اجتماعي

جبر‭ ‬الخاطر

فايزة العجيلي

في‭ ‬أحد‭ ‬الأحياء‭ ‬القريبة‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬شابٌ‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬عمر‮»‬‭ ‬‭ ‬ملامحه‭ ‬هادية‭ ‬لكن‭ ‬عيونه‭ ‬تحكي‭ ‬وجعًا‭ ‬كبيرًا‭. ‬من‭ ‬يوم‭ ‬توفتْ‭ ‬أمه‭ ‬الدنيا‭ ‬تبدلتْ‭ ‬عليه‭. ‬البيت‭ ‬اللي‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬دفء‭ ‬أصبح‭ ‬‮«‬باردًا‮»‬،‭ ‬صار‭ ‬هو‭ ‬ووالده‭ ‬المريض‭ ‬يواجهان‭ ‬الحياة‭ ‬بروحهم‭.‬

أبوه،‭ ‬اللي‭ ‬كان‭ ‬يومًا‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬سندًا،‭ ‬كسره‭ ‬المرض‭ ‬والتعب‭ ‬بعد‭ ‬فقدان‭ ‬زوجته،‭ ‬وصار‭ ‬بالكاد‭ ‬يقوى‭ ‬على‭ ‬الحركة‭.‬

‮«‬عمر‮»‬‭ ‬رغم‭ ‬صغر‭ ‬سنه‭ ‬حمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬يشتكي‭. ‬بين‭ ‬قرايته‭ ‬وخدمته‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬نفسه‭:‬

لازم‭ ‬نوقف‭ ‬معاه‭ ‬‮…‬‭ ‬هذا‭ ‬أبوي‭.‬

كمل‭ ‬دراسته‭ ‬بصعوبة،‭ ‬وكان‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يطلع‭ ‬يدور‭ ‬على‭ ‬شغل‭. ‬مرات‭ ‬يرجع‭ ‬‮«‬مكسور‭ ‬الخاطر‮»‬،‭ ‬ومرات‭ ‬يقول‭: ‬‮«‬رزقي‭ ‬جاي‮…‬‭ ‬نصبر‭ ‬بس‮»‬‭.‬

وبعد‭ ‬عناء‭ ‬طويل‭ ‬لقى‭ ‬خدمة‭ ‬بسيطة‭ ‬لكنها‭ ‬كانتْ‭ ‬بداية‭ ‬النُّور‭.‬

صار‭ ‬يومه‭ ‬يبدأ‭ ‬بكري‭ ‬يخدم،‭ ‬ويرجع‭ ‬يطبخ‭ ‬وينظف‭ ‬ويهتم‭ ‬بوالده،‭ ‬ويسهر‭ ‬جنبه‭ ‬في‭ ‬الليالي‭ ‬الصعبة‭. ‬عمره‭ ‬ما‭ ‬حسها‭ ‬تضحية‭..‬كان‭ ‬شايفها‭ ‬واجب‭  ‬وشيء‭ ‬من‭ ‬الوفاء‭.‬

عدت‭ ‬السنين،‭ ‬وحاله‭ ‬المادي‭ ‬تحسن‭ ‬شوية‭ ‬بشوية‭. ‬وفي‭ ‬خدمته‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬بنت‭ ‬تراقبه‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬شافت‭ ‬فيه‭ ‬حاجة‭ ‬مختلفة‮…‬‭ ‬‮«‬راجل‭ ‬بحق‭ .. ‬مش‭ ‬كلام‭ ‬بس‮»‬‭.‬‭ ‬لما‭ ‬عرفت‭ ‬قصته‭ ‬احترمته‭ ‬أكثر‭ ‬وقربت‭ ‬منه‭.‬

تزوجها،‭ ‬وكانت‭ ‬نعم‭ ‬الزوجة‮…‬‭ ‬وقفت‭ ‬معاه‭ ‬واحتضنت‭ ‬بوه‭ ‬كأنه‭ ‬أبوها‭. ‬البيت‭ ‬اللي‭ ‬كان‭ ‬‮«‬ساكت‭ ‬وحزين‮»‬،‭ ‬رجع‭ ‬فيه‭ ‬الضحك‭ ‬والحياة‭. ‬وربي‭ ‬رزقهم‭ ‬بأطفال،‭ ‬مليوا‭ ‬المكان‭ ‬فرح‭ ‬بعد‭ ‬سنين‭ ‬من‭ ‬الصبر‭.‬

و‮«‬عمر‮»‬  ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يشوف‭ ‬حياته‭ ‬كيف‭ ‬تبدلتْ‭ ‬يتذكر‭ ‬أيام‭ ‬التعب‭ ‬ويقول‭: ‬‮«‬ما‭ ‬ضاع‭ ‬شي‮…‬‭ ‬ربي‭ ‬ما‭ ‬ينساش‮»‬‭.‬

العبرة‭ : ‬اللي‭ ‬يبر‭ ‬والديه‭ ‬ويصبر‭ ‬على‭ ‬الشدة،‭ ‬ربي‭ ‬يجبر‭ ‬خاطره‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬اللي‭ ‬ما‭ ‬يتوقعش‭ ‬فيه‮…‬‭ ‬‮«‬ويعوضه‭ ‬خير‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬اللي‭ ‬فات‮»‬‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى