
يعتمد الاقتصاد الليبي بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، لكن انعكاس هذه الوفرة على الواقع المعيشي ما يزال محدودًا، وهو ما يخلق فجوة واضحة بين المؤشرات الاقتصادية العامة وشعور المواطن اليومي بالاستقرار.
ليبيا بلد غني بالموارد، لكن شعور المواطن لا يعكس دائمًا هذا الغنى. فبين ارتفاع الأسعار وتقلبات السوق وتراجع القوة الشرائية، بات كثير من الليبيين يعيشون حالة من القلق المعيشي رغم وفرة الإيرادات النفطية. المشكلة لم تعد في حجم الثروة، بل في كيفية إدارتها وتوجيهها داخل منظومة اقتصادية لم تتطور بالسرعة نفسها التي تطورت بها التحديات.
تمتلك ليبيا مقومات قادرة نظريًا على تحقيق مستوى رفاه مرتفع، لكن الاقتصاد لا يقاس بالإيرادات وحدها بل بكفاءة توظيفها.
فعندما يذهب جزء كبير من الإنفاق العام إلى مصروفات استهلاكية دون بناء قطاعات إنتاجية حقيقية، تتحول الثروة إلى أرقام في الميزانية بدل أن تصبح مشاريع وفرص عمل واستقرارًا اقتصاديًا ملموسًا.
وخلال الفترة الأخيرة، ظهرت تحركات حكومية عبر اتفاقيات اقتصادية ومسارات تعاون تستهدف تنشيط الاستثمار وتحسين البنية التحتية وتعزيز الشراكات الدولية.
هذه الخطوات تمثل مؤشرات إيجابية إذا اقترنت بآليات تنفيذ واضحة ومتابعة مستمرة، لأن نجاح أي اتفاق لا يقاس بلحظة توقيعه بل بما يحققه من أثر فعلي على حياة المواطن.
في المقابل، ساهمت تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكلفة الواردات في تقليص القدرة الشرائية للأسر، حتى مع ثبات بعض الدخول الاسمية.
لم تعد المشكلة في قيمة الراتب بحد ذاته، بل في قوته داخل السوق، ومع غياب رؤية اقتصادية طويلة المدى بقي الاقتصاد أقرب إلى إدارة الأزمات اليومية منه إلى صناعة الاستقرار المستدام.
ورغم ذلك، لا تزال الفرصة قائمة فالإصلاح الاقتصادي لا يبدأ بقرارات صادمة بقدر ما يحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة للموارد، وتعزيز الشفافية في الإنفاق، وربط الإيرادات النفطية بمشاريع إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية.
عندما يرى المواطن أثرًا مباشرًا للثروة في خدمات أفضل وفرص أوسع، يتحول الشعور العام تدريجيًا من القلق إلى الثقة.
في النهاية ليست المشكلة أن ليبيا فقيرة، بل أن ثروتها لم تدار بعد بالشكل الذي يجعل المواطن يشعر بها في تفاصيل حياته اليومية.
وبين الاتفاقيات الجديدة وتحديات الواقع، يبقى المعيار الحقيقي هو ما يصل إلى الناس فعلاً فالثروة لا تقاس بما نملكه تحت الأرض بل بما يشعر به المواطن فوقها.


