
في ظل التحديات التي تواجه التراث الثقافي المادي وغير المادي، أطلق صديقنا دكتور خالد محمد الهدار، عضو هيئة التدريس بقسم الاثار جامعة بنغازي نداءً عاجلاً وحملة توعوية (اوقفوا بيع الفضة) موجهة إلى تجار المعادن الثمينة وصاغة الذهب والفضة، لحماية التراث الفضي الوطني من خطر الصهر والطمس، ووصف ما يحدث بأنه تآمر على إرثنا الثقافي وهويتنا ومقتنياتنا وتهديد لأمننا القومي، وقال: نحذرهم من (مجزرة تراثية) ترتكب بحق الهوية الوطنية نتيجة تزايد عمليات صهر الحُلي والقطع الفضية التراثية، حيث رصدت موجة بيع واسعة للفضيات القديمة من حُلي نسائية وغيرها بسبب السعر غير المسبوق لمعدن الفضة، والتي يتم التعامل معها في الأسواق كفضة كسر، حيث هي عرضة أن تُرسل إلى المصاهر لتحويلها إلى سبائك، مما يؤدي إلى محو نقوش وتصاميم يدوية تعود لمئات السنين، تمثل جزء من الهوية الليبية، إن هذه الحُلي بما تحمله من زخارف تعد وثائق تاريخية منقوشة، وليست مجرد معادن، وتخضع روحياً لنصوص اتفاقية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة UNESCO في 2003م بشأن صون التراث الثقافي غير المادي، لكونها تجسيداً لمهارات يدوية مهددة بالاندثار، ونحن نناشد الضمير الوطني لدى تجار الذهب والفضة، ونقابة الصاغة والمعادن الثمينة، ونذكرهم بأنهم حراس على جزء أصيل من تاريخ هذا البلد، وإن صهر قطعة فضة تراثية هو طمس لمعلم أثري لا يقل أهمية عن المباني التاريخية والقيمة الحقيقية لهذه القطع تكمن في قيمتها الأنثروبولوجية والفنية، وليس في وزنها، إن الحفاظ على قطعة فضة قديمة هو حفاظ على حكاية لم تُروَ بعد، فكونوا حراساً لتاريخنا لا معولاً لهدمه، نخاطب فيكم الروح الوطنية والوعي بقيمة ما بين أيديكم، ونطالب الجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني بالتدخل السريع عبر تفعيل (المشتري البديل)، دعوة رجال الأعمال ومصلحة الاثار ووزارة الثقافة للتدخل لشراء هذه القطع من الأسواق بأسعار تفوق سعر الصهر لضمان بقائها، اضافة إلى وضع معايير تمنع تصدير أو صهر القطع التي تحمل دلالات تاريخية أو فنية نادرة، زد على ذلك التوثيق الرقمي العاجل بإطلاق حملة لتصوير وتوثيق القطع الموجودة في محلات الصاغة قبل فقدانها للأبد، وندعو المواطنين إلى استشعار المسؤولية التاريخية تجاه مقتنياتهم العائلية، معتبرين أن التفريط في فضة الجدات والأمهات هو تفريط في الرواية التاريخية للأجيال القادمة، إن التراث هو الرصيد الذي لا ينفد، وضياعه يعني تحولنا إلى مجتمع منتهي بلا ذاكرة بصيرة.
ونادت أستاذتنا دكتورة سُكينة بن عامر: ارجوكم لا تمزحوا حتى المزح في بيع المقتنيات الفضية فهي قضية وطن وقضية أمن تاريخي وثقافي ومجتمعي، فنحن يغزونا جشع كاسح طمعا في دريهمات دنيوية لا تشبع ولا تغني من جوع، ببيع ما نملك من إرث جميل تركته لنا الأمهات والجدات الطيبات، نعلن موت موروثنا وثقافتنا، ونأد بإرادتنا تراثنا وتاريخنا، ونقتل ذاكرتنا، القلب يبكي ألماُ من جشع مدمر يكتسح مستقبلنا ويمحو كامل ما يربط أبنائنا بحاضرنا وتاريخنا. إن رمزية المعادن الفضية أغلى من سعرها، خاصة وأن هذه القطع اغلبها صناعة قديمة.
وازدهرت صياغة الفضة في ليبيا في العهد العثماني الثاني )1835م – 1911م( وكانت سبائكها تستورد من فرنسا، إضافة إلى ما يعاد صهره من الحٌلِي والمسكوكات الذهبية القديمة، وقد كانت صياغة الفضة أكثر تطوراً نظراً للظروف الاقتصادية للبلاد في ذلك الوقت، إذ كان الإقبال على المصوغات الفضية كبيراً، ويقبلون على شرائها عندما تكون مواسم الحصاد مزدهرة.
وقد اشتركت ليبيا في بعض المعارض الدولية منها معرض Paris في العام 1867م، ومعرض النمسا في العام 1873م، ومعرض Philadelphia بولاية Pennsylvania الأمريكية في العام 1875م، حيث عرضت فيها المصوغات الذهبية والفضية المصنعة محلياً بأيادي ليبية.
واهتمت المرأة الليبية منذ القدم بأناقتها، فالرغبة في الاناقة كانت فطرية بالنسبة لها، وكانت تميل دائما إلى الأناقة المفرطة والمبالغ فيها في كثير الاحيان، وحرصت على الظهور بالمظهر اللائق، تختار ملابسها بعناية وتتزين بالحٌلِي على اختلافها، ولم تفقد ثقتها بنفسها، وفي أبناء مجتمعها، ولم يخيب أبناء الأصل ظنها فيهم، فالدُّملُج والحدايد والخلخال كانت اسرار أناقتها، سواء في الريف أو المدينة أو البادية، ولازالت متمسكة بموروثها، وتلبس في معصميها الدُّملُج، ويكون من ملحقات ملابسها، فالحٌلِي من ملحقات زي المرأة الليبية الاصيلة، والدُّملُج عبارة عن صفيحة من الفضة بها نقوش غائرة وأخرى بارزة من الخارج، يشكل بواسطة الطرق والمعالجة باليد بحيث يصبح أسطواني الشكل، تدخل فيه المرأة يدها ليستقر السوار بين الرصغ وأعلى الذراع، والموسرون يبالغون في حجمه ووزنه، ويسمى في بنغازي سوار دُّملُج، كما يختلف الناس في نطق الكلمة من جهة إلى جهة أخرى الدُّبلُج أو الدُّملُج، ثومات فضة، سوار بوثومات، سوار نص، تتزين به المرأة الليبية في مختلف البيئات، وشهدت انتشاراً كبيراً في فترة ما قبل القرن العشرين، ولا تزال تعتبر موروثاً ثقافياً أصيلاً.



