
مسكينة حبَّة الشَّعير الخضراء، تلك الحبيسة بين أخواتها، يتضح على قشرتها الرّطبة أنها لم تنضج بعد. لا يزال اللون الأخضر يكسوها بعصارة الحياة، في حين ارتدَت الأخريات حلتها الصفراء الناضجة المشرفة على الموت! ربما كانت الرياح قد اقتلعتها من مكانها، وقذفت بها بين السنابل المكتملة، أو ربما كان المزارع قد أغفل أمرها أثناء الحصاد، فاختلطت بالأخريات خطأ، إنها تحاول الفِرار من قبضة السيدة التي تطحن الحبوب بلا هوادة، لقد أدركت أن مصيرها قد حُسم. لا تزال السيدة تُدوّر حجر الرحى، بينما تُلقي بحفنة أخرى من الشَّعير في قلب الرحى، تتناثر حُبيبات الدقيق على الجانبين، في دورة مستمرة لا تنقطع، حتى تكتمل العملية. للناظر بعين التأمل، تبدو الرحى كأنها السماء والأرض وقد التحمتا، ولم يُفرِّق بينهما سوى شق صغير تنساب منه ذرات الطحين ببطء، كأنها أنفاس حياة تُنتزع من الحبيبات. لطالما تخيّلتُ أن البشر يشبهون حبّات الشعير تمامًا، تُطحن أرواحهم كما تُطحن الحبوب. اللب الصافي يغدو غذاءً لغيرهم، أما القشور، فإما أن تُنخل لتصبح علفًا للماشية، أو تُرمى لتُداس بالأقدام حتى تختلط بالتراب؛ الزمن بدوره يجر الجميع في رحلة لا تتوقف، رحلة بلا تمييز بين ناضج وغير ناضج، الكل في طاحونة الحياة سواء. ومع هذا تظل تلك الحبّة المخضرّة تحاول التملّص، تدفع أخواتها الناضجات إلى الأعلى لتختبئ في أسفل الكيس. لكنها رغم كل محاولاتها، تدرك أن دورها سيحين عاجلًا أم آجلًا، لتُسحق كغيرها، وتشهد مصيرها القاسي!