
علي مائدة الإفطار لازالتُ أتذكر ريشة الفنان الراحل «عوض القماطي» توثق يوميات)المواطن ليبي( تنجز فيها اللوحة خلف الشاشة على وقع اللقطات المتسارعة في قالب فني تنسجم فيه معطيات الصورة وعناصرها مع شغف المشاهد وهو يترقب الشكل النهائي للوحة .
تلك اللقطات في برنامجه )حديث الريشة( جزء من رحلة القماطي مع فن الكاريكاتور الذي تشرب خطوطه على مراحل؛ حيث في درنة منابت الطفولة وطقس الطبيعة منح لفيض المخيلة البكر الابحار بحرية في سردية التجريب أولاً ثم كانت نافذة الخيارات بعد القدوم للعاصمة قد شكلتْ له منعطفًا ملهمًا ودافعًا لاختبار قدراته خصوصًا وشغف البحث عن بوابة الاحتراف تشغل حيزًا في تكوينه الفني والابداعي، وكانت صحيفة «الجهاد» في سبعينيات القرن الماضي الجسر الذي عبر من خلاله القماطي للرسم الساخر تحت مظلة الوظيفة، وتشكلتْ بالتالي ضفة أخرى داخل ذائقة القماطي وهو الانتقال من حضن المزاولة الحرة إلي فضاء السلطة الرابعة. أي من المزاج الخاص إلى مربع المهنة وشروطها.
لم تكن الصحافة وحدها مسرح الريشة للقماطي بل رافق خطه الصحفي الساخر مسار بصمات كاريكاتورية معنية ببرامج مؤسسات خدمية كالادارة العامة للتوعية والتثقيف الصحي؛ حيث حولتْ الرسومات المضافة النص الارشادي إلى وصفة بصرية شارحة تجمع بين المتعة الفنية والمعلومة وقد شكلتْ هي الأخرى تجربةً مضافة وخبرة في تناول ترجمة أفكار تجمع بين رؤيته والرؤيا المطلوبة، وبذا نرى في لوحات القماطي خاصة في معارضه العديدة داخل، وخارج ليبيا مزيجًا من تقاطعات المراحل ونكهات التجارب من طور الطفولة إلي مدارج النضوج، كما أن معرفة القماطي بفن الاخراج الصحفي مكن شخصية المخرج الفني من مراقبة شخصية الرسام الساخر فكان القماطي يراقب القماطي في القالب الفني العام ومستويات الخطوط ومدى نضج اللوحة .
رافق القماطي مواطن الشارع ورسم انفعالات الليبيين صحافة وتلفزيون في لحظات الحزن والفرح والغضب والاشتغال أيضًا على لعبة المفارقات في كوميديا سوداء اختلط فيها الضحك بالبكاء وفي قالب لم يتخلص بشكل كامل من روح «الزواوي» مع محاولة القماطي الخروج النسبي من بصماته في حجم الجسد وموضة الأزياء وربما غلب النمط الارشادي على الصورة الوصفية الشارحة؛ فالخطوط بسيطة بما يكفي لنقل فكرة أشبه بومضة دون التركيز كثيرًا على تفاصيل المكان .
ومضاتُ القماطي وحديث ريشته على مائدة رمضان تذكار فني نفيس وبطاقة شخصية وخارطة نفسية للشخصية الليبية، تعبر عن مشاعرها بعفوية بعيدًا عن قواميس التحفظ والمكياج.
رحم الله عوض القماطي، وكل عام وأنتم بخير .



