الرئيسيةتقارير

أزمة الدواء.. خلل إداري أم فساد ممنهج؟

منى الساحلي

تُعدّ‭ ‬أزمة‭ ‬الدواء‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬التحديات‭ ‬إلحاحًا‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬حيث‭ ‬تداخلت‭ ‬فيها‭ ‬عوامل‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬ولوجستية‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬اضطراب‭ ‬منظومة‭ ‬الإمداد‭ ‬الدوائي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬فمن‭ ‬نقص‭ ‬الأدوية‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬العامة،‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الأدوية‭ ‬داخل‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬مرورًا‭ ‬بتنامي‭ ‬ظاهرة‭ ‬التسرب‭ ‬وتهريب‭ ‬الدواء،‭ ‬بات‭ ‬المريض‭ ‬الليبيوخاصة‭ ‬أصحاب‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنةيواجه‭ ‬صعوبة‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬علاجه‭ ‬المنتظم‭. ‬ورغم‭ ‬الجهود‭ ‬الحكومية‭ ‬المتكررة‭ ‬لتأمين‭ ‬المخزون‭ ‬الدوائي‭ ‬عبر‭ ‬عقود‭ ‬الاستيراد‭ ‬وتفعيل‭ ‬دور‭ ‬جهاز‭ ‬الإمداد‭ ‬الطبي،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الحاجة‭ ‬والتوفّر‭ ‬تتسع،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬رقابة‭ ‬فعّالة‭ ‬ونظام‭ ‬توزيع‭ ‬شفاف‭. ‬ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬وزيادة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬مراكز‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬أصبحت‭ ‬أزمة‭ ‬الدواء‭ ‬قضية‭ ‬وطنية‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الصحة‭ ‬لتلامس‭ ‬الأمن‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬وتفرض‭ ‬ضرورة‭ ‬تبني‭ ‬حلول‭ ‬عاجلة‭ ‬ومستدامة‭ ‬تضمن‭ ‬توفير‭ ‬العلاج‭ ‬باعتباره‭ ‬حقًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬لكل‭ ‬مواطن‭.‬

ليبيا‭  ‬تعانى‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬متداخلة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الدواء‭ ‬و‭ ‬نقص‭ ‬متكرر‭ ‬في‭ ‬الأدوية‭ ‬الأساسية‭ ‬داخل‭ ‬مرافق‭ ‬القطاع‭ ‬العام،‭ ‬مشاكل‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬التوريد‭ ‬والشراء،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬فساد‭ ‬وتسرب‭  ‬تُعيد‭ ‬توجيه‭ ‬الأدوية‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الخاصّ‭ ‬بأسعار‭ ‬أعلى‭. ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬تؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬على‭ ‬مرضى‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬‮«‬سكري،‭ ‬ضغط‭ ‬دم،‭ ‬أمراض‭ ‬قلبية،‭ ‬وغيرها‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬أدوية‭ ‬ثابتة‭ ‬وطويلة‭ ‬الأمد‭. ‬تقارير‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ومنظمات‭ ‬صحية‭ ‬محلية‭ ‬وإقليمية‭ ‬تُظهر‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬المراكز‭ ‬الأولية‭ ‬تواجه‭ ‬نقصًا‭ ‬في‭ ‬الأدوية‭ ‬الأساسية،‭ ‬بينما‭ ‬يعتمد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المرضى‭ ‬على‭ ‬الصيدليات‭ ‬الخاصة‭ ‬وبطاقات‭ ‬شرائية‭ ‬باهظة‭ ‬التكاليف‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬علاجهم‭.‬

فقد‭ ‬قدرات‭ ‬الإحصاء‭ ‬الدولية‭  ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬ليبيا‭ ‬بنحو‭ ‬7‭.‬4‭ ‬مليون‭ ‬نسمة‭ ‬‮«‬تقديرات‭ ‬20242025‮»‬‭. ‬الأمراض‭ ‬غير‭ ‬السارية‭ ‬‮«‬القلبية،‭ ‬السرطان،‭ ‬الأمراض‭ ‬التنفسية‭ ‬المزمنة‭ ‬والسكري‮»‬‭ ‬تشكّل‭ ‬معًا‭ ‬نحو‭ ‬ثلثي‭ ‬الوفيات‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬توفر‭ ‬أدوية‭ ‬هذه‭ ‬الفئات‭ ‬أولوية‭ ‬صحية‭ ‬وطنية‭.‬

أما‭ ‬عن‭  ‬تقييمات‭ ‬وتقارير‭ ‬أجرتها‭ ‬جهات‭ ‬أممية‭ ‬ومنظمات‭ ‬محلية‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬مراكز‭ ‬الرعاية‭ ‬الأولية‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬أدوية‭ ‬أساسية‭ ‬كانت‭ ‬عالية‭ ‬جدًا‭ ‬‭ ‬تقرير‭ ‬احتياجات‭ ‬منظمات‭ ‬دولية‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬88‭% ‬من‭ ‬مراكز‭ ‬الرعاية‭ ‬الأولية‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد‭ ‬لم‭ ‬تملك‭ ‬أيًا‭ ‬من‭ ‬الأدوية‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تقييم‭ ‬‮«‬CER‭/‬UNICEF 2022‮»‬‭. ‬هذا‭ ‬يعكس‭ ‬فجوة‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬التوفر‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬القاعدة‭.‬

أما‭ ‬عن‭ ‬الأدوية‭ ‬الحيوية‭ ‬المفقودة‭ ‬أو‭ ‬المحدودة‭: ‬تقييم‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬20222023‭ ‬أظهر‭ ‬ندرة‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬الأنسولين،‭ ‬أدوية‭ ‬ضغط‭ ‬الدم،‭ ‬مضادات‭ ‬حيوية،‭ ‬وأدوية‭ ‬علاج‭ ‬بعض‭ ‬أمراض‭ ‬السرطان‭ ‬والسل‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المرافق‭ ‬الحكومية؛‭ ‬وتسجيل‭ ‬حالات‭ ‬اتصال‭ ‬بوفود‭ ‬طبية‭ ‬تُشير‭ ‬إلى‭ ‬نفاد‭ ‬المخزون‭ ‬أو‭ ‬توفّر‭ ‬كميات‭ ‬محدودة‭.‬

ولو‭ ‬جئنا‭ ‬لأسباب‭ ‬النقص‭ ‬والتسرب‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬فيمكننا‭ ‬اختصارها‭ ‬فى‭ ‬الآتى

1‭. ‬ضعف‭ ‬نظم‭ ‬الشراء‭ ‬والتخزين‭: ‬ضعف‭ ‬نظم‭ ‬الشراء‭ ‬المركزية‭ ‬ونقص‭ ‬الشفافية‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬جهاز‭ ‬الإمداد‭ ‬الطبي‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬أخطاء‭ ‬طلب،‭ ‬مخزونات‭ ‬غير‭ ‬متوازنة،‭ ‬وانتهاء‭ ‬صلاحيات‭ ‬أدوية‭. ‬تقارير‭ ‬رسمية‭ ‬وانتقادات‭ ‬حكومية‭ ‬اعتبرت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬جهاز‭ ‬الإمداد‮»‬‭ ‬كان‭ ‬عرضة‭ ‬للاستغلال‭ ‬والاحتكار‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭.‬

2‭. ‬الفساد‭ ‬وسلاسل‭ ‬التهريب‭: ‬تحقيقات‭ ‬محلية‭ ‬وتحليلات‭ ‬صحفية‭ ‬تُشير‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬فساد‭ ‬ووَجهات‭ ‬وسطى‭ ‬تسرّب‭ ‬أدوية‭ ‬من‭ ‬المخازن‭ ‬الحكومية‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الخاصة‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬التصدير‭ ‬غير‭ ‬الرسمي،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬سوقًا‭ ‬سوداء‭ ‬للأدوية‭ ‬ذات‭ ‬الطلب‭ ‬العالي‭.‬

3‭. ‬المشاكل‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصادية‭: ‬تقلبات‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬وقرارات‭ ‬مالية‭ ‬‮«‬كخفض‭ ‬قوة‭ ‬العملة‭ ‬أو‭ ‬تأخيرات‭ ‬تحويلات‭ ‬المصارف‮»‬‭ ‬تجعل‭ ‬استيراد‭ ‬الأدوية‭ ‬أكثر‭ ‬تكلفة‭ ‬وصعوبة؛‭ ‬التذبذب‭ ‬في‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬يؤثر‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬المستحضرات‭ ‬المستوردة‭.‬

4‭. ‬انقسام‭ ‬مؤسساتي‭ ‬وعدم‭ ‬توحّد‭ ‬ميزانيات‭: ‬الظروف‭ ‬السياسية‭ ‬والتنافس‭ ‬بين‭ ‬هياكل‭ ‬إدارية‭ ‬أدت‭ ‬لنقص‭ ‬تنسيق‭ ‬مركزي‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬والمناقصات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالأدوية‭.‬

‭ ‬ولو‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬آليات‭ ‬التسرب‭ ‬فالسوال‭ ‬المهم‭ ‬والاولى‭ ‬بطرح‭ ‬نفسه‭ ‬بي‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬ينتقل‭ ‬الدواء‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬الخاص»؟؟؟؟

وكيف‭ ‬يتم‭ ‬سحب‭ ‬حصص‭ ‬من‭ ‬المخزونات‭ ‬المركزية‭ ‬قبل‭ ‬توزيعها‭ ‬على‭ ‬المرافق،‭ ‬ثم‭ ‬ظهوره‭ ‬في‭ ‬الصيدليات‭ ‬الخاصة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الجملة‭.‬؟؟؟

‭ ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬شراء‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬عبر‭ ‬وسطاء‭ ‬من‭ ‬مناقصات‭ ‬حكومية‭ ‬ثم‭ ‬إعادة‭ ‬بيعها‭.‬؟؟؟

وكيف‭ ‬يتم‭ ‬صرف‭ ‬أدوية‭ ‬بكمّيات‭ ‬محدودة‭ ‬لمستفيدين‭ ‬مقابل‭ ‬عمولات‭ ‬أو‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬شبكات‭ ‬توزيع‭ ‬خاصة‭ ‬؟؟‭.‬

‭ ‬وما‭ ‬مدى‭ ‬ثأثير‭  ‬النقص‭ ‬والتسرب‭ ‬على‭ ‬مرضى‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬بان‭ ‬هناك‭  ‬دراسات‭ ‬محلية‭ ‬حديثة‭ ‬تقارن‭ ‬الالتزام‭ ‬الدوائي‭ ‬بين‭ ‬القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬تشير‭ ‬صراحة‭  ‬إلى‭ ‬تفاوت‭ ‬مستويات‭ ‬الالتزام‭ ‬ونتائج‭ ‬سريرية‭ ‬أفضل‭ ‬أحيانًا‭ ‬لدى‭ ‬من‭ ‬يستطيعون‭ ‬شراء‭ ‬الدواء‭ ‬من‭ ‬الخاص،‭ ‬لكنه‭ ‬يضع‭ ‬عبئًا‭ ‬ماليًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬على‭ ‬الأسر‭. ‬دراسة‭ ‬مقارنة‭ ‬‮«‬2025‮»‬‭ ‬عن‭ ‬التزام‭ ‬مرضى‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬وجدت‭ ‬فروقًا‭ ‬في‭ ‬النتائج‭ ‬السريرية‭ ‬والالتزام‭ ‬بين‭ ‬المرافق‭ ‬الحكومية‭ ‬والخاصة‭.‬

فعندما‭ ‬يضطر‭ ‬المريض‭ ‬لشراء‭ ‬دواءه‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬عليه‭ ‬مجانًا‭ ‬أو‭ ‬مدعومًا‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬العام،‭ ‬تزيد‭ ‬التكلفة‭ ‬الشهرية‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬‭ ‬وهو‭ ‬عبء‭ ‬على‭ ‬فئات‭ ‬ذات‭ ‬دخل‭ ‬محدود‭. ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬بيانات‭ ‬وطنية‭ ‬حديثة‭ ‬منشورة‭ ‬تعبّر‭ ‬بدقّة‭ ‬عن‭ ‬متوسط‭ ‬الإنفاق‭ ‬الشهري‭ ‬لكل‭ ‬مريض‭ ‬مزمن،‭ ‬لكن‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬يعززان‭ ‬أثر‭ ‬تكلفة‭ ‬الشراء‭ ‬الخاص‭.‬

ولو‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬المخاطر‭ ‬الصحية‭ ‬والوبائية‭ ‬لانقطاع‭ ‬أدوية‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬‮«‬مثل‭ ‬الأنسولين‭ ‬أو‭ ‬أدوية‭ ‬ضغط‭ ‬الدم‮»‬‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬المضاعفات‭ ‬الحادة‭ ‬‮«‬أزمات‭ ‬قلبية،‭ ‬سكتات‭ ‬دماغية،‭ ‬اعتلال‭ ‬كلوي‮»‬،‭ ‬فإننا‭ ‬سنضطر‭ ‬الى‭ ‬الحديث‭  ‬عن‭ ‬ازدياد‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬أقسام‭ ‬الطوارئ‭ ‬والمستشفيات‭.  ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حذرت‭ ‬منه‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭  ‬من‭ ‬تفاقم‭ ‬الوضع‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬أعداد‭ ‬اللاجئين‭ ‬والنازحين‭ ‬والمهاجرين‭ ‬الذين‭ ‬يدخلون‭ ‬منظومة‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭.‬

في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬أعلنت‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬توافر‭ ‬أدوية‭ ‬سرطانية‭ ‬أو‭ ‬أدوية‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬مخازن‭ ‬معينة،‭ ‬لكن‭ ‬تقارير‭ ‬ميدانية‭ ‬ومنظمات‭ ‬دولية‭ ‬تعارض‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬العامة‭ ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬التوزيع‭ ‬والتوافر‭ ‬ليس‭ ‬متجانسًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المدن‭ ‬والريف‭. ‬هذا‭ ‬يخلق‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬تفاوت‭ ‬محلي‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬مريض‭ ‬السرطان‭ ‬دواءه‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬كبرى‭ ‬بينما‭ ‬ينقطع‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬أخرى‭.‬

فالعديد‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬يوصي‭ ‬بالاتى

1‭. ‬تعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬في‭ ‬الشراء‭ ‬والتوزيع‭: ‬نشر‭ ‬نتائج‭ ‬مناقصات‭ ‬جهاز‭ ‬الإمداد‭ ‬ومخزون‭ ‬الأدوية‭ ‬بشكل‭ ‬دوري‭ ‬وعلني‭.‬

2‭. ‬نظام‭ ‬رقابي‭ ‬وتتبع‭ ‬رقمي‭ ‬للمخزون‭: ‬اعتماد‭ ‬نظام‭ ‬تتبع‭ ‬‮«‬track-and-trace‮»‬‭ ‬للمستحضرات‭ ‬الدوائية‭ ‬يبدأ‭ ‬عند‭ ‬الاستيراد‭ ‬وينتهي‭ ‬بالصيدلية‭ ‬العامة،‭ ‬لتقليص‭ ‬احتمالات‭ ‬التسرب‭.‬

3‭. ‬تحسين‭ ‬تمويل‭ ‬شراء‭ ‬الأدوية‭ ‬الأساسية‭: ‬ربط‭ ‬مخصصات‭ ‬العملات‭ ‬الأجنبية‭ ‬للأدوية‭ ‬بالاحتياجات‭ ‬الفعلية‭ ‬وبآليات‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬مستقرة‭.‬

4‭. ‬حماية‭ ‬أدوية‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة‭: ‬إصدار‭ ‬قوائم‭ ‬أولوية‭ ‬‮«‬مثل‭ ‬أولوية‭ ‬للأنسولين‭ ‬وأدوية‭ ‬ضغط‭ ‬الدم‭ ‬والأدوية‭ ‬القلبية‮»‬‭ ‬مع‭ ‬آليات‭ ‬خاصة‭ ‬لضمان‭ ‬توفّرها‭ ‬دون‭ ‬انقطاع‭.‬

5‭. ‬مراقبة‭ ‬ومساءلة‭: ‬تفعيل‭ ‬هيئات‭ ‬رقابية‭ ‬مستقلة‭ ‬للتحقيق‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الفساد‭ ‬والتهريب‭ ‬وإحالة‭ ‬المتورطين‭ ‬للقضاء‭.‬

6‭. ‬دعم‭ ‬مرضى‭ ‬الفئات‭ ‬الضعيفة‭: ‬برامج‭ ‬دعم‭ ‬مالي‭ ‬أو‭ ‬قسائم‭ ‬دوائية‭ ‬للمرضى‭ ‬ذوي‭ ‬الدخل‭ ‬المحدود‭ ‬لضمان‭ ‬الالتزام‭ ‬العلاجي‭ ‬وتقليل‭ ‬اللجوء‭ ‬للسوق‭ ‬الخاص‭ ‬المكلف‭.‬

خاتما‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬بان‭  ‬ليبيا‭ ‬تواجه‭  ‬مشكلة‭ ‬مركّبة‭ ‬في‭ ‬إمدادات‭ ‬الدواء‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬تحديات‭ ‬لوجستية‭ ‬واقتصادية‭ ‬وحوكمة‭. ‬الحلّ‭ ‬يتطلب‭ ‬شفافية‭ ‬فورية‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬التوريد،‭ ‬حماية‭ ‬أدوية‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬كأولوية‭ ‬وطنية،‭ ‬وإصلاحات‭ ‬إدارية‭ ‬لوقف‭ ‬تسرب‭ ‬الأدوية‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الخاص‭. ‬تنفيذ‭ ‬سياسات‭ ‬مدروسة‭ ‬الآن‭ ‬سيحد‭ ‬من‭ ‬العبء‭ ‬الصحي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬المستقبلي‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬المضاعفات‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬عن‭ ‬انقطاع‭ ‬الأدوية‭.‬

ولكن‭ ‬و‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬اختلالات‭ ‬منظومة‭ ‬الإمداد‭ ‬الدوائي‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬تبدو‭ ‬أزمة‭ ‬الدواء‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬مما‭ ‬تبدو‭ ‬على‭ ‬السطح،‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬الأصناف‭ ‬أو‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬المخزون،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬تراكمات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬الإدارة،‭ ‬وضعف‭ ‬الرقابة،‭ ‬والانقسام‭ ‬المؤسسي،‭ ‬والضغوط‭ ‬الاقتصادية‭. ‬وقد‭ ‬انعكس‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬المريض‭ ‬الليبي،‭ ‬خاصة‭ ‬مرضى‭ ‬الأمراض‭ ‬المزمنة‭ ‬الذين‭ ‬أصبح‭ ‬حصولهم‭ ‬على‭ ‬علاجهم‭ ‬اليومي‭ ‬تحديًا‭ ‬يهدد‭ ‬صحتهم‭ ‬وسلامتهم‭. ‬ورغم‭ ‬الجهود‭ ‬الحكومية‭ ‬والمحلية‭ ‬والدولية‭ ‬لتخفيف‭ ‬الأزمة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬المستدام‭ ‬يتطلب‭ ‬إصلاحًا‭ ‬شاملًا‭ ‬يبدأ‭ ‬بالشفافية‭ ‬في‭ ‬الشراء‭ ‬والتوزيع،‭ ‬مرورًا‭ ‬بتفعيل‭ ‬الرقابة‭ ‬الصارمة‭ ‬على‭ ‬المخازن‭ ‬ومنع‭ ‬تسرب‭ ‬الأدوية‭ ‬إلى‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬نظام‭ ‬وطني‭ ‬حديث‭ ‬يضمن‭ ‬توافر‭ ‬الأدوية‭ ‬الأساسية‭ ‬بشكل‭ ‬عادل‭ ‬ومنتظم‭. ‬إن‭ ‬معالجة‭ ‬أزمة‭ ‬الدواء‭ ‬ليست‭ ‬خيارًا‭ ‬مؤجلًا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬عاجلة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الأرواح،‭ ‬واستعادة‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي،‭ ‬ووضع‭ ‬أسس‭ ‬متينة‭ ‬لنظام‭ ‬صحي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬ليبي‭ ‬دون‭ ‬استثناء‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى