ثقافة

بداية الفصل الأول

إعداد/ سالمة الصغير

مسكينة‭ ‬حبَّة‭ ‬الشَّعير‭ ‬الخضراء،‭ ‬تلك‭ ‬الحبيسة‭ ‬بين‭ ‬أخواتها،‭ ‬يتضح‭ ‬على‭ ‬قشرتها‭ ‬الرّطبة‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تنضج‭ ‬بعد‭. ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬اللون‭ ‬الأخضر‭ ‬يكسوها‭ ‬بعصارة‭ ‬الحياة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ارتدَت‭ ‬الأخريات‭ ‬حلتها‭ ‬الصفراء‭ ‬الناضجة‭ ‬المشرفة‭ ‬على‭ ‬الموت‭! ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬الرياح‭ ‬قد‭ ‬اقتلعتها‭ ‬من‭ ‬مكانها،‭ ‬وقذفت‭ ‬بها‭ ‬بين‭ ‬السنابل‭ ‬المكتملة،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬المزارع‭ ‬قد‭ ‬أغفل‭ ‬أمرها‭ ‬أثناء‭ ‬الحصاد،‭ ‬فاختلطت‭ ‬بالأخريات‭ ‬خطأ،‭ ‬إنها‭ ‬تحاول‭ ‬الفِرار‭ ‬من‭ ‬قبضة‭ ‬السيدة‭ ‬التي‭ ‬تطحن‭ ‬الحبوب‭ ‬بلا‭ ‬هوادة،‭ ‬لقد‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬مصيرها‭ ‬قد‭ ‬حُسم‭. ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬السيدة‭ ‬تُدوّر‭ ‬حجر‭ ‬الرحى،‭ ‬بينما‭ ‬تُلقي‭ ‬بحفنة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الشَّعير‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الرحى،‭ ‬تتناثر‭ ‬حُبيبات‭ ‬الدقيق‭ ‬على‭ ‬الجانبين،‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬مستمرة‭ ‬لا‭ ‬تنقطع،‭ ‬حتى‭ ‬تكتمل‭ ‬العملية‭. ‬للناظر‭ ‬بعين‭ ‬التأمل،‭ ‬تبدو‭ ‬الرحى‭ ‬كأنها‭ ‬السماء‭ ‬والأرض‭ ‬وقد‭ ‬التحمتا،‭ ‬ولم‭ ‬يُفرِّق‭ ‬بينهما‭ ‬سوى‭ ‬شق‭ ‬صغير‭ ‬تنساب‭ ‬منه‭ ‬ذرات‭ ‬الطحين‭ ‬ببطء،‭ ‬كأنها‭ ‬أنفاس‭ ‬حياة‭ ‬تُنتزع‭ ‬من‭ ‬الحبيبات‭. ‬لطالما‭ ‬تخيّلتُ‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬يشبهون‭ ‬حبّات‭ ‬الشعير‭ ‬تمامًا،‭ ‬تُطحن‭ ‬أرواحهم‭ ‬كما‭ ‬تُطحن‭ ‬الحبوب‭. ‬اللب‭ ‬الصافي‭ ‬يغدو‭ ‬غذاءً‭ ‬لغيرهم،‭ ‬أما‭ ‬القشور،‭ ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬تُنخل‭ ‬لتصبح‭ ‬علفًا‭ ‬للماشية،‭ ‬أو‭ ‬تُرمى‭ ‬لتُداس‭ ‬بالأقدام‭ ‬حتى‭ ‬تختلط‭ ‬بالتراب؛‭ ‬الزمن‭ ‬بدوره‭ ‬يجر‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف،‭ ‬رحلة‭ ‬بلا‭ ‬تمييز‭ ‬بين‭ ‬ناضج‭ ‬وغير‭ ‬ناضج،‭ ‬الكل‭ ‬في‭ ‬طاحونة‭ ‬الحياة‭ ‬سواء‭. ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬تظل‭ ‬تلك‭ ‬الحبّة‭ ‬المخضرّة‭ ‬تحاول‭ ‬التملّص،‭ ‬تدفع‭ ‬أخواتها‭ ‬الناضجات‭ ‬إلى‭ ‬الأعلى‭ ‬لتختبئ‭ ‬في‭ ‬أسفل‭ ‬الكيس‭. ‬لكنها‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬محاولاتها،‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬دورها‭ ‬سيحين‭ ‬عاجلًا‭ ‬أم‭ ‬آجلًا،‭ ‬لتُسحق‭ ‬كغيرها،‭ ‬وتشهد‭ ‬مصيرها‭ ‬القاسي‭!‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى