من مجمع المحاكم، حيث تختلط رائحة الورق القديم بأنفاس الانتظار، جلستُ أراقب الوجوه قبل أن تُنادى الأسماء. هنا لا تُروى القصص كاملة، بل تظهر شذراتها: نظرة شاردة، يد ترتجف، صمت أثقل من الكلام.
حين فُتح باب القاعة، دخل شاب في أواخر العشرينيات، نحيل الجسد، عيناه غائرتان كمن لم ينم منذ أسابيع. كان يرتدي قميصًا باهت اللون، لا يشبه صور “الحلم الأوروبي” التي تُباع على شاشات الهواتف. هذا أحد المتهمين في قضية الهجرة غير الشرعية.
القصة كما بدأتْ
بحسب محضر القضية، لم يكن المتهم “منظمًا محترفًا”، بل حلقة في سلسلة أطول. شاب عاطل عن العمل منذ سنوات، تنقّل بين أعمال مؤقتة لا تكفي لسد أبسط الاحتياجات. ومع تزايد الضغوط، وجد نفسه وسيطًا: يجمع أسماء، ينسّق مواعيد، ويقود الطريق إلى الساحل.
في اعترافاته، لم ينكر. قال بهدوء خالٍ من البطولة:
«ما كنتش نحلم نطلع… كنت نحلم نعيش»
لم يتحدث عن البحر كعدو، بل كخيار أخير. وعن القارب، لم يصفه بالنجاة ولا بالموت، بل بـ“الفرصة”. الفرصة التي انتهت قبل أن تبدأ، بعد مداهمة أمنية أحبطت الرحلة، وأنقذت عشرات الأرواح، وفتحت هذا الملف القضائي.
داخل القاعة
النيابة سردت الوقائع بلغة القانون: تسهيل الهجرة غير الشرعية، تجميع أشخاص، التنسيق مع مهربين، تعريض أرواح للخطر.
أما الدفاع، فبنى مرافعته على الهشاشة الاجتماعية، وغياب البدائل، وانسداد الأفق الاقتصادي.
كان الصمت هو الحكم الأول. حتى القاضي، وهو يقلّب الملف، بدا كمن يقرأ أكثر من نص قانوني؛ يقرأ واقعًا يتكرر.
وصف الجاني… بلا شيطنة
لا يحمل ملامح “مجرم محترف”. لا سجل جنائي سابق. لا مظاهر ثراء. هاتفه قديم، ومحادثاته بسيطة، مليئة بعبارات من نوع: “اصبروا”، “الدور قريب”، “ربي يسهل”.
هو متهم، نعم. لكنه أيضًا نتاج بيئة دفعت الكثيرين إلى الحافة.
الإطار القانوني (بدقة)
يُعاقب القانون الليبي الهجرة غير الشرعية بموجب القانون رقم (19) لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية، والذي ينص على:
تجريم كل من يسهّل أو ينظّم أو يموّل الهجرة غير الشرعية.
عقوبات سالبة للحرية قد تصل إلى السجن، مع غرامات مالية متفاوتة بحسب الدور والنتائج.
تشديد العقوبة إذا ترتب على الفعل تعريض الأرواح للخطر أو وجود شبكة منظمة.
القانون واضح: النية لا تُلغي الجريمة، والظرف الاجتماعي لا يرفع المسؤولية، لكنه قد يُؤخذ في الاعتبار عند تقدير العقوبة.
ما وراء الحكم
هذه القضايا لا تنتهي بالحكم فقط. تنتهي مؤقتًا، لتعود بأسماء أخرى، وملفات جديدة. فالهجرة غير الشرعية ليست مجرد خرق قانوني، بل مؤشر على خلل أعمق: حين يصبح البحر خيارًا، وتصبح المخاطرة عقلانية في ميزان اليأس.
وبخطى مثقلة
وأنا أغادر القاعة، بقي السؤال معلقًا: هل نُحاكم الفعل فقط، أم نجرؤ على مواجهة أسبابه؟
في أروقة المحاكم، تُغلق الملفات.. لكن في الشوارع، وعلى السواحل، تظل القصة مفتوحة.


