭ ‬وكنتُ‭ ‬أعتقد‭ ‬بأن‭ ‬البيت‭ ‬يُبنى‭ ‬بالمودة،‭ ‬لكن‭ ‬الخلافات‭ ‬الصغيرة‭ ‬بدأتْ‭ ‬تكبر‭ ‬حين‭ ‬بدأ‭ ‬زوجي‭ ‬يستمع‭ ‬لكل‭ ‬رأي‭ ‬إلا‭ ‬رأي‭ ‬أنا‭ ‬وترداف‭  ‬قائلةً‭ :‬

كل‭ ‬يوم‭ ‬يُخبرونه‭ ‬أنني‭ ‬غير‭ ‬مطيعة،‭ ‬وأن‭ ‬خروجي‭ ‬لزيارة‭ ‬أهلي‭ ‬جرم،‭ ‬وأن‭ ‬وجودي‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬عائلته‭ ‬تهديد‭. ‬بدأ‭ ‬يشك،‭ ‬يتضايق،‭ ‬ويتغير‭.‬”

وذات‭ ‬يوم،‭ ‬تفاجأت‭ ‬بإخطار‭ ‬رسمي‭ ‬من‭ ‬المحكمة‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬فى‭ ‬بيت‭ ‬اهلي‭ ‬دعوى‭ ‬“نشوز”‭ ‬تقدّم‭ ‬بها‭ ‬زوجها،‭ ‬مدعومًا‭ ‬بشهادة‭ ‬من‭ ‬أسرته‭ ‬وأخته‭ ‬التي‭ ‬حرّضته‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬القضية‭.‬

لكن‭ ‬الزوجة‭ ‬لم‭ ‬تسكت‭. ‬جمعت‭ ‬الأدلة،‭ ‬وقدّمت‭ ‬رسائل‭ ‬وصورًا‭ ‬وتسجيلات‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬خروجها‭ ‬كان‭ ‬بعلمه،‭ ‬وأنها‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدودها‭.‬

تتابع‭ ‬بمرارة‭:‬

“لم‭ ‬أطلب‭ ‬سوى‭ ‬الاحترام‮…‬‭ ‬لكنهم‭ ‬جرّوني‭ ‬إلى‭ ‬معركة‭ ‬لم‭ ‬أخترها‭.‬”

وبسبب‭ ‬اخته‭ ‬التى‭ ‬ملئت‭ ‬راسه‭ ‬وأمه‭ ‬كانت‭ ‬بداية‭ ‬القصة‭ .‬

عند‭ ‬التحقيق،‭ ‬ظهر‭ ‬التلاعب‭ ‬واضحًا،‭ ‬وتحوّلت‭ ‬القضية‭ ‬لصالحها‭. ‬فُرضت‭ ‬النفقة،‭ ‬وحُقّ‭ ‬لها‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬الزوجية‭ ‬وفق‭ ‬القانون،‭ ‬لكن‭ ‬الواقع‭ ‬كان‭ ‬أشبه‭ ‬بالإقامة‭ ‬في‭ ‬“منطقة‭ ‬اشتباك”‭.‬

تقول‭:‬

“البيت‭ ‬صار‭ ‬نارًا‮…‬‭ ‬نظرات‭ ‬عدائية،‭ ‬كلام‭ ‬جارح،‭ ‬ومناخ‭ ‬خانق‭ ‬لا‭ ‬يُطاق‭. ‬الانتصار‭ ‬في‭ ‬الورق‮…‬‭ ‬والخسارة‭ ‬في‭ ‬الروح‭.‬”

انسحب‭ ‬الزوج‭ ‬غاضبًا‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬أهله،‭ ‬وتركها‭ ‬وحدها‭ ‬مع‭ ‬أطفالها‭. ‬لا‭ ‬زيارة،‭ ‬لا‭ ‬سؤال،‭ ‬فقط‭ ‬صمت‭ ‬ثقيل‭ ‬يذكّرها‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬كُسر‭ ‬لا‭ ‬يعود‭.‬

البيت‭ ‬اصبح‭ ‬ملكة‭ ‬لاننى‭ ‬الحاضنة‭.. ‬والنفسية‭ ‬تصلنى‭ ‬لكننا‭ ‬خيرها‭ ‬بينا‭ ‬كان‭ ‬بالود‭ ‬والمحبه‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬ياوجه‭ ‬كل‭ ‬العواصف‭ ‬

وفي‭ ‬رسالتها‭ ‬الأخيرة‭ ‬تقول‭:‬

ياا‭ ‬من‭ ‬تظنون‭ ‬أن‭ ‬الفوز‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬نصر‮…‬‭ ‬الزواج‭ ‬ليس‭ ‬حربًا‭. ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬الزواج‭ ‬لمعركة،‭ ‬يصبح‭ ‬الأطفال‭ ‬أول‭ ‬الضحايا‭. ‬وكل‭ ‬انتصارٍ‭ ‬على‭ ‬الورق‮…‬‭ ‬هو‭ ‬انتصار‭ ‬مكسور‭.‬

ورسالة‭ ‬لكل‭ ‬عائلة‭ ‬لاتجعل‭ ‬عائلتك‭ ‬الأولى‭ ‬تهدم‭ ‬عائلتك‭ ‬التانية‭ ‬التى‭ ‬انت‭ ‬اخترتها‭ ‬فالضحية‭ ‬سيكون‭ ‬ابنائك‭ ‬ونفسك‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬زوجتك‭ .‬

ما‭ ‬لا‭ ‬يكتبه‭ ‬المحضر

في‭ ‬المحضر،‭ ‬تُكتب‭ ‬الوقائع‭.‬

لكن‭ ‬لا‭ ‬يُكتب‭ ‬الخوف‭.‬

لا‭ ‬يُكتب‭ ‬القلق‭ ‬الليلي‭.‬

لا‭ ‬يُكتب‭ ‬ارتجاف‭ ‬الأم‭ ‬حين‭ ‬تسمع‭ ‬هاتفها‭ ‬يرن‭.‬

وأنا،‭ ‬كشاهد،‭ ‬أدركت‭ ‬شيئًا‭ ‬واحدًا‭: ‬بعض‭ ‬القضايا‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬حكمًا‭ ‬جديدًا‮…‬

بل‭ ‬ضميرًا‭ ‬حيًا‭.‬

ماذا‭ ‬يقول‭ ‬القانون‭ ‬الليبي؟‭ ‬

وفق‭ ‬قانون‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬الليبي‭:‬

حقوق‭ ‬المطلقة‭ ‬الحاضنة

‭ ‬الحضانة‭ ‬للأم‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يثبت‭ ‬مانع‭ ‬شرعي‭.‬

نفقة‭ ‬الأبناء‭ ‬إلزامية‭ ‬وتشمل‭ ‬جميع‭ ‬الاحتياجات‭.‬

حق‭ ‬السكن‭ ‬أو‭ ‬بدل‭ ‬سكن‭.‬

‭ ‬أجر‭ ‬حضانة‭ ‬عند‭ ‬الاقتضاء‭.‬

واجباتها

احترام‭ ‬حق‭ ‬الأب‭ ‬في‭ ‬الزيارة‭.‬

عدم‭ ‬الإضرار‭ ‬النفسي‭ ‬بالأطفال‭.‬

الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مصلحتهم‭ ‬العليا‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬خلاف‭.‬

لكن‭ ‬القانون،‭ ‬رغم‭ ‬عدالته،‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬الأذى‭ ‬حين‭ ‬يُصرّ‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬إيذاء‭ ‬الإنسان‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى