
في السادسة صباحًا، يغادر محمود بيته المتواضع قبل أن يستيقظ أطفاله. يقفل الباب وراءه بهدوء، يبتسم لجاره، ويحيّي المارة وكأنَّ الحياةَ ما زالتْ تمنحه أسبابًا للطمأنينة. لا أحد يعلم أن هذا الرجل الأربعيني يحمل في جيبه قائمة ديون أطول من يومه: قسط إيجار الحوش، أقساط المدارس، فواتير الكهرباء، ديون البقال، ووعود مؤجلة لأطفاله لا يعرف متى يفي بها..؟!!.
محمود يضحك، يمزح، ويُتقن دور الرجل القوي، لكنَّه في داخله منهكٌ، موجوع، تتآكل صحته صامتًا. لا يشكو، لا يبوح، لأن المجتمع لا يمنح الرجل حق الانكسار… فقط يطالبه بالتحمّل.
في مجتمع يعد الرجولةَ عنوان القوة والتحمّل، يعيش الرجل الليبي اليوم صراعًا صامتًا بين صورة مفروضة وتحديات واقعية خانقة. لا يبكي، لا يتذمّر، لا ينهار؛ لكن في الداخل تتبخر أحلامه، وتنهار صحته النفسية تحت وطأة ضغط اجتماعي واقتصادي لا يُحتمل.
هذا ليس مجرد شعار اجتماعي، بل حياة رجال يتحملون أعباءً تفوق قدراتهم البشرية، بلا رفيق يشعر بهم، أو إطار اجتماعي يتيح لهم الاعتراف بضعفهم،
أو طلب الدعم.
قصص رجال .. شهادات بلا أقنعة
ياسين ربّ أسرة وموظف بسيط، يقول: أعمل 12 ساعة يوميًا لأعيل أسرتي، وأعود لأجد بانتظاري فواتير وأقساط.
لا أستطيع أن أبكي في وجه أبنائي، ولا أستطيع أن أقول لزوجتي أنني منهك. الرجولة عندنا تعني الصمت والصلابة، حتى وإن انهار القلب من الداخل.
يضيف بابتسامة مريرة:
بعض الأيام أشعر أنني أمشي كظل… أقنع كل النَّاس أنني بخير، بينما حتى نفسي أصبحتْ غريبة عني.
أشرف شاب عازب يكافح البطالة، يقول: كل من حولي يتوقع أنّ أُسَّس عائلة وأُعيلها؛ لكن كيف؟! لا عمل، لا دخل ثابت، ولا آفاق واضحة! كل يوم أسمع من وجوه حولي: الرجل يجب أن يكون معيلًا؛ لكن مَنْ يعيلني؟.
ويضيف: غالبًا أرفض حتى الحديث عن ما يؤرقني… لأن مجرد الاعتراف بالقلق أو الخوف يُعدّ نقطة ضعف،
يعقوب مدرّس ووالد لأربعة أبناء: أحسّ أحيانًا حياتي مجرد تكرار المعاناة نفسها… أتحمّل الضغوط وحدي، لأن المجتمع لا يقبل أن يرى الرجل ضعيفًا، أو محتاجًا.
عبد الله : أعود للبيت وأجلس مع أولادي، أضحك معهم، لكن رأسي ممتلئًا بالحسابات.
أحيانًا أنام وأنا أفكر: كيف سأدبر غدًا؟ لا أستطيع أن أُظهر لهم خوفي… الرجل عندنا لا بد أن يكون صامدًا مهمًا صار.
بلقاسم عامل حر .. أبٌ لثلاثة أطفال: كنتُ أظن أن التعب يذهب مع العمل، لكن الحقيقة أن العمل صار عبئًا.
أشتغل طول النهار، والدخل لا يكفي. صرتُ عصبيًا، سريع الغضب ثم ألوم نفسي لأنني لم أعد الرجل الهادئ الذي كنتُه.
خالد أنا عاطل عن العمل منذ عامين: أكبر ضغط أعيشه هو نظرة النَّاس.
كل سؤال: شن أخبار الشغل؟ يجرحني. أحس نفسي ناقصًا، مع أن الظروف أكبر مني. أفكر أحيانًا أن أختفي فقط لأرتاح.
علي يقول : جسدي تعب قبل روحي. ضغط الدم، الأرق، آلام الصدر.
الطبيب يقول توترًا مزمنًا. كيف لا أتوتّر وأنا مسؤول من أسرة كاملة بلا أي ضمان؟
الرجولةُ كما يريدها المجتمع .. عبء لا يُناقش
في الثقافة السائدة، يُرتبط مفهوم الرجولة بالقدرة على الصرف والتحمّل والصمت. الشكوى ضعف، التعب عيب، والاعتراف بالعجز سقوط. هذا القالب الصارم جعل آلاف الرجال يعيشون معاناتهم في الخفاء، ويدفعون أثمانًا نفسية وجسدية باهظة.
تقول د. خديجة أختصاصية نفسيّة:
المجتمع الليبي يغذي نمط الرجولة التقليدي الذي يرفض الضعف، ويعتبر أن الرجل يجب أن يكون عمود البيت بلا استراحة أو شكوى.
هذه التوقعات تخلق حالة من الضغط النفسي المستمر يؤدي إلى القلق المزمن، الاكتئاب، وحتى العنف الداخلي غير المعلن.
وتوضح: الرجل الذي يعيش حالة من عدم التعبير عن مشاعره يخلق داخل نفسه مساحة من التوتر الزائد، مما يجعله أكثر عرضة للإجهاد الذهني والبدني، ويقلَّل من قدرته على التواصل الصحي مع أسرته ومجتمعه.
من ناحية اجتماعية، يشير أ. علي عمر باحث اجتماعي إلى أن:
المجتمع الليبي لازال مرتبطًا بقوالب نمطية تعكس فكرة أن الرجل الحنون، المعترف بمشكلاته، فهو «مهزوز» مثل هذا التصنيف يضيّق الهوامش المتاحة للرجل للتعبير عن ذاته، أو طلب المساعدة.
ويضيف: الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وزيادة تكاليف المعيشة تُضاعف الضغط، والرجل يُلقى عليه عبء المعيل، بينما لا توجد آليات دعم أو شبكات أمان اجتماعي تكسر دائرة العجز والضغط النفسي.
نتائج وتداعيات غير معلنة
أجمع الاختصاصيون أن للضغط المستمر على الرجل آثارًا اجتماعية عميقة تشمل:
- تراجع التواصل الأسري: عندما يتجنب الرجل الحديث عن مشاعره وتجاربه، تتدهور الروابط مع الزوجة والأبناء.
- ازدياد حالات العنف اللفظي أو الانسحاب الاجتماعي: يشعر الرجل أنه غير مفهوم في بيئته، فيلجأ إلى العنف، أو العزلة كآليات دفاع.
المشكلات النفسية غير المعالجة: القلق، الأرق، الشعور بعدم القيمة، وحتى الرغبة في الهروب من الواقع.
صوت من داخل المجتمع
نجوى تقول: زوجي لا يتحدث عن معاناته، أرى في عينيه الحزنَ أحيانًا، لكنه يقول ليَّ: أنا بخير .. هذه الكلمات تكسّرني، لأنني أعرف أنها غير صحيحة.
شاب آخر، عماد، يضيف:
نحن نشاهد الرجل كصورة وقدوة، لكننا لا نُعطيه مساحة ليكون إنسانًا يتعب، أو يخاف، أو حتى يفشل.
في مجتمع لا يعترف بضعف الرجل ولا يمنحه مساحة للتعب، أو الاعتراف بالضغط النفسي، أو الاقتصادي، تتكون فقاعة صمت تهدَّد النسيج الاجتماعي من داخله.
لا يمكن معالجة مشكلات الأسرة، العنف، البطالة، أو الصحة النفسية إذا ظل الرجل محاصرًا بين صورة استعراضية للرجولة وقسوة واقع لا ترحم.
الاعتراف بالضغط ليس ضعفاً، بل خطوة نحو صحة نفسية أفضل، وعلاقات أسرية أقوى، ومجتمع أكثر توازنًا.
إن القبول بأن الرجال بشر لديهم مشاعر، وأعباء، وأن توفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم ليس ترفًا بل ضرورة، هو خطوة جوهرية نحو استدامة المجتمع الليبي لا يمكن تجاهلها.
الرجل الليبي لا يحتاج إلى شفقة، بل إلى اعتراف اجتماعي بإنسانيته. الاعتراف بأن الضغط الحقيقي، وأن الحياة أثقل مما تبدو، وأن الصمت لم يعد دليل قوة بل سبب انهيار بطيء.
كسر صورة الرجولة القاسية ليس تهديدًا للمجتمع، بل إنقاذًا له. فحين يُسمح للرجل أن يتكلم، يتنفس، ويطلب الدعم، فقط عندها يمكن أن تستعيد الأسرة توازنها، ويستعيد المجتمع عافيته.


