اقتصاد

الدينار‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭

فائزة‭ ‬صالح‭ ‬

  ‬‮ ‬في‭ ‬السابعة‭ ‬صباحًا،‭ ‬كان‭ ‬‮«‬سامي‮»‬‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬شركة‭ ‬صرافة‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬يحمل‭ ‬هاتفه،‭ ‬وبطاقة‭ ‬هويته،‭ ‬وأملاً‭ ‬صغيرًا‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬بطاقة‭ ‬أغراض‭ ‬شخصية‭. ‬لم‭ ‬يكنْ‭ ‬وحده؛‭ ‬عشرات‭ ‬الشباب‭ ‬سبقوه،‭ ‬وعشرات‭ ‬آخرون‭ ‬وصلوا‭ ‬بعده‭. ‬بعضهم‭ ‬يريد‭ ‬السفر،‭ ‬وبعضهم‭ ‬يريد‭ ‬العلاج،‭ ‬وآخرون‭ ‬فقط‭ ‬يريدون‭ ‬شراء‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬‮«‬الإنترنت‮»‬،‭ ‬لكن‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بينهم‭ ‬جميعًا‭ ‬كان‭ ‬سؤالًا‭ ‬واحدًا‭: ‬هل‭ ‬سيصل‭ ‬دورنا‭ ‬اليوم‭..‬؟‭!.‬

عند‭ ‬الظهيرة‭ ‬خرج‭ ‬‮«‬سامي‮»‬‭ ‬خالي‭ ‬الوفاض‭. ‬لا‭ ‬بطاقات،‭ ‬لا‭ ‬دولارات،‭ ‬فقط‭ ‬رسالة‭ ‬غير‭ ‬مكتوبة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬العرض‭ .. ‬وأنَّ‭ ‬الانتظار‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭.‬

هذه‭ ‬الصورة‭ ‬ليستْ‭ ‬مشهدًا‭ ‬عابرًا،‭ ‬بل‭ ‬اختصارًا‭ ‬مكثفًا‭ ‬لمرحلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬يعيشها‭ ‬الليبيون‭ ‬منذ‭ ‬قرار‭ ‬مصرف‭ ‬ليبيا‭ ‬المركزي‭ ‬تخفيض‭ ‬قيمة‭ ‬الدينار‭. ‬القرار‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬كشوف‭ ‬المرتبات‭ ‬كـ‭)‬اقتطاع‭ ‬مباشر‭(‬،‭ ‬لكن‭ ‬أثره‭ ‬ظهر‭ ‬سريعًا‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬صندوق‭ ‬محاسبة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬المواد‭ ‬الغذائية،‭ ‬وعند‭ ‬أول‭ ‬صيدلية،‭ ‬وعند‭ ‬أول‭ ‬محاولة‭ ‬لتحويل‭ ‬المال‭ ‬إلى‭ ‬عُملة‭ ‬صعبة‭.‬

فالمرتب‭ ‬بقي‭ ‬رقمًا‭ ‬ثابتًا،‭ ‬لكن‭ ‬قدرته‭ ‬الشرائية‭ ‬تقلصتْ‭ ‬بصمت‭. ‬ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الدولار‭ ‬واتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬السعر‭ ‬الرسمي‭ ‬والسوق‭ ‬الموازية،‭ ‬بدأ‭ ‬المواطن‭ ‬يشعر‭ ‬أن‭ ‬دخله‭ ‬يتبخر‭ ‬تدريجيًا‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬الأسعار،‭ ‬كانت‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬تفقد‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬توازنها،‭ ‬بينما‭ ‬يتحوَّل‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬إلى‭ ‬هدف‭ ‬بعيد‭ ‬المنال‭.‬

اقتصاديًا،‭ ‬يُبرَّر‭ ‬تخفيض‭ ‬قيمة‭ ‬العُملة‭ ‬عادة‭ ‬بمحاولة‭ ‬تقليص‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬السعر‭ ‬الرسمي‭ ‬والسوق‭ ‬السوداء،‭ ‬وتحسين‭ ‬إيرادات‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي،‭ ‬وتقليل‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬العُملة‭ ‬الصعبة‭. ‬لكن‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬تحوَّل‭ ‬القرار‭ ‬بالنسبة‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬إلى‭ ‬معادلة‭ ‬بسيطة‭ ‬وقاسية‭: ‬أسعار‭ ‬ترتفع‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬الدخل،‭ ‬وفرص‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬تصبح‭ ‬أصعب‭.‬

ازدحام‭ ‬الشباب‭ ‬أمام‭ ‬شركات‭ ‬الصرافة‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مشهد‭ ‬مالي؛‭ ‬إنه‭ ‬مؤشر‭ ‬اجتماعي‭ ‬عميق‭. ‬فـ«الدولار‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مرتبطًا‭ ‬فقط‭ ‬بالسفر،‭ ‬أو‭ ‬التجارة،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بالأمان‭ ‬الشخصي،‭ ‬وبإمكانية‭ ‬العلاج،‭ ‬وبالقدرة‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬للمستقبل‭. ‬حين‭ ‬يشعر‭ ‬الشبابُ‭ ‬أنَّ‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬العُملة‭ ‬الصعبة‭ ‬يتطلب‭ ‬طوابير‭ ‬طويلة‭ ‬وانتظارًا‮ ‬‭ ‬مجهولاً،‭ ‬يتولد‭ ‬شعورٌ‭ ‬جماعي‭ ‬بعدم‭ ‬اليقين‭.‬

ومع‭ ‬غياب‭ ‬التصاريح‭ ‬الكافية‭ ‬لفتح‭ ‬بطاقات‭ ‬الأغراض‭ ‬الشخصية،‭ ‬يتزايد‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬السوق‭ ‬الموازية،‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬تبدو‭ ‬مغلقة،‭ ‬وهذا‮ ‬‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الطلب‭ ‬غير‭ ‬الرسمي،‭ ‬وزيادة‭ ‬الطلب‭ ‬ترفع‭ ‬الأسعار‭ ‬أكثر‭.‬

اجتماعيًا،‭ ‬تظهر‭ ‬آثارٌ‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬تقليل‭ ‬المصروفات،‭ ‬تأجيل‭ ‬الخطط،‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات،‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬الكماليات‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬يومًا‭ ‬عادية‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬يصبح‭ ‬القلقُ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬حالة‭ ‬نفسية‭ ‬عامة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬مؤقتة‭.‬

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرحه‭ ‬كثيرون‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لماذا‭ ‬خفض‭ ‬الدينار؟‭ ‬بل‭ ‬هل‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬بدائل‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬اجتماعيا؟‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬معالجة‭ ‬جذور‭ ‬الأزمة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬المواطن‭ ‬العبء‭ ‬الأكبر؟

ففي‭ ‬نهاية‭ ‬يومه،‭ ‬عاد‭ ‬‮«‬سامي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬منزله‭ ‬دون‭ ‬بطاقة،‭ ‬لكنه‭ ‬عاد‭ ‬بسؤال‭ ‬أكبر‭:‬

إلى‭ ‬متى‭ ‬ستبقى‭ ‬الطوابير‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬الحلول؟‭!!.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى