
في شهر رمضان تمتلئ الموائد بأصنافٍ متعدَّدة من المؤكلات لكن خلف هذه الصورة المشرقة، تتراكم يوميًا كميات كبيرة من الطعام في حاويات النفايات. المشهد يتناقض مع روح الشهر التي تدعو إلى الاعتدال .
ظاهرة إهدار الطعام في رمضان ليستْ بالجديدة على مجتمعنا ولم تعد سلوكًا فرديًا عابرًا ، بل أصبحتْ قضية مجتمعية لها أبعاد اقتصادية وبيئية وأخلاقية، خصوصًا في ظل وجود أسر تعاني من نقص الغذاء.
هذا الاستطلاع يرصد حجم المشكلة، ويستمع إلى آراء المواطنين وخبراء التغذية، والرأي الديني حول أسبابها، كما يبحث في الحلول المَّمكنة لنشر ثقافة الاستهلاك .
السؤال .. هل يتبقى لديكم طعام بعد الإفطار؟، وكيف يتم التصرف به؟
سؤال بسيط وفي الوقت نفسه عميق .. وطرحناه مباشرة على المعنيين
عثمان الطاهر – فزان :
المشكلة تكمن في الفجوة بين الأب من ناحية، وبين متطلبات الأسرة خاصة الأم والبنات، فرغم قلة موارد وإمكانات الأول، يصر الطرف الثاني على الإفراط ، الأسبابُ كثيرة قديمة وحديثة، ولعل آخرها دخول التصوير، والنشر عبر وسائل التواصل لعرض تلك الموائد على عاداتنا، نحن في الجنوب لا نعطي الفائض من الطعام للمحتاجين والعمالة الوافدة «عندنا عيب» لكن مخصصين ثلاثة مواقع لموائد الرحمن، يسهم الأهالي فيها كلٌ حسب قدرته ويستفيد أكثر من 120 شخصًا من هذه الموائد، وهذا لا يلغي التبذير في البيوت، فاللأسف كل بقايا الطعام تذهب إلى مكب القمامة، والأكياس السوادء.
آمال شلابي – طرابلس :
تتعامل العائلاتُ مع الأكل الفائض عن الحاجة في رمضان بطرق مختلفة، بعضهم يعمد يتصرف بتوزيع الطعام الفائض على الأسر المحتاجة، خاصة في المناطق الفقيرة.
عائلات أخرى تتبادل الطعام «ذوقة» مع جيرانها، مما يعزَّز الروابط الاجتماعية.
عائلات أخرى تحفظ الطعام الفائض في الثلاجة، أو الفريزر لإعادة استخدامه في وقت لاحق .. كما يمكن استخدام الطعام الفائض لإعداد وجبات جديدة، وإذا أمكن يتم التبرع بالطعام الفائض للجمعيات الخيرية، التي تقوم بتوزيعه على المحتاجين.
هذه الطرق تساعد في تقليل الهدر الغذائي، وتعزيز التكافل الاجتماعي في المجتمع الليبي خلال شهر رمضان..
رمضان أغالي – غات :
نرى خلال الشهر الكريم أعدادًا الكثير من الأصناف من المأكولات، تقضي ربة البيت ساعاتٍ طويلة لتجهيزها في المطبخ حتى ترضي أفراد العائلة ، وينتج عن هذا أن يتبقى الكثير من الطعام في وقت يحتاج البعض لهذا الفائض .
عواطف كامل كعال – الجميل :
الأكل الزايد عن الحاجة نستطيع أن نطعمه للصغار ثاني يوم، والبعض يقوم بتسخينه ويقدمة مع الفطور ، والبعض يعطيه للحيوانات مثل الدجاج، والبقايا للأسف توضع أكياس القمامة الإفراط وتعدَّد الأصناف تبذير زايد.
الجانب الصحي
قالت دكتورة – دانية أبو شريدة – اختصاصية أمراض سكري وتغذية علاجية، ورئيس وحدة الغدد الصماء والسكري مستشفى امعتيقة :
الإفراط والخطر الصحي
يأتي شهر رمضان حاملًا معه أجواءً روحانية مميزة، واجتماعات عائلية دافئة، ومائدة عامرة بأصناف متعدَّدة من الطعام. لكن للأسف، يتحوَّل الإفطارُ عند كثير من النّاس من لحظة كسر للصيام بهدوء وتدرّج، إلى وجبة كبيرة ومفاجئة تُرهق الجسم بدل أن تغذّيه بعد ساعات طويلة من الصيام يكون الجسم في حالة هدوء نسبي وقد أنخفض مستوى السكر في الدم تدريجيًا، وعند تناول كميات كبيرة دفعة واحدة خاصة الأطعمة الغنية بالنشويات والسكريات والدهون يحدث ارتفاع سريع في مستوى السكر يرافقه شعورُ بالخمول، وثقل المعدة، والانتفاخ وأحيانًا الصداع واضطراب الهضم.
ماذا يحدث داخل الجسم عند الإفطار المفرط ..؟
اجابتْ د . دانية : يرتفع سكر الدم بسرعة كبيرة عند حدوث ذلك ويفرز الجسم كميات أعلى من «الإنسولين» لمحاولة إعادة التوازن تتجه السعرات الزائدة إلى التخزين على شكل دهون ويزداد العبء على المعدة والجهاز الهضمي. هذا النمط المتكرَّر يوميًا خلال رمضان قد يؤدي إلى: زيادة الوزن، صعوبة في ضبط مستوى السكر لدى مرضى السكري، اضطرابات هضمية متكرَّرة، ارتفاع ضغط الدم لدى البعض، تفاقم مقاومة «الإنسولين».
رمضان ليس لزيادة الوزن
اضافتْ د. دانية : المفارقة أن الصيام المفترض أن يكون فرصة لإعادة تنظيم العادات الغذائية، وتحسين الصحة، لكن الإفراط في تناول الحلويات والمشروبات السكرية يحوَّل هذه الفرصة إلى عبء صحي.
تشير إلى أن عددًا كبيرًا من الأشخاص يكتسبون عدة كيلوغرامات خلال رمضان، بدل أن يفقدوا الوزن، أو يحافظوا عليه.
كيف نجعل إفطارنا صحيًا ومتوازنًا ..؟
واجابتْ عن هذا السؤال بقولها : الأمرُ لا يحتاج إلى حرمان، بل إلى وعي وتنظيم وما يسمي بالتغذية الذكية البدء بتمرة، أو تمرتين مع الماء. بعد ذلك الذهاب للصلاة يعطي الجهاز الهضمي وقت للتجهيز، واستقبال الوجبة الرئيسة.
البداية بصحن الشوربة، جعل طبق الخضار حاضرًا كل يوم في المائدة لما يحتويه من ألياف، وفيتامينات مهمة تقليل كمية الأرز والخبز تجنب الإفراط في الحلويات، وجعلها بكمية صغيرة، وغير يومية وتكون بعد الوجبة الرئيسة
الأكل ببطء لمنح الجسم فرصة الإحساس بالشبع.
رسالة مهمة
الصيام عبادة تهذب النفس والجسد معًا، والمائدة الرمضانية ينبغي أن تكون وسيلة للتوازن لا سببًا في الإرهاق الصحي.
الاعتدال في الطعام لا يحرمنا متعة الإفطار، بل يحفظ صحتنا لنستمتع بروحانية الشهر دون تعب، أو مضاعفات.
رمضان فرصة لإعادة ضبط علاقتنا بالطعام..فلنجعله بداية لعادات صحية تدوم بعد انتهاء الشهر الكريم دون إسراف .
رمضان وحقيقته
وعن السوال نفسه عن الافراط والتبذير في هذا الشهر اجابنا الشيخ – عبداللطيف مهلهل :
مسألة الإسراف مشكلة كبرى في بلادنا، والتهافت على شراء المواد الغذائية يزيد في أسعارها، لأن القاعدة تنص على أنه كلما زاد الطلب نقص العرض، ثم أن هذه المواد ستلقى في القمامة وستكون عبئاً على اقتصادنا من جهة، وتلوث للبيئة من جهة أخرى، ودائماً ما أقول لو إن هذه القمامة جمعتْ لكفتْ الجياع على مستوى العالم الإسلامي، وعلى مستوى العالم.
الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز )وكلوا وأشربوا ولا تسرفوا(.
رمضان في حقيقته هو أن يكون اقتصادنا قوياً متيناً ولا نكثر في موائدنا، وأن ننظر إلى الأقل منّا شأناً ، يفترض ان نكتفي بوجبة واحدة على الإفطار، والسحور خفيف، ولكن نحن نجعل من رمضان وجبات كثيرة، ونُقبل على الإسراف فيه أكثر من أيام الشهور الأخرى أتذكر طرفة قلتها في إحدى أسفاري )زينوا أجسادكم في أول يوم رمضان وآخر يوم(.
إذا زاد وزنكم فأنتم لم تصوموا.
في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابه لم يكونوا مسرفين إنما كانوا يفتشون على الفقراء أكثر من أن يطعموا أجسادهم.
ويتابع الشيخ قوله : الإسراف أصبح كارثةً في هذه البلاد الطيبات ليس معناها الانغماس فيها، وأن نفرط في الاستهلاك بشكل ينعكس على البيئة افساداً وثلوثاً، بهذا الإسراف يتحاول رمضان لشهر الشهوة ولهذا مطلوب الحكمة في الاقتصاد ولعل العببء الذي نفرضه على دولنا سببه الإسراف.
نسأل الله أن يهدينا ونسأل الله أن يتقبل عباداتنا وأن يجعل عملنا خالصاً لوجه الكريم ..
م. زهور الترهوني مدير مكتب الاحصاء و البيانات ببلدية طرابلس المركز :
بخصوص تعدد المأكولات في شهر رمضان مغاير عن باقي الشهور في السنة أغلب الدول العربية والإسلامية تسرف في كميات الأكل بشكل كبير جداً وذلك لعدة أسباب منها:
العروض التجارية التي تحفز المستهلك على الشراء ، كذلك ربة البيت تخاف من نقص الأكل بحجة إنه لا يكفي العائلة ويكون مصيره الإتلاف ونحن ليس لنا دارية كافية بكيفية استغلال الفائض من الطعام، الآثار السلبية للهدر يرجع تأثيره السلبي على رب الأسرة بالإضافة قضاء المرأة ساعات طويلة في تجهيز الطعام يسبب هدرًا للماء، والكهرباء بالاضافة للجهد المبذول.
وأضافتْ : هذا الهدر يسبب ثقلًا على الدولة من حجم النفايات ومنها إلى شركات النظافة ويكون حجم الميزانية عاليًا وثقلًا على البلديات، وعن كيفية استغلال الفائض من تلك الأطعمة يمكن حفظها واستغلالها ثاني يوم أو إعادة تدويره، على مستوى البلديات لديها مسؤولية يمكن التنسيق مع المطاعم وشركات التموينية بجمع الفائض وتوزيعه على المحتاجين كما يمكن التنسيق مع مخاتير المحلات لأنهم أقرب للناس لمعرفة العائلات الأكثر احتياجًا، كما يمكن إجراء دراسات بالخصوص، وتسجيل الفائض خلال شهر رمضان وإصدار التقارير بهذا الصدَّد ومقارنتها مع السنوات السابقة .
الخاتمة
كم طبق يُلقى في سلة المهملات بعد أذان المغرب؟، وكم وجبة كان يمكن أن تطعم أسرة محتاجة بدلًا من أن يكون مصيرها مكب النفايات؟
سؤال يظل مطروحاً حتى نصل إلى ثقافة معتدلة لهذا الافراط والتفريط في قيمة الغذاء .
بالرغم من كل هذا يبقى رمضان شهر البركة والعطاء، لكن البركة لا تقاس بكثرة الأصناف، بل بحسن التدبير، وبين موائد عامرة وأكياس ممتلئة بالفائض. تتجدد الحاجة إلى مراجعة سلوكنا الاستهلاكي.



