
»تحت خيمة الرماد» للدكتورة الكاتبة صباح شاقور والصادرة عن دار البيان والجابر، هي ليست رواية بالمعنى التقليدي للحبكة وتطور الأحداث، بقدر ما هي مونولوج داخلي طويل لامرأة مفجوعة، تصارع صدمتها بعد اكتشاف خيانة زوجها ، بعد خمسة وعشرون عامًا من الزواج، حيث انهارت دفعة واحدة حين علمت بولعه بإقامة علاقات شهوانية، رغم مظهره كرجل دين وشيخ طويل اللحية كانت تحوطه بالاحترام والتقدير أمام الناس.
تبدو لغة الرواية متأثرة إلى حدٍّ كبير بلغة جبران خليل جبران فهي لغة شاعرية ذات نفَس بلاغي، لكنها تنحو في كثير من الصفحات نحو العاطفة المفرطة والوعظ الأخلاقي وعلى امتداد صفحات الكتاب الـ 121، يتهادى صوت المونولوج الداخلي للمرأة، الذى يصف لوعتها وفجيعتها وخيبة روحها، التي تصب فيها على الزوج أو الطليق أقذع الأوصاف.
اللغة تميل إلى النثر الشعري الذي يفيض بصور مكثّفة، مثل قولها:
»رجل يعدّ لاغتيالي، قاتلٌ يرتدي قميص الدم، يهيئ لي كفنًا، ويؤجج مواسم احتراقي ،لأكون دفترًا في انطفاء الوقت، متناسيًا أني شجرة اللوز؛ فمن يبعثرني في التراب؟ لأكون أشباه الزهر على الغصون»
ويمضي النص الحكائى الطويل في انهماره، مسكونًا بروح الاقتباس من محمود درويش، وكافكا،و نيتشه ودوستويفسكي، وجبران، إلى جانب حواريات داخلية متعددة الأطياف من خلال الأنا الأنثوية الملعونة بجرح خيانتها، عبر دلالة الصور الاستعارية المتناثرة ،من الطريق الذي يخاطبها بصوت بشري ليخفّف عنها اللوعة والنار المشبوبة فى صدرها، وصورة الفراشة التي تهمس لها بالتماسك والسكينة، في تناص مع إشراقاتٍ دينية وروحية واضحة.
ويظهر «الآخر» الذي تسميه بـ المجهول، وهو الزوج الغادر الذي تصوّره كثعبان ينفث سمّه في جسدها، فتقطع وتبتر يدها لتتخلص من سمه، وتذيّل المشهد بكلمات شمس الدين التبريزي دون الإشارة إليه:
«عندما أخبرته أن قلبي من طين، وأنني لن أصالح من طعَنني مرتين، سخر مني لأن قلبه من حديد. فقلت له حينها: ستمطر… وسيزهر قلبي… وسيصدأ قلبك»
»تحت خيمة الرماد» هو نشيج امرأة مكلومة، يتقد فيه صوت أنثوي مكسور بكبرياء جريح، يصرخ في وجه الخيانة والغدر، بصفحات تتوهج بمونولوج تتخلله حواريات مع الزوج، والابنة، والمجهول، مع شذرات قليلة تشير إلى تفاصيل الحكاية التي تحيطها الكاتبة بهوامش وتأملات كثيفة، كما في قولها:
«أحيانًا نحتاج إلى بداية جديدة، إلى نقطة من أول السطر، لنعيد ترتيب أوراقنا، لفتح صفحة لم يكتب فيها حرف أو كلمة واحدة، صفحة لم تلوثها خيبة، ولم تشهد غدر يوسف وغيابات الجب. ربما نحتاج أن نكون مثل فصل الخريف، نترك فيه ما يؤلمنا، ليتساقط ما داخلنا، فتفتح الأبواب لربيع قادم.»
وفي النهاية، تختم المرأة التي تطلق على نفسها لقب «شجرة اللوز حديثها بوصف النيران التي التهمت كل ما حولها، قبل أن ترحل في سفينة تحملها بعيدًا عن الماضي
»خيمة تحت الرماد» للكاتبة صباح شاقور، بدت لي كصرخة أمرأه مكلومة، وجدت نفسها أمام خراب فجائي خيانةٌ هزّت ثقتها بالعالم وبذاتها، وبأنوثتها فدفعتها إلى الكتابة كفعل نجاة، هي مساحة اعتراف تُسقط فيها ثقل الألم، وتعيد فيها ترتيب ما تبقّى من كرامتها المكسورة، تكتب لأنها لا تجد طريقًا آخر تتنفس منه ولتلملم شظاياها، ولتمنح جرحها لغة تستطيع حمله.
مونولوج عميق معبر عن صدى، لفجيعة امرأة في شريك ربع قرن من الزمان، أنتج براعم صغيرة، فجعوا هم أيضا بخيانة والدهم، وخروجه من حياتهم
شجرة اللوز» تحاول أن تستعيد ذاتها من بين رماد الخيانة وكما لو ان الصوت الأنثوى لا يروى الحكاية، بل تنهمر كلماتها لتخلّص قلبها من النزيف، فجاء مونولوجًا يشبه بكاءً طويلًا لا يُسمَع، لكنه يُكتب صبّت من خلاله الذات الكاتبة في صفحاته ارتجاج روحها وارتباك أنوثتها، وارتباك العالم من حولها. كل جملة فيها هي محاولة للوقوف، وكل صورة استعارة لذات تحترق لكنها ترفض أن تنطفئ، هو بوح امرأة مطعونة، تحاول أن تبني لنفسها خيمة صغيرة تحت الرماد، كي تستعيد صوتها قبل أن تستعيد حياتها لتمضي بدون وجود المكنى «بالرجل »المجهول» في حياتها من جديد.



