
في بيوتٍ يجتمعُ فيها أفرادُ الأسرةِ في المكان نفسه، لكنهم يعيشون كلٌ في عالمه الخاص.
الضحكات تصدر من شاشات الهواتف، والأحاديث الواقعية تتضاءل يومًا بعد آخر.
العزلةُ لم تعد خارج البيت، بل صارتْ داخله، تختبئ بين الجدران، وتتنكر في الأجساد الحاضرة بلا حضور حقيقي.
الحربُ الطويلة والضغوط اليومية، جنبًا إلى جنب مع سيطرة التكنولوجيا، خلقتْ فجوة كبيرة بين الآباء، والأبناء، بين الأزواج، والأبناء، بين الأجيال.
بيوت بلا حديث هذا التحقيقُ الصحفي يسعى إلى الاقتراب من هذه الفجوة، عبر قصَّصٍ حقيقية، وتجارب شخصية، ليكشف كيف يعيش الليبيون العزّلة وسط أقرب النَّاس إليهم.
سوف نرصد ونستمع إلى الحكايات، ونبحث عن الأسباب، والتأثيرات النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة المتنامية داخل البيوت.
أمام نافذة بيته .. يجلس الأبُ مصباح
ينظر إلى أبنائه الذين يغوصون في شاشاتهم. يحاول أن يبدأ حديثًا، يضحك، يسأل، لكن لا أحد يجيب.
يشعر أن البيت ممتلئ بالحياة المادية، وفارغٌ من الروح. هذه الصورة اليومية تتكرَّر في مئات البيوت. الأب حاضر جسديًا، لكن أبعد ما يكون عن أبنائه نفسيًا وعاطفيًا.
أصبح البيت مساحةً للجسد بلا لقاء حقيقي للقلوب، وكيف ينعكس هذا الواقع على الأطفال، المراهقين، والآباء أنفسهم.
عمي سالم يقول:
نقعدوا كلنا في الصالة، لكن نحس روحي بروحي. حتى الكلام صار ثقيلًا. أحيانًا أحاول البدء في حوار، لكن يكتفي كل واحد منهم بهاتفه.
أتذكر أيام زمان كنا نجلس ونتبادل القصَّص والضحكات، اليوم الصمتُ يملأ المكان.
أم محمد قالتْ :
زمان كنا نتحاور ونتشارك تفاصيل يومنا. اليوم أولادي يكلموني بالرسائل وهم أمامي. أشعر أنني موجودة جسديًا فقط، وليس كحاضنة عاطفية لهم.
حاولتُ أن أخلق أنشطة عائلية صغيرة، لكن كل واحد يهرب إلى شاشة مختلفة.
أحمد -شاب في مقتبل العمر- يقول :
الهاتف ينسيني الظروف والأخبار. أعلم أن هذه ليستْ طريقة صحيحة للتواصل، لكني لا أستطيع التوقف. أشعر بالذنب لأنني أضع نفسي في عالم افتراضي بدل التفاعل مع عائلتي. حتى اللحظات المشتركة حول الطعام، أو التلفاز، أغرق في رسائل ومجموعات.
هبة طالبه ثانوي :
أشعر بالعزلة رغم وجود والدي وأخوتي في الغرفة نفسها. أفضل كتابة الرسائل لهم بدلاً من الحديث المباشر، لأنه صعب التعبير عن مشاعري.
مرات أحاول أن أبدأ محادثة، لكن غالبًا لا يستجيب أحد، ثم أختفي خلف هاتفي لأهرب من الإحباط.
الجدة فاطمة تقول :
أروي الحكايات كما اعتدت طوال حياتي، لكن لا أحد يسمع. أحكي عن طفولتي وعن والدتهم، لكن يبدو أن الأصوات الحديثة تغطي على صوتي. أحيانًا أشعر أنني لا وجود ليَّ، مجرد شخص جالس في زاوية يشاهد الجميع في عالم آخر.
ناصر أب لثلاثة أطفال :
العمل طوال اليوم يجعلني مرهقًا، وعندما أعود للبيت، أجد أطفالي يحدقون في شاشاتهم.
أحاول اللعب معهم، لكن الانشغال بالهواتف يفصلنا. نتشارك نفس البيت، لكن يبدو أننا لا نتشارك نفس الحياة.
ليلى تحكي :
أجلس مع ابني الصغير نصف ساعة فقط يوميًا، لكن حتى هذه اللحظات القصيرة يفضل الهاتف عليها.
أحاول أن أجعله يتحدث عن يومه، عن المدرسة، عن أصدقائه، لكنه يرد بكلمات قصيرة مقتضبة ثم يعود لشاشته. أحيانًا أشعر أنني أخسر التواصل الأبوي.
عمر يقول :
نذهب سوية لتناول الطعام، لكن كل واحد يختفي في عالمه الخاص على الهاتف. الضحك والحديث المباشر أصبحا نادرين. أحيانًا أتساءل، هل كنا سنكون أفضل لو لم تكن هذه الأجهزة موجودة؟!.
سارة – خريجة جامعة – :
أشعر بالوحدة وسط العائلة، كأن كل شخص يعيش في فقاعة خاصة به. حتى عند مشاهدة التلفاز معًا، غالبًا ما يكون كل واحد على هاتفه.
أفتقد الحوار والضحك الحقيقي، أشعر بالحنين للأوقات القديمة.
خالد – موظف حكومي – :
أجد نفسي أراقب أبنائي عبر الهاتف أكثر مما أراقبهم بحضوري. أعرف أخبارهم اليومية، لكن لا أعرف ما يختلج في قلوبهم.
أسلوب التربية تغير، التواصل المباشر أصبح صعبًا ومعقدًا.
منى -تلميذة في ثالثة اعدادي -:
أرسل رسائل لوالدي، وهو موجود في الغرفة نفسها.
الحديث المباشر صعبٌ بالنسبة ليَّ، بينما أجد الراحة في التعبير عن مشاعري عبر الكتابة. هذا جعل البيت مليئًا بالوجود الجسدي، ولكن خاليًا من الروح.
يوسف – أب لخمسة أطفال – :
الهاتف أصبح الوسيط الوحيد بيننا. كنت أرى أن الحديث المباشر كان ركيزة حياتنا اليومية، والآن لا شيء يربطنا سوى شاشات صغيرة.
أشعر بالحزن لأن الألفة التي تربينا عليها اختفت.
ريم - أما لطفلين – :
حين تجلس العائلة كلها في غرفة واحدة، تصمت الهواتف فجأة، ربما للحظات، ثم يعود كل واحد إلى عالمه الافتراضي. أحيانًا أجد نفسي أضحك وحدي أو أحكي قصة لا أحد يسمعها. البيت يبدو مليئًا بالناس وخاليًا من التواصل.
طه -شاب في سن المراهق -:
أحس أن والدي بعيد، حتى وإن جلس إلى جانبي. الهاتف دائمًا بيننا، يجعل كل منا يعيش لوحده. أحيانًا أشتاق للحديث معه وجهاً لوجه، لكن من الصعب إيجاد اللحظة الصحيحة.
العمة جميلة تقول :
أروي الحكايات لأحفادي، ولكنهم يحدقون في هواتفهم. أحيانًا أشعر وكأنني أتكلم مع الجدران، وأفتقد العينين التي كانت تسمع وتستمتع بالقصص في الماضي.
سليم موظف :
الانشغال بالأخبار ووضع البلاد جعلت البيت مكانًا للسلام الجسدي فقط. العاطفة اختفت، والهواتف ملأت الفراغ.
أحيانًا أضطر لإجبار نفسي على التفاعل مع عائلتي، لكن القليل فقط من الاستجابة يأتي.
بينما يرى مختصون اجتماعيون أن الأسرة الليبية فقدتْ جزءًا من وظائفها التقليدية خلال السنوات الأخيرة.
الحرب الطويلة أضعفت الإحساس بالأمان، وغيّرتْ أولويات العيش، بينما جاء الهاتف ليملأ الفراغ، لكنه في الوقت نفسه فكّك الحوار اليومي.
المستشار علي عمر اختصاصي اجتماعي يوضح:
العزلة داخل الأسرة أخطر من التفكك الواضح، لأنها صامتة ولا تُرى. كل فرد موجود، لكن بلا دور تفاعلي حقيقي.
اختفاء الجلسات العائلية، تراجع دور الكبار، وضعف الحوار بين الأجيال، كلها مؤشرات على تحول اجتماعي عميق.
من الناحية النفسية، يفسر المختصون هذا السلوك بأنه استجابة طبيعية لضغط مزمن. الخوف، القلق، وعدم الاستقرار، تدفع الفرد إلى الانسحاب العاطفي، ويصبح الهاتف أداة تهدئة مؤقتة.
مختص نفسي والمستشار عبد الحميد محمد يقول:
الهروب إلى الشاشة يخفف القلق لحظيًا، لكنه يضاعف الشعور بالوحدة على المدى البعيد، خاصة عند الأطفال والمراهقين.
ويحذر المختصون من أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى ضعف التعبير العاطفي وصعوبة بناء علاقات صحية مستقبلًا. ختاما
العزلة داخل الأسرة ليستْ قدرًا محتومًا، لكنها واقع يتسع بصمت.
الهاتف ليس العدو، والحرب ليست العذر الوحيد، لكن غياب الحوار يترك فجوة عميقة بين الأجيال.
هذا التحقيق يضع أمامنا تحديًا: استعادة الحديث، والضحك، واللحظات الحقيقية التي تجعل البيت وطنًا للقلب والعاطفة.
يبقى السؤال الذي نطرحه بيوت بلا حديث ..
هل سنجد الشجاعة لننظر لبعضنا قبل أن يتحوَّل الصمتُ إلى لغة وحيدة بيننا؟!!.



