
لم تعد المؤشرات المالية في ليبيا بحاجة إلى كثير من التأويل. فمن خلال تتبّع بيانات مصرف ليبيا المركزي، وبيانات المؤسسة الوطنية للنفط، وتصريحات رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، ومع وصول سعر الصرف إلى قرابة 11 دينار، تتضح ملامح اختلال مالي يتسع بوتيرة مقلقة.
بيان المؤسسة الوطنية للنفط، الذي تضمّن تقييد بعض إجراءات الصرف والشراء إلى حين اعتماد الميزانية، يكشف أن شريان الاقتصاد نفسه يعمل تحت ضغط مالي واضح. فعندما تتجه أهم مؤسسة مسؤولة عن أكثر من 90% من إيرادات الدولة نحو سياسات تقشفية، فإن ذلك يعكس أزمة سيولة أو خللاً في إدارة التدفقات المالية.
وفي المقابل، حذّر رئيس الوزراء من خطورة الإنفاق غير المنضبط، وأكد ضرورة الالتزام بالاتفاق التنموي الموحد. غير أن الواقع يُظهر أن حجم الاعتمادات والطلب على الدولار يفوق وتيرة تدفق الإيرادات النفطية، ما يخلق فجوة متنامية بين العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي.
النتيجة الطبيعية لهذا الخلل هي الضغط على الاحتياطي، واتساع السوق الموازية، وتآكل القوة الشرائية للمواطن. فارتفاع سعر الصرف بهذه السرعة يعني عمليًا تراجعًا يتجاوز 20% من القيمة الحقيقية لدخول المواطنين خلال أسابيع قليلة. التضخم هنا ليس رقمًا في تقرير، بل عبء يومي ينعكس في الغذاء والدواء والخدمات.
الأزمة الحقيقية تكمن في غياب التنسيق الفعّال بين السياسة المالية والنقدية، واستمرار الإنفاق بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد. وإذا لم يُضبط المسار سريعًا، فقد تدخل البلاد مرحلة تضخم أعمق وتراجع أشد في مستوى المعيشة.
فالاقتصاد لا ينهار فجأة، لكنه يضعف تدريجيًا عندما تُستهلك موارده أسرع مما تُبنى.



