
يستهلك أغلب النَّاس في مجتمعنا كميات مضاعفة من الأكل في رمضان عن غيره من باقي أشهر السنة .
«عصائر، وألبان، وأجبان بكميات كبيرة، ومعجنات، وسكريات، ومقالي ولحوم»، وأطباق دسمة تَعُجُّ بها المائدة أثناء الإفطار لتملأ المعدة فتُضعِف أداءها، وتُعسّر الهضم، وتُخرِّب الأمعاء، وتبعث الشعور بالتثاقل والأعياء حدَّ الغثيان ..!.
ويتزايد هذا النهم الغذائي مع بدء الصيام لِتَقِلّ ذروتهُ بعد منتصف الشهر الفضيل. فتكون النتيجة عند الغالبية تراكمًا للدهون في زوايا الجسم مع مشكلات في القولون وتهيُّج، أو خمول وكسل، وقلق مع صعوبة في النَّوم .. كل ذلك بسبب سوء ترتيب صنف الوجبات، وحساب سعراتها.
بالرغم من أن رمضان ليس شهر الطعام بل هو شعر عمل وعبادة وإستشفاء بدني ونفسي؛ فهو بمثابة مساحة إخلاء لكل ما أثقل الجسم والروح على مدى عامٍ كامل، وفرصة لإعادة ضبط علاقة المسلم بخالقه، ولكن ليس شريطة أن يكون ذلك بالمنع والحرمان بل بالتوازن الواعي، والإدراك الناضج لحاجة الفرد منّا إلى تعديل أسلوب حياته التغذوية وفق نظام يُصحّح الأكل ليدعم عمل الطاقة دونما ضرَّر كي يجني ختامًا من عبادة الصوم نتائج مُرضية .
حول هذا الموضوع نلتقي بالدكتورة هديل صالح ناجم إستشاري تغذية علاجية لِتُجيب في عُجالة عن أسئلتنا بشأن الأكل الصحي في رمضان.
فرصة تغيير
كيف تَرَين أهمية الحفاظ على الروتين الصحي في شهر الصيام ؟
بصفتي طبيبة تغذية، وأتابع في عدة حالات مرضية لديّ، دائمًا أقول بأن شهر رمضان يعد فرصة للتعزيز الصحي، ودعم الجسم بكل ما يحتاجه من فيثامينات، ومعادن سواء أكانتْ الحالة تريد إنقاص الوزن، أم زيادته، أم معالجة بعض الأمراض مثل: السُّكَري، والضغط والنقرص، وأمراض حموضة المعدة، والأمراض النفسية، وغيرها.
أختار القلاّية الهوائية
ما هو الغذاء المثالي للصائم ؟
لا توجد قاعدة واحدة يمكن أن نضع فيها قائمة الغذاء الصحي لأنَّ كل حالة بحسب إحتياجها، ولكن يجب علينا أن نمتنع، أو نقلَّل من بعض الأطعمة كالتي تحتوي على زيوت مهدرجة، المكرّرة يعني، والمتوفرة في المقليات، والأكل الحامض مثل : وجبات «المسقّي» من مكرونة، ورز، وكسكسي، وحتى المكرونة المبكبكة التي اعتادها أكثرية الليبيين في السحور، هي عادة سيئة..
وتضيف : ليس من السهل الإمتناع عنها بالكامل، لكن بالإمكان الإستعانة بوسائل صحية حديثة كـالقلاية الهوائية مثلاً.
أنا شخصياً كحالة قبل أن أكون طبيبة غيرتْ فيّ كثيرًا من الناحية الصحية، واستفدتُ منها بعد أن تخلصتُ من الحموضة والقلق المعدي بفعل توقفي عن القلي بالطرق التقليدية للبوريك، والأصناف الأخرة، لأنها لا تستهلك سوى بضع قطرات من الزيت، وهي صارتْ متوفرة مؤخرًا.
وتقول : لا يمكنَّني أن أقول للحالات هذا ممنوع لأن الممنوع مرغوبٌ، ولكن أحاول نصحهم بالتقليل من تناول المقليات خاصة المعجنات السُّكَّريِّة كـ«الزلابية» مثلاً، والتركيز على تناول السلطة، والشوربة كـ«العدس، والخضار»، أو أي نوع مفيد، المهم مع تجنب اللحوم الحمراء – خاصة في العزايم- لأنها ضارة، واستبدالها بالدجاج، أو السمك وهما أكثر فائدةً وقيمة غذائية.
الزلابية ورمضان
كيف تفسرين الإقبال المتزايد على الحلويات خاصة في هذا الوقت؟
هذه عادةٌ ضارةٌ بالصحة جدًا، ولم أفهم لماذا يربط أغلب النَّاس كثرة أكل الحلويات في شهر رمضان؟! مع أنَّ العملية عكسية في الحقيقة؛ فالجسم البشري يكون طول اليوم فاقدًا للعناصر الغذائية المهمة من ماء، ومعادن، ولما يفطر على الحلو سيؤثر ذلك سلبًا على أهم هرمون في الجسم «الأنسولين»، الذي يُفرزه «البنكرياس»، فتحصل لخبطة للصائم بسبَّب كثرة الحلويات، أو الكربوهيدرات من معجنات تتكسر فتصبح سكريات مما يؤثر سلبًا على باقي الهرمونات الأنثوية «الأستروجين»، «البروجيسترون»، وأيضًا للحالات التي تعاني من القلق والاكتئاب مما يزيد الأمر سوءًا. لأن هذا الهرمون مسؤولٌ عن الجهاز العصبي المركزي . وتردف قائلة : كثيرٌ من النَّاس تعترف بشعورها بالقلق بعد تناول كمية عالية من الحلويات، وليس الشعور بالسعادة كما يدعي البعض ممن يفرطون في أكل الحلويات المقلية والمعسلة، مثل:
«الزلابية» الصنف الأكثر رواجًا في الشهر الكريم، وهي عبارة عن سكر محروق في زيوت مهدرجة، وعجين الله يعلم طريقة تحضيره ..!!.
شهر النشاط
هل يمكن تحويل رمضان لشهر تحدٍ لكسب اللياقة البدنية؟.
رأيي نعم .. بالتأكيد، فهو وقت مناسب لتعزيز الصحة من خلال تحقيق العادات الغذائية، وإستغلال ساعات الصوم في النشاط البدني طول النهار، وتعديل السلوكيات الغذائية بشكلٍ عام.
مكافأة
ما واجب الأسرة في تعاملها مع الطفل الصائم..؟
تردني إلى العيادة حالاتٌ لأمهات مع أطفالهن تريد تحفيزهم على الصيام، فأنصحهن بضرورة تشجيعهم أول شيء ببث ثقة الأهل في طفلهم لكونه صار قويًا، وقادرًا على تحمل أعباء الصوم، و وعده بهدايا مادية ومعنوية، وقبل كل ذلك لا بد من أنّ تتأكد الأم من قدرة ابنها، أو ابنتها من خوض التجربة، لأن الكثير منهم يحدث لهم هبوطٌ بسبب عدم الاهتمام بتفقّد وزن السكر لديه.
وتستطرد قائلة : أحيانًا يكون الطفل ذا بُنية جسمانية هزيلة، وزنه ضعيف .
هُنا أشدَّد على الأهل بضرورة التأكد من الصحة البدنية قبل شهر رمضان من ناحية الوزن، ودعم تغذيته ليكون جاهزًا للصيام، وبعدها يأتي دور الأكل والتحفيز عن طريق المكافآت بأن تطهو له ما يحبه، والفخر به وسط العائلة، والأقارب، والإشهار بأنه صائم كل هذه الأمور تُحدث أثرًا إيجابيًا ممتازًا من الناحية النفسية.
قياس السكر
ما الإجراءات المُتَّبَعة حِيال المصابين منهم بالسُّكَري؟
هذه الإجابة بالذات لا يمكن حصرها في سطور، بل تحتاج لشرحٍ مطولٍ، وأنا مستعدة لمدكم بالمعلومات الكافيةبإذن الله في لقاءات أخرى.
أهم شيء هو التركيز على القراءات قبل وبعد الإفطار، ثم بعد الأفطار بفترة طويلة، وعلى ضوئها نرى كيفية تعديل جرعة الأنسولين للطفل، ولو لم نتمكن من ذلك نلجأ إلى إختصاصي تغذية، أو غدد صمّاء وسكري.
وتضيف : لأن مرض السكري خطير على الطفل الصائم وغيره، فحتى دار الإفتاء أباحتْ الفطر لمن وصلتْ درجة هبوط السكر عنده )60( هذا يفطر على الفور .
لذا من المهم كإجراء للإسعافات الأولية هو توفر جهاز قراءة السكر في كل بيت لديهم حالة مصابة.
دعم وزارة الصحة
كيف يكون دوركم الإرشادي في نشر الوعي التغذوي ما بين فئات المجتمع؟
دورنا كأختصاصي تغذية متمثل في ما نقوم به من ورش عمل تهدف لجعل التغذية العلاجية والتغذية الصحية ثقافة عامة لكل فئات المجتمع الليبي، وبالنسبة ليَّ كطبيبة متخصصة بهذا المجال أُنوّه دائمًا سواء أكان داخل ليبيا أم خارجها على تعزيز نشر هذه الثقافة، وجعلها من أساسيات الحياة.
وتختم بالقول: أُناشد من خلالكم وزارة الصحة لمساعدتنا في تحقيق هذا الهدف، بتوفير مطويات إرشادية وتوزيعها على عامة النَّاس، وبث إرشادات صحية عبر وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة .
لأنَّ نشاطنا عبر «السوشيال ميديا» وحده لا يكفي. فدور الدولة في هذا الجانب أهم من دورنا كأطباء، أو لنقل يدعمنا بدرجة كبيرة، وأنا عن نفسي جاهزة بإذن الله للتعاون في نشر أي وعي ينفع ويخدم المصلحة العامة .



