
طوال هذه الفترة من عمر الرواية الليبية، هل كانتْ معبرة عن التحولات الاجتماعية والسياسية وغيرها التي شهدتها البلاد، بشكل كافٍ؟.
إذا سلّمنا بأن أقدم نص روائي ليبي يعود إلى سنة 1957، فإن الرواية الليبية تكون قد جاءتْ متأخرة نسبيًا عن نظيراتها في مصر وبلاد الشام. غير أن هذا التأخر الزمني لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي الذي وُلدتْ فيه الدولة الليبية الحديثة. فهذه السنة ذات دلالة رمزية خاصة؛ إذ تأتي بعد نحو عشر سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية، وسبع سنوات من الاستقلال، وبناء أول كيان سياسي ليبي حديث، وخمس سنوات من قيام ثورة يوليو في مصر وصعود الخطاب القومي العربي، وسنة واحدة بعد العدوان الثلاثي على مصر، إضافة إلى ما يقارب عقدًا من اغتصاب فلسطين. وهي أحداث كبرى شكّلتْ الهمّ العام للمثقف العربي، ومن ضمنه المثقف الليبي.
في هذا المناخ، كتب محمد فريد سيالة روايته )وتغيرت الحياة(، أو )اعترافات إنسان(، معلنًا من خلالها ميلاد الرواية الليبية، ومُعلنًا – بشكل غير مباشر – ولادة المجتمع المديني في ليبيا.
ويتقاطع هذا المعنى مع صدور أول سيرة ذاتية ليبية لعبدالله القويري )الوقدات(، التي كُتبتْ من موقع المثقف العائد من المهجر المصري إلى وطن لم يكتمل مشروع حداثته بعد.
والعودة إلى هذين النصين تكشف بوضوح أن المثقف الليبي في تلك المرحلة لم يكن يرى مجتمعه بعين الواقع بقدر ما كان يراه بعين المثال، أما المجتمع الليبي، فلم يدخل الحداثة إلا قسرًا مع الاحتلال الإيطالي، وهو احتلال لم ينشغل بإحداث تحوَّل ثقافي عميق كما فعل الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتونس ولبنان، بل ترك الليبيين إلى حد بعيد أسرى نمط عيشهم التقليدي والمحافظ. لذلك يبرز سؤال جوهري: لمن كان يكتب سيالة عن الوجودية، والتحرّر الفردي؟ ومن هي القاعدة الاجتماعية القادرة على تلقي هذا الخطاب والاستجابة له؟.
وبالتالي فإن السؤال عن كفاية تعبير الرواية الليبية عن التحولات ينبغي أن يُجاب عليه بحذر: نعم، عبّرتْ الرواية عن تحولات متخيَّلة ومأمولة، لكنها لم تكن قادرة – في بداياتها – على تمثيل التحولات الواقعية تمثيلًا عميقًا، لأن هذه التحولات نفسها كانت لا تزال جنينية، أو مؤجلة.
كأستاذ جامعي ومشرف على الكثير من رسائل الماجستير، والدكتوراة
هل لاحظتَ ميلاً للتطرق إلى الرواية الليبية؟، وما الانساق التي تم بها دراسة السردي الروائي؟
يمكن القول إن ثمة اتجاهًا متناميًا في السنوات الأخيرة للاشتغال الأكاديمي على الرواية الليبية، خصوصًا في رسائل الماجستير والدكتوراه. غير أن هذا التنامي لا يعكس بالضرورة وعيًا نقديًا حقيقيًا أو تحوّلًا عميقًا في اهتمامات الدرس الأدبي، بقدر ما يعكس استجابة لمتطلبات العمل الأكاديمي نفسه، وما يفرضه من إنجاز بحوث ورسائل ضمن أطر زمنية ومؤسساتية محددة.
ففي كثيرٍ من الحالات، تأتي دراسة الرواية الليبية بوصفها موضوعًا متاحًا أكثر منها خيارًا نابعًا من شغف معرفي أو مشروع نقدي واضح. ولولا وجود برامج الدراسات العليا، ومتطلبات الترقية والبحث العلمي، لكان حضور الرواية الليبية في الكتابة النقدية أضيق بكثير. ويلاحظ أن عددًا من الباحثين يتجهون إلى اقتراح دراسة ظاهرة، أو شكالية في الرواية الليبية دون أن يكونوا مزوّدين بمخزون قرائي كافٍ، لا في السرد الليبي، ولا حتى في السرد العربي عامة.
وقد واجهتُ من موقعي كمشرف أكاديمي، حالات لباحثين لم يكوّنوا علاقة قرائية حقيقية مع الفن الروائي، بل إن بعضهم لم يقرأ في حياته عملًا سرديًا عربيًا، أو ليبيًا قراءة واعية ومنتظمة. وهو ما ينعكس مباشرة على طبيعة الأسئلة المطروحة، وعلى هشاشة الإطار النظري، وعلى الطابع الوصفي، أو الإجرائي البارد الذي يطغى على كثير من هذه الدراسات.
أما على مستوى الأنساق النقدية المعتمدة، فيمكن القول إن الغالب هو اللجوء إلى المناهج الجاهزة: البنيوية، والسيميائية، والسرديات الكلاسيكية، أو ما يُعرف أحيانًا بالتطبيق الآلي للنظريات.
ونادرًا ما نجد دراسات تحاول مقاربة الرواية الليبية ضمن أسئلة كبرى تتعلق بالتحول الاجتماعي، أو تشكل الوعي، أو العلاقة بين الأدب والتاريخ، أو إشكالية الحداثة المتعثرة. كما أن الجرأة في مساءلة النصوص المؤسسة، أو إعادة تقييم المدونة الروائية الليبية، لا تزال محدودة، بسبب هيمنة النزعة التوثيقية أو الحذر الأكاديمي.
من هنا، يمكن القول إن حضور الرواية الليبية في الدراسات العليا هو حضور كمي أكثر منه نوعي.
ما بين النقد الانطباعي الاستسهالي والاكاديمي الجامد هل يمكن أن يكون هناك نقد ثالث؟، وألا ترى أن الحركة النقدية للرواية شبه غائبة؟ .
بين النقد الانطباعي الاستسهالي، الذي يكتفي بالأذواق الشخصية والانفعالات العابرة، والنقد الأكاديمي الجامد، الذي يغرق في المصطلح ويحوّل النص إلى ذريعة لتطبيق المنهج، يظل السؤال عن إمكان قيام نقد ثالث سؤالًا مشروعًا وملحًّا. بل يمكن القول إن هذا النقد الثالث ليس فقط ممكنًا، بل هو ضرورة ثقافية إذا أُريد للحياة الأدبية أن تكون فاعلة ومؤثرة.
هذا النقد المنشود هو نقد وسيط، لا يتخلى عن المعرفة النظرية ولا يستقيل من متعة القراءة، نقد يجمع بين الحس الجمالي والصرامة الفكرية، ويقرأ النص بوصفه بنية فنية من جهة، وخطابًا ثقافيًا واجتماعيًا من جهة أخرى. هو نقد لا يعادي المنهج، لكنه لا يقدّسه، ولا يحوّل الرواية إلى جثة على طاولة التشريح الأكاديمي، كما لا يختزلها في انطباع ذوقي أو موقف أخلاقي.
غير أن الإشكال لا يكمن في غياب هذا النموذج نظريًا، بل في ضعف حامليه ومؤسساته عمليًا.
ويُضاف إلى ذلك أن الناقد، في السياق الليبي والعربي عمومًا، يعاني عزلة مزدوجة: عزلة عن القارئ العام بسبب اللغة الاصطلاحية المعقدة، وعزلة عن المبدع بسبب غياب الحوار الحقيقي. فلا تتشكل سجالات نقدية ولا تتراكم تقاليد قراءة، بل يظل كل نص معزولًا، وكل قراءة حدثًا فرديًا عابرًا.
إن غياب النقد الثالث مرتبط أيضًا بغياب الناقد المثقف، لا الناقد التقني فقط. أي الناقد الذي يمتلك رصيدًا قرائيًا واسعًا، ومعرفة بالسرديات، وإلمامًا بالتاريخ الاجتماعي والفكري، وقدرة على الكتابة بلغة واضحة
من هنا يمكن القول إن أزمة النقد ليست في تعدد المناهج، بل في غياب الرؤية. فالنقد الثالث لا يُبنى بإعلان القطيعة مع الأكاديمية ولا بالاستخفاف بها، بل بتجاوزها من الداخل،.
إلى أن يتحقق ذلك، ستظل الحركة النقدية للرواية محدودة التأثير، وستبقى المسافة واسعة بين النصوص الإبداعية وبين قراءتها قراءة عميقة، قادرة على الإضاءة والمساءلة، لا على الوصف أو الإدانة فقط.
وصلت أسماء قليلة جدًا إلى العالمية، لماذ نلاحظ صعوبة وصول الروايةالليبيةإلى العالمية؟.
غالبًا ما يُطرح سؤال غياب الرواية الليبية عن العالمية بوصفه سؤالًا عن الترجمة، أو التسويق، أو ضعف الحضور في المحافل الدولية. غير أن هذا السؤال، في تقديري، يفترض نتيجة قبل التحقق من مقدماتها. إذ ربما كان الأجدر أن نطرح سؤالًا سابقًا وأكثر جذرية: هل وصلت الرواية الليبية، على المستوى الداخلي، إلى مرحلة النضج التي تفرز كتّابًا كبارًا يمكن الحديث عن عالميتهم؟
فالعالمية، في جوهرها، ليست حدثًا خارجيًا مفاجئًا، ولا ثمرة جهد مؤسساتي فقط، بل هي تتويج لمسار طويل من التراكم الإبداعي والنقدي، ونتيجة لاعتراف محلي وعربي راسخ بقيمة التجربة. ولا يمكن القفز إلى سؤال العالمية في غياب مشروع روائي وطني واضح، أي في غياب إجماع – أو حتى جدل نقدي منتج – حول أسماء وتجارب كبرى شكّلت منعطفات فنية وفكرية.
إن الروايات التي تصل إلى العالمية لا تفعل ذلك لأنها محلية فحسب، بل لأنها نجحت في تحويل المحلي إلى كوني.
في الحالة الليبية، ما زال المشهد الروائي يعاني من ضعف التراكم، وهشاشة النقد، وغياب الفرز الحقيقي بين التجارب. فغالبًا ما تُسوّى النصوص بعضها ببعض، ويُحتفى بالكمّ أكثر من الكيف، في ظل غياب مؤسسات نقدية فاعلة قادرة على إنتاج القيمة، لا مجرد الإعلان عنها.
ولا يعني ذلك إنكار وجود تجارب لافتة أو نصوص جديرة بالاهتمام، لكن هذه التجارب لم تُقرأ بعد قراءة معمقة، ولم تُوضع ضمن سياق تطور الرواية الليبية، ولم تخضع لاختبار الزمن والنقد. فالعالمية لا تصنعها الترجمة وحدها، بل تصنعها القيمة الجمالية والفكرية
من هنا، يمكن القول إن صعوبة وصول الرواية الليبية إلى العالمية ليست أزمة تواصل مع الخارج بقدر ما هي أزمة بناء في الداخل. أزمة تتعلق بتأخر تشكل تقاليد روائية راسخة، وبضعف النقد،
غياب الجسد واضح في السردي الروائي الليبي
هل الحكم الأخلاقي لازال مسيطرًا على كتاب الرواية؟
يبدو غياب الجسد أو حضوره الخجول في السرد الروائي الليبي أمرًا طبيعيًا إذا ما وُضع في سياقه الثقافي والاجتماعي الأوسع. فنحن إزاء مجتمع لم يمر بمشروع نهضوي حقيقي يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والجسد، وبين الخاص والعام، وبين الأخلاق بوصفها منظومة اجتماعية، والأدب بوصفه فضاءً للحرية والتخييل. وفي غياب هذا المشروع، تظل الثقافة الدينية – كما وصفها الراحل خليفة التليسي – هي الإطار الغالب الذي يشكّل الوعي الجمعي وحدود المقبول والمرفوض
ولعل تتبع تمثلات الجسد في الأدب الليبي يكشف أن الإشكال ليس وليد السرد الحديث وحده، بل هو ممتد في تاريخ الكتابة الأدبية نفسها. ويمكن العودة، على سبيل المثال، إلى ديوان مصطفى بن زكري، أحد أقدم الدواوين الليبية، وما أُنجز حوله من قراءات نقدية تفصل بينها نحو ثلاثة عقود: الأولى للراحل علي مصطفى المصراتي، والثانية للراحل الدكتور محمد مسعود جبران. فكلا الدراستين، على اختلاف منهجيهما، انشغلتا بتبرير بعض النصوص ذات الطبيعة الغزلية الخاصة، أو على الأقل بتطويقها تأويليًا، بما يخفف من حدّتها الدلالية.
وإذا انتقلنا إلى السرد الروائي الحديث، نجد أن هذه الحساسية لم تتبدد كثيرًا. فالضجة التي أُثيرت حول كتاب : (شمس على نوافذ مغلقة)، وما رافقها من تركيز شبه حصري على ثيمة الجسد، تكشف أن الحكم الأخلاقي لا يزال حاضرًا بقوة، لا في تلقي النصوص فحسب، بل في توجيه النقاش حولها.
إن غياب الجسد في الرواية الليبية، أو حضوره المتوتر، ليس بالضرورة خيارًا جماليًا واعيًا لدى الروائي، بقدر ما هو انعكاس لرقابة مزدوجة: رقابة المجتمع، ورقابة الكاتب على ذاته. فالجسد، في مثل هذا السياق، لا يُنظر إليه بوصفه حقلًا للمعنى أو تجربة إنسانية مركبة، بل بوصفه منطقة محرّمة أو ملتبسة، تستدعي التبرير أو الحذف.
من هنا يمكن القول إن الحكم الأخلاقي لا يزال فاعلًا، وإنْ بأشكال متفاوتة، في كتابة الرواية وتلقيها. وتجاوز هذا الوضع لا يرتبط فقط بجرأة الكتّاب، بل بتغير أعمق في البنية الثقافية، وبنشوء نقد قادر على قراءة الجسد بوصفه خطابًا ثقافيًا وجماليًا، لا مادة للاتهام أو الاستفزاز. فحين يتحرر الأدب من هاجس التبرير، ويُقرأ بعيدًا عن منطق الوصاية الأخلاقية، يمكن للجسد أن يعود إلى مكانه الطبيعي: جزءًا من التجربة الإنسانية، لا استثناءً منها.
ألا تحس أن معظم من يكتبون في الرواية يدورون في حلقة متشابهة من المواضيع والتناول المتشابه؟
الجواب الصريح هو نعم، وهذا ليس صدفة ولا مجرد خيار فني، بل انعكاس حقيقي لخلل مزدوج: اجتماعي ونقدي. من الناحية الاجتماعية، يعيش المجتمع الليبي، رغم تنوعه الجغرافي والعرقي – أمازيغ، عرب، تبو، طوارق – همومًا متقاربة جدًا، والماضي والحاضر متشابهان في التجربة الإنسانية اليومية. الفوارق الشكلية، مثل لون البشرة أو لهجة معينة، لا تُنتج اختلافًا موضوعيًا يمكن أن يغذي السرد بروح جديدة، بينما التمايز التقليدي بين القرية والمدينة أو بين البدو والحضر يكاد أن يندثر، فلا يترك أثرًا في بنية التجربة الروائية.
لكن ما يزيد الأزمة وضوحًا هو البعد النقدي: كثير من الكتاب يتحركون داخل دائرة مغلقة من الموضوعات والأساليب والنتيجة: نصوص تتكرر، نفس الثيمات تتكرر، وكل محاولة للتجاوز تواجه إما عدم فهم أو رفض ضمني بسبب غياب الثقافة النقدية القادرة على احتضان التجديد.
وبعبارة أخرى، التشابه في الرواية الليبية ليس مجرد انعكاس لمجتمع متجانس، بل هو أيضًا انعكاس لخلل نقدي: فغياب النقد العميق يجعل كل نص يطفو على سطح التجربة الروائية دون مساءلة، بينما المجتمع نفسه لم يفرز حتى الآن اختلافات صعبة يمكن استثمارها في النص، أو أسماء كبيرة يمكن أن تكون محركًا للتجديد.
هل استطاعت الرواية الليبية أن تكون معبرة عن «الآخر» وأن تجيب عن أسئلة اليومي والمعاش والمتخيل، وأسئلة الهوية والمكان والزمان والتاريخ؟
أولاً، لنحدد المقصود بالآخر. إذا كان المقصود به الأجنبي أو الغرب، فإن الرواية الليبية قدمت بالفعل تصورات عن الآخر، لكنها غالبًا ما كانت تصورات محدودة أو نمطية. وفي تقديري، هذه الرؤية محكومة بعاملين رئيسيين: الأول هو السياق ما بعد الكولونيالي، الذي يضع الكاتب الليبي أمام صراع مزدوج بين الهوية المحلية والانفتاح على الخارج؛ والثاني هو الرغبة في تقديم عوالم غربية مستمدة غالبًا من تصورات نمطية أو من تجارب سطحية، أحيانًا من خلال رحلات قصيرة، وأحيانًا عبر ما استقاها الكاتب من أفلام أو روايات أو صور صدمة الشرقي بالغرب.
وهكذا، فإن حضور الآخر في الرواية الليبية لا يُعالج بعين ملاحظة نقدية معمقة، بل يُقدّم أحيانًا بوصفه خلفية لتأكيد هوية الذات.
أما بالنسبة لمسائل اليومي والمعاش والمتخيل، وهويات المكان والزمان والتاريخ، فالوضع أكثر تعقيدًا. الرواية الليبية المبكرة كثيرًا ما ركّزت على الفرد والطبقات المتوسطة الصاعدة، على أزمات الانتماء والحيرة الفكرية، لكنها في الغالب لم تستطع صياغة رؤى شاملة عن المجتمع،بمعنى آخر، استطاعت الرواية الليبية التعبير عن الآخر، لكنها لم تفعل ذلك بحرية أو عمق، واستطاعت التعاطي مع اليومي والمعاش من زاوية الفرد أكثر من المجتمع، أما الهويات المتعددة للمكان والزمان والتاريخ فهي لا تزال في طور التشكل، ولم تُستثمر بعد لتكوين خطاب روائي قادر على الإجابة عن الأسئلة الكبرى للحياة الليبية.
الأسماء الجديدة في الرواية الليبية: من استرعى انتباهك ومن تراهم الأكثر تميّزًا؟
الإجابة عن هذا السؤال ليستْ سهلة، لأنها تستدعي حذرًا في ذكر الأسماء دون إغفال أو ظلم، من الأسماء التي أرى فيها قدرات متميزة على مستوى الرؤية السردية واللغة والتجريب الفني، من بينهم )جمعة الموفق، وعائشة إبراهيم، وكوثر الجهمي، وغالية الذرعاني، ومحمد النعاس، وعبدالله الغزال(.. هؤلاء الكتَّاب جميعهم، في تقديري، يحملون حسًّا مميزًا تجاه التفاصيل الإنسانية والاجتماعية، ويجربون أساليب سردية متنوعة، مع المحافظة على خطاب روائي قادر على التعبير عن الواقع الليبي المعاصر بصور مختلفة.
النقد الأكاديمي هل استطاع أن يكون حاضرًا ومواكبًا للرواية الليبية؟، ومِنْ َمنِ النقاد تراه مميزًا؟
سبق القول إن المتن النقدي الأكاديمي في ليبيا غالبًا ما يأتي كاستحقاق وظيفي، وليس دائمًا نقدًا ممتدًا أو قائمًا على رغبة نقدية حقيقية. ومع ذلك، يمكن تقييم بعض المنشورات التي أسهمت في توثيق الرواية الليبية ومواكبتها. ففي النقد السياقي، تعد دراستان لعلي برهانة وأحمد شيلابي في النقد الاجتماعي رائدتين في مجالهما، لما قدماه من قراءة واعية للأعمال الروائية في إطارها الاجتماعي والسياسي. أما في الحقل البنيوي، فدرسات فاطمة الحاجي وحسن الأشلم تبرز لانضباطها المنهجي ووضوح رؤيتها النقدية، ما يجعلها مراجع مفيدة في قراءة النصوص الليبية من منظور منهجي دقيق.
يمكن القول إن النقد الأكاديمي قد أسهم في تأسيس المرجعيات، لكن الحركة النقدية الأكثر حيوية واستدامة جاءت من خارج المؤسسة الأكاديمية، حيث الجمع بين الموهبة والرغبة والحرية في القراءة أتاح إنتاج قراءة أعمق وأكثر مواكبة للرواية الليبية.
هل يمكن أن تكون الرواية الليبية قادرة على تشكيل الوعي الجماعي، وأن تكون مؤثرة ومعبرة عن المتغيرات، وموازية للواقع والحلم؟
من ناحية الأمل، لا شك أن إمكانية ذلك موجودة. فالرواية، بوصفها أداة فنية وثقافية، تمتلك القدرة على قراءة الواقع، واستشراف المستقبل، وتشكيل وعي جماعي قادر على التساؤل، والمساءلة.
لكن هذا الأمل مرهونٌ بعاملين أساسيين:
الأول هو وضع القراءة في المجتمع الليبي، فكلما ارتفع مستوى الثقافة القرائية، وتعزَّز الاهتمام بالنصوص المحلية والعربية والعالمية، زادتْ قدرة الرواية على التأثير، وتحولتْ من مجرد سرد شخصي إلى فعل اجتماعي.
أما العامل الثاني فهو توجه الروائيين أنفسهم نحو تقديم أعمال أكثر قربًا من الشارع، وأعمق غوصًا في البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع، بحيث تعكس الرواية هموم الناس اليومية، وتطرح الأسئلة الكبرى عن الهوية والمكان والزمان والتاريخ.
بعبارة أخرى، الرواية الليبية قادرة على المساهمة في تشكيل وعي جماعي إذا ما اجتمعت إرادة القراءة الواعية مع قدرة الكتَّاب على قراءة المجتمع بكل أبعاده، وتحويل المتغيرات إلى سرد حي ومؤثر، يوازن بين الواقع والحلم، بين الطموح والقيود، وبين الفرد والجماعة.



