
العاملاتُ داخل البيوتِ مع اقتراب شهر رمضان، لا تتغير فقط مواعيد الأكل والنَّوم في بيوتنا بل تتغير لغة الحديث نفسها فجأة، تصبح «الشغّالة» موضوعًا يوميًا، حاضرة في جلسات النساء، وفي مجموعات التواصل الاجتماعي، وفي مكالمات الهاتف التي تبدأ غالبًا بعبارة واحدة: «تعرفي حد؟!».
في هذا الوقت من كل عام، يرتفع الطلبُ على العاملات داخل البيوت، ويقابله ارتفاعٌ موازٍ في نبرة التخويف والتحذير. إعلانات تبحث عن «عاملة مقيمة ضروري»، تتجاور مع منشورات تصف العاملات بأنهن خطر، وفساد، وتهديد للأخلاق والأمن.
هذا التناقض الحاد كان الدافع لإجراء هذا الاستطلاع الصحفي، في محاولة فهم كيف يرى المجتمعُ هذه الظاهرة؟، ولماذا يتعاملون معها بهذا القدر من القلق والازدواجية؟.
اللافت منذ بداية الاستطلاع أنَّ أغلب الآراء لم تنطلق من موقف مبدئي ثابت، بل من تجربة شخصية، أو حكاية سمعوها من غيرهم.
ربة بيت تقول : إنها لم تكن تفكر يومًا في الاستعانة بعاملة، لكن ضغط العمل، ورمضان غيّر كل شيء.
تشرح أنها تعود منهكة، وأن البيت والأطفال يحتاجون إلى من يساندها، لكنها في الوقت نفسه تعترف بأنها لا تشعر بالراحة، وتبقى في حالة حذر دائم.
هذا التناقض بين الحاجة والخوف ت كرَّر في معظم الشهادات.
في المقابل، تحكي موظفةٌ أخرى أنها استعانت بعاملة لفترة قصيرة، لكنها كانت تراقبها باستمرار، تمنع عنها الهاتف، وتحدد لها الحركة داخل البيت، ليس بدافع القسوة كما تقول، بل بدافع «الاحتياط».
حين سألناها عن سبب هذا الخوف، لم تستطع أن تذكر واقعة محددة، بل اكتفت بالقول: «نسمع قصص تخوف». هذه الجملة كانت من أكثر العبارات تكرارًا خلال الاستطلاع، ما يعكس أن جزءًا كبيرًا من المواقف يُبنى على السماع لا على التجربة المباشرة.
أما عن آراء الرجال، فقد انقسموا بين مَنْ يرى أن وجود عاملة داخل البيت «ضرورة فرضها الزمن»، ومن يعدها «باب مشكلات».
أحدهم قال : بوضوح إن المشكلة ليستْ في العاملة، بل في غياب التنظيم، مشيرًا إلى أن الفوضى تجعل الجميع في حالة شك، وتفتح المجال للاستغلال من الطرفين. هذا «الرأي» تكرَّر لدى أكثر من مشارك، خصوصًا عند الحديث عن مكاتب الوساطة، التي وُصفتْ بأنها المستفيد الأكبر من غياب القانون؛ حيث تفرض عمولاتٌ مرتفعة دون أي ضمانات حقيقية.
مِنِ القصص التي توقفتْ عندها آراء، قصة عاملة طلبتْ إجازة قصيرة قبل رمضان. «ربة البيت» التي روت القصة قالت: إنها ترددتْ كثيرًا، وشعرتْ بالشك، رغم أن الطلب بدأ إنسانيًا.هذا التردَّد يكشف كيف تحولتْ العلاقة بين الطرفين إلى علاقة يشوبها الريبة، حتى في أبسط الحقوق مثل الراحة.
وفي قصة أخرى، تحدثتْ موظفة عن «عاملة قاصر» كانتْ تعمل لديها، وأقرتْ بأنها كانت تعلم بصغر سنها، لكنها أقنعت نفسها بأن الأمر «أفضل لها من الشارع»، وهي عبارة تكرَّرتْ كثيرًا خلال الاستطلاع، كتبرير أخلاقي جاهز، رغم إدراك الجميع خطورة سلب الطفولة.
العاملات السابقات اللواتي شاركن في الاستطلاع قدمن زاوية مختلفة. إحداهن قالت إن أصعب ما واجهته لم يكن العمل نفسه، بل الشعور بأنها غير موثوقة منذ اللحظة الأولى، وأنها مطالبة دائمًا بإثبات حسن نيتها. أخرى تحدثت عن شعورها بالعزلة، خاصة مع منع الهاتف والتواصل مع الأسرة، معتبرة أن هذا العزل كان أقسى من التعب الجسدي. في النقاش حول الدين والأخلاق، ظهر انقسام واضح. بعض الآراء رأت أن الدين يُستحضر غالبًا لتبرير الرفض والتخويف، بينما رأى آخرون أن التعاليم الدينية الحقيقية تدعو إلى حسن المعاملة والعدل، وأن ما يحدث في الواقع يتناقض معها. هذا التناقض بين الخطاب الديني والممارسة اليومية كان حاضرًا بقوة في معظم الآراء.
مع نهاية الاستطلاع، باتت الصورة أوضح. الغالبية تعترف بوجود حاجة فعلية للعاملات داخل البيوت، خاصة في ظل تغير نمط الحياة وزيادة الأعباء، لكنها في الوقت نفسه تعيش حالة خوف غير منظّم، يعتمد على الشائعات أكثر من الوقائع. هذا الخوف لا يؤدي إلى تنظيم العلاقة، بل إلى تشديدها وقسوتها، خاصة في ظل غياب قانون واضح يحمي الطرفين. العاملات القاصرات يظللن الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث يُبرَّر تشغيلهن بالحاجة، ويُغض الطرف عن تبعاته الإنسانية. النتيجة التي يخلص إليها أن أزمة العاملات داخل البيوت ليست أزمة «شغالات»، بل أزمة ثقة، وتنظيم، وضمير اجتماعي. فبين بيت يحتاج المساعدة، وعاملة تبحث عن لقمة العيش، يقف فراغ قانوني وأخلاقي يفتح الباب لكل هذا التوتر.
السؤال الذي يتركه هذا الاستطلاع مفتوحًا ليس ما إذا كنا نحتاج إلى عاملات أم لا؟، بل كيف نختار أن نتعامل مع إنسان دخل بيوتنا، وهل نريد علاقة قائمة على الخوف، أم علاقة تحكمها القواعد والكرامة والوضوح؟.
وبين جدران الغرف والمطابخ، تتكشف قصة ليستْ فقط عن عمل أو خدمة، بل عن ثقة مفقودة وتنظيم غائب وضمير اجتماعي يتأرجح بين الأخلاق والضغط اليومي. وكشف العلاقة بين ربة البيت والعاملة لا تتحدد بالمهام اليومية وحدها، بل تتأثر بشبكة معقدة من المخاوف، الشائعات، والانقسامات الثقافية والدينية.
ما نحتاج إليه اليوم ليس فقط عاملة لتخفيف أعباء المنزل، بل إطار يحمي الطرفين: قوانين، واضحة تنظم الحقوق والواجبات، تعليمات مهنية للعاملات، ووعي اجتماعي لدى الأسر يوازن بين الحاجة والاحترام والكرامة. غياب هذا الإطار يتحول الخوف إلى قسوة، والحاجة إلى توتر دائم، ويترك الحلقة الأضعف، العاملات القاصرات أو اللواتي يفتقرن للحماية القانونية، معرضات بشكل أكبر للانتهاكات والتمييز. الأمر لا يتعلق فقط بالبيت الليبي، أو برمضان، بل بتجربة إنسانية مشتركة: إنسان يدخل بيتك بحثًا عن لقمة العيش، وأنت تبحث عن راحة واستقرار. كيف يمكن تحويل هذا اللقاء إلى علاقة قائمة على الثقة والوضوح؟ هل نريد استمرار دائرة الخوف، أم نريد أن نخلق نموذجًا يحكمه القانون والضمير والأخلاق؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتجاوز مجرد معالجة عمل شغالة، فهي اختبار للمجتمع نفسه: قدرته على حماية حقوق الأضعف، وضمان العدالة، وإعادة بناء ثقة متبادلة بين البشر. وبين الحاجة والخوف، يقف كل طرف في موقعه، لكنه يحتاج إلى جسر من الكرامة، القانون، والثقافة ليصبح التعامل مع العاملات داخل البيوت حقًا إنسانيًا يحترم الجميع، لا مجرد واجب منزلي أو مصدر قلق دائم.
ختامًا .. ليستْ في سرد الحقائق فقط، بل في الدعوة للتفكير والعمل معًا لبناء علاقة إنسانية أكثر أمانًا وعدلاً، حيث لا يكون الخوف سيد الموقف، بل الاحترام والوضوح والتعاون.



