
لم تعد منشورات الإعتزال التي يكتبها الفنانون عبر منصات التواصل الاجتماعي مجرد رغبة في الابتعاد عن الأضواء فحسب بل تحولتْ مؤخرًا إلى صرخة احتجاج ضمنية.. خلف كل قرار اعتزال توجد خيبة أمل و واقع فني يراه الكثيرون ليس على مايرام حيث يجد المبدع نفسه مضطرًا لترك الساحة التيأفنى فيها عمره بين غياب التقدير وضياع حقوق الملكية وشعوره بالتهميش.. يطرح هذا الاستطلاع تساؤلات عديدة منها ..
– ظاهرة إعلان الاعتزال عبر المنصات الرقمية ثم التراجع عنه هل هي صرخة احتجاج مشروعة لتصحيح المسار أم مجرد لحظة انفعال عابرة ؟
– كيف تفسرون سرعة العدول عن قرار الاعتزال؟ وهل ترون أن العودة السريعة تضعف هيبة القرار مستقبلاً، أم أنها تؤكد أن المبدع لا يتنفس إلا فناً؟
– هل تحول الوسط الفني اليوم إلى «بيئة طاردة» للمبدعين بدلا من احتضانهم؟
– إلى أي مدى يؤثر غياب التقدير الرسمي والمؤسسي على قرار الفنان بالبقاء أو الرحيل خاصة حين يرى تاريخه يُختزل في منشور عابر؟
– ما هي الضمانات التي يحتاجها الفنان اليوم حتى لا نرى زميلاً آخر يعلن اعتزاله غدا؟
– لو ضعت يوماً أمام تجاهل تام لتاريخك وعطائك.. هل سيكون الاعتزال هو ردك الأول أم ستختار المواجهة بالفن؟
الفلاح.. الفن الجاد فن مقاوم والاعتزال الحقيقي فعل لا إعلان
يرى الكاتب والمخرج المسرحي علي الفلاح أن ظاهرة الإعلان عن الاعتزال التي يعلن عنها بعض الفنانين ، بقدر ما هي احتجاج على واقع ما أو ممارسة غير مشروعة تستهدف الفنان وعمله الفني فهي أيضا صادرة في أغلب الأحيان عن لحظة غضب وانفعال لحظي تعبيرا عن رفض وأحتجاج في الوقت نفسه .. وعن عدول بعض الفنانين عن قرار الإعتزال قال… (العودة السريعة عن قرارات الاعتزال تؤكد ما قلته كون هذه القرارات مأخوذة بتسرع في لحظة غضب وردة فعل غير مبنية على وعي و أنحياز مدروس
وبكل تأكيد تكرار مثل هذا التراجع السريع مهما كانت مبررات الرجوع يجعلها تفقد مصداقيتها ويضعف موقف أصحابها ويجعل التمادي في الاعتداء على الفنان وعمله فعلا هينا ويمكن أن يتكرر دائما .. ويضيف :لا أعتقد أن الوسط الفني تحول إلى بيئة طاردة بقدر لأنه لم يكن يوما بيئة جاذبة ، فالفن في هذه البلاد كان ولا يزال يعاني من صعوبات متنوعة على أكثر من مستوى ( أجتماعي ، سياسي ، رسمي ) لم يكن المجال الفني مفروشا بالورود على مدى تاريخه في ليبيا ومع هذا يجدر التنويه أن ممارسة الفنون في ليبيا كانت دائما ( أختيار دون مغريات كبيرة ) هذا الأختيار يعد بمعنى أو آخر موقف ذاتي خالي من المغريات الكبيرة يحمل صيغ المواجهة الاجتماعية وأغلب من توجه لممارسة الفن بدافع الكسب المادي أو الشهرة سيسيطر عليه هاجس التهميش والإهمال والأحساس بالاضطهاد وبأنه ضحية على الدوام ولذا أغلبهم يفضلون الانسحاب لعدم تحقق الأهداف الذاتية .
وواصل الفلاح :بكل تأكيد الإهمال والتهميش الرسمي من قبل الدولة وغياب تحديد مسؤولياتها عن الفنون والآداب أدى إلى حالة من الإحباط والتوهان لكثير من المواهب الخلاقة وكذلك بعض الفنانين من أصحاب التجارب الفنية المميزة مما جعل الانسحاب قرارا يرونه موضوعيا ..وبخصوص الضمانات التي تحد من ظاهرة الاعتزال يعتقد الفلاح أن ملخصها باختصار شديد جدا في إحترام الفنان وعمله ورسم مشروع وطني للفنون والآداب يحدد مسؤوليات الدولة وعلاقتها بالفنون والآداب وإيمانها بأن الفنانين والأدباء هم حماة الهوية وحراس الذاكرة ، مشروع ينهض بالفنون ويرتقي بها من مجرد ترف أو كماليات لا لزوم لها إلى تحققها كضرورة لا أستغناء عنها وخيار مصيري ، مشروع شامل يغير كثيرا من المفاهيم والممارسات السائدة ويعطي براحا أوسع لحرية التعبير الفني ويحمي أستقلالية الفنان كونه ضميرا لوطن مأزوم .
ويخلص الفلاح إلى أن تجاهل التاريخ والعطاء ويضاف أيضا المصادرة والتضييق في حريات التعبير كانت دائما حاضرة في مسيرة الفنان الليبي صاحب التوجه الفكري والجمالي المشاكس والطامح للتغيير ومع هذا لا يفكر المرء في الإعلان عن الاعتزال لأني كما أسلفت الفن إختيار ذاتي وليس جبريا هذا من جهة ومن جهة أخرى الفن الجاد والطامح لخلق وعي مغاير هو بالضرورة فن مقاوم معرفيا وجماليا ، ثم مع تقديري للجميع الاعتزال قرار فردي جديته في الفعل أكثر من الإعلان عنه فكم من فنان اعتزل ممارسة الفن تماما دون أن يعلن عن ذلك .
أبو رواق: الإعتزال قرار لحظة زعل..
من جهته يؤكد الفنان المسرحي أمين أبورواق أن الفنان قبل كل شيء إنسان وإنسان حساس جداً وعندما يساء إليه أو يساء فهمه ، فإنه يصاب بخيبة أمل كبيرة لأنه في ذلك الوقت يسترجع بسرعة عجيبة في ذهنه كل إنجازاته في تاريخه الفني ويتألم بأن تكون خاتمته هكذا كما يظن وينفعل ويصدر قراراً وهو في حالة من الغضب او الزعل إن صح التعبير ومن دون تركيز ناسياً شيئاً مهما وهو أنه ليس ملكاً لنفسه .. وطبيعي أن ترك مجاله وهوايته وجمهوره ليس بالأمر الهين..
هنا وتحت ضغوط جمهوره من معجبيه ومحبيه تبدأ الامور تهدأ لديه رويداً رويداً فكل فنان له ترِكة إبداعية لا يمكن الاستغناء او التنازل عنها بسهولة لذا وهذا رأيي أن يتريث كل مبدع قبل إصداره اي قرار لأن الامر كما قلنا ليس بيده وحده .. فلكل نجم عشاق ليس من السهولة تخلي كل طرف منهم عن الاخر.
العبيدي: الإعتزال لحظة و الأثر بقاء
يخبرنا ربيع العبيدي كاتب و ممثل مسرحي ..
أنه لا يرى الاعتزال نزوة عابرة بل ورقة أخيرة يلوّح بها فنان أنهكه الصمت حين تضيق المسارح وتتسع الخيبات يصبح الاعتزال بيان غضب لا رغبة في الاختفاء إنما محاولة أخيرة ليُسمَع الصوت قبل أن يختنق.
فالفنان قد يعتزل الناس لكنه لا يستطيع أن يعتزل نفسه يعود سريعاً لأن الفن يسكنه كقدر لا كمهنة العودة ليست ضعفاً بل اعتراف بأنه خُلق ليقول شيئاً حتى لو لم يُصغِ أحد.
أحياناً أشعر أن الوسط الفني أصبح محطة انتظار طويلة بلا قطار..
التهميش المادي يتعب الجيب لكن التهميش المعنوي يكسر القلب حين يتحول الإبداع إلى معركة لإثبات الوجود، يفكر الفنان في الانسحاب لا لأنه يريد الرحيل بل لأنه سئم الطرق على أبواب مغلقة. فعندما يُختزل تاريخك في منشور عابر تشعر أن سنواتك كانت هامشاً في دفتر أحدهم التقدير ليس درعاً يُعلّق على الجدار بل شعور داخلي بأن وطنك يرى تعبك وحين يغيب هذا الشعور يتسلل الصمت إلى روحك. …
نحتاج عدالة حقيقية لا مجاملات نحتاج مؤسسات تحمي الفنان الليبي كما تحمي الحدود نحتاج مساحة نحلم فيها بلا خوف ونعمل فيها بلا وساطة الفنان لا يطلب صدقة هو يبحث عن فرصة عادلة ليعيش بخير.
ربما أحزن ربما أغضب، لكنَّني لن أختار الصمت طويلاً سأواجه بالفن لأن العمل الصادق أبقى من كل تجاهل الاعتزال لحظة، أما الأثر فبقاء.



