اقتصاد

المواطن واقتصاد القلق

احمد المسلاتي

يعتمد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الليبي‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية،‭ ‬لكن‭ ‬انعكاس‭ ‬هذه‭ ‬الوفرة‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬المعيشي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬محدودًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬فجوة‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العامة‭ ‬وشعور‭ ‬المواطن‭ ‬اليومي‭ ‬بالاستقرار‭.‬

ليبيا‭ ‬بلد‭ ‬غني‭ ‬بالموارد،‭ ‬لكن‭ ‬شعور‭ ‬المواطن‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬دائمًا‭ ‬هذا‭ ‬الغنى‭. ‬فبين‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬وتقلبات‭ ‬السوق‭ ‬وتراجع‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية،‭ ‬بات‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الليبيين‭ ‬يعيشون‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬المعيشي‭ ‬رغم‭ ‬وفرة‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية‭. ‬المشكلة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الثروة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬إدارتها‭ ‬وتوجيهها‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬لم‭ ‬تتطور‭ ‬بالسرعة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تطورت‭ ‬بها‭ ‬التحديات‭.‬

تمتلك‭ ‬ليبيا‭ ‬مقومات‭ ‬قادرة‭ ‬نظريًا‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬مستوى‭ ‬رفاه‭ ‬مرتفع،‭ ‬لكن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬بالإيرادات‭ ‬وحدها‭ ‬بل‭ ‬بكفاءة‭ ‬توظيفها‭.‬

فعندما‭ ‬يذهب‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬مصروفات‭ ‬استهلاكية‭ ‬دون‭ ‬بناء‭ ‬قطاعات‭ ‬إنتاجية‭ ‬حقيقية،‭ ‬تتحول‭ ‬الثروة‭ ‬إلى‭ ‬أرقام‭ ‬في‭ ‬الميزانية‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬مشاريع‭ ‬وفرص‭ ‬عمل‭ ‬واستقرارًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬ملموسًا‭.‬

وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ظهرت‭ ‬تحركات‭ ‬حكومية‭ ‬عبر‭ ‬اتفاقيات‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومسارات‭ ‬تعاون‭ ‬تستهدف‭ ‬تنشيط‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتحسين‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشراكات‭ ‬الدولية‭.‬

هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬تمثل‭ ‬مؤشرات‭ ‬إيجابية‭ ‬إذا‭ ‬اقترنت‭ ‬بآليات‭ ‬تنفيذ‭ ‬واضحة‭ ‬ومتابعة‭ ‬مستمرة،‭ ‬لأن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬بلحظة‭ ‬توقيعه‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يحققه‭ ‬من‭ ‬أثر‭ ‬فعلي‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬المواطن‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬ساهمت‭ ‬تقلبات‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬الواردات‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للأسر،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬ثبات‭ ‬بعض‭ ‬الدخول‭ ‬الاسمية‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬قيمة‭ ‬الراتب‭ ‬بحد‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قوته‭ ‬داخل‭ ‬السوق،‭ ‬ومع‭ ‬غياب‭ ‬رؤية‭ ‬اقتصادية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬بقي‭ ‬الاقتصاد‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬اليومية‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬المستدام‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الفرصة‭ ‬قائمة‭ ‬فالإصلاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬بقرارات‭ ‬صادمة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬للموارد،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬في‭ ‬الإنفاق،‭ ‬وربط‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية‭ ‬بمشاريع‭ ‬إنتاجية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬حقيقية‭.‬

عندما‭ ‬يرى‭ ‬المواطن‭ ‬أثرًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬للثروة‭ ‬في‭ ‬خدمات‭ ‬أفضل‭ ‬وفرص‭ ‬أوسع،‭ ‬يتحول‭ ‬الشعور‭ ‬العام‭ ‬تدريجيًا‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬إلى‭ ‬الثقة‭.‬

في‭ ‬النهاية‭ ‬ليست‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬ليبيا‭ ‬فقيرة،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬ثروتها‭ ‬لم‭ ‬تدار‭ ‬بعد‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬المواطن‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭.‬

وبين‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الجديدة‭ ‬وتحديات‭ ‬الواقع،‭ ‬يبقى‭ ‬المعيار‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬فعلاً‭ ‬فالثروة‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بما‭ ‬نملكه‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬المواطن‭ ‬فوقها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى