رأي

الدينار تحت الضغط… المواطن يتحمّل أعباء اختلالات السلطة

د. عبد العظيم الازرق

لم‭ ‬تعد‭ ‬المؤشرات‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التأويل‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬تتبّع‭ ‬بيانات‭ ‬مصرف‭ ‬ليبيا‭ ‬المركزي،‭ ‬وبيانات‭ ‬المؤسسة‭ ‬الوطنية‭ ‬للنفط،‭ ‬وتصريحات‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬عبد‭ ‬الحميد الدبيبة،‭ ‬ومع‭ ‬وصول‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬إلى‭ ‬قرابة‭ ‬11‭ ‬دينار،‭ ‬تتضح‭ ‬ملامح‭ ‬اختلال‭ ‬مالي‭ ‬يتسع‭ ‬بوتيرة‭ ‬مقلقة‭.‬

بيان‭ ‬المؤسسة‭ ‬الوطنية‭ ‬للنفط،‭ ‬الذي‭ ‬تضمّن‭ ‬تقييد‭ ‬بعض‭ ‬إجراءات‭ ‬الصرف‭ ‬والشراء‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬اعتماد‭ ‬الميزانية،‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬شريان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬نفسه‭ ‬يعمل‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬مالي‭ ‬واضح‭. ‬فعندما‭ ‬تتجه‭ ‬أهم‭ ‬مؤسسة‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬90‭% ‬من‭ ‬إيرادات‭ ‬الدولة‭ ‬نحو‭ ‬سياسات‭ ‬تقشفية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يعكس‭ ‬أزمة‭ ‬سيولة‭ ‬أو‭ ‬خللاً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬حذّر‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬الإنفاق‭ ‬غير‭ ‬المنضبط،‭ ‬وأكد‭ ‬ضرورة‭ ‬الالتزام‭ ‬بالاتفاق‭ ‬التنموي‭ ‬الموحد‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يُظهر‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬الاعتمادات‭ ‬والطلب‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬يفوق‭ ‬وتيرة‭ ‬تدفق‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬فجوة‭ ‬متنامية‭ ‬بين‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬النقد‭ ‬الأجنبي‭.‬

النتيجة‭ ‬الطبيعية‭ ‬لهذا‭ ‬الخلل‭ ‬هي‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الاحتياطي،‭ ‬واتساع‭ ‬السوق‭ ‬الموازية،‭ ‬وتآكل‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطن‭. ‬فارتفاع‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬بهذه‭ ‬السرعة‭ ‬يعني‭ ‬عمليًا‭ ‬تراجعًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬20‭% ‬من‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لدخول‭ ‬المواطنين‭ ‬خلال‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭. ‬التضخم‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬رقمًا‭ ‬في‭ ‬تقرير،‭ ‬بل‭ ‬عبء‭ ‬يومي‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬والخدمات‭.‬

الأزمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬التنسيق‭ ‬الفعّال‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية،‭ ‬واستمرار‭ ‬الإنفاق‭ ‬بوتيرة‭ ‬تفوق‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭. ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬يُضبط‭ ‬المسار‭ ‬سريعًا،‭ ‬فقد‭ ‬تدخل‭ ‬البلاد‭ ‬مرحلة‭ ‬تضخم‭ ‬أعمق‭ ‬وتراجع‭ ‬أشد‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة‭.‬

فالاقتصاد‭ ‬لا‭ ‬ينهار‭ ‬فجأة،‭ ‬لكنه‭ ‬يضعف‭ ‬تدريجيًا‭ ‬عندما‭ ‬تُستهلك‭ ‬موارده‭ ‬أسرع‭ ‬مما‭ ‬تُبنى‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى