ثقافة

«جمهورية كأنّ» تشريح روائي للثورة المجهضة

سميرة البوزيدي

تظل‭ ‬ثورة‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬يناير‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬نقطة تحوَّل‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر؛‭ ‬حيث‭ ‬شكّلتْ‭ ‬مادة‭ ‬خصبة‭ ‬للأدباء،‭ ‬لاستكشاف‮ ‬تداعياتها‭ ‬وصراع‭ ‬قيمها‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تأتي‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬جمهورية‭ ‬كأنَّ‮»‬‭ ‬للروائي‭ ‬علاء‭ ‬الأسواني،‮ ‬كإحدى‭ ‬أبرز‭ ‬المحاولات‭ ‬لتقديم‭ ‬بانوراما‭ ‬متكاملة‭ ‬للثورة،‭ ‬ليس‭ ‬بوصفها‭ ‬حدثاً‭ ‬سياسياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كاشفة‭ ‬للهوة‭ ‬السحيقة‭ ‬بين‭ ‬أحلام‭ ‬الشباب‭ ‬وطموحاتهم،‭ ‬وبين‭ ‬صلابة‭ ‬واستمرارية‭ ‬الدولة‭ ‬العميقة‭ ‬وفسادها‭.‬

يُعد‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬جمهورية‭ ‬كأنَّ‮»‬  ‬مفتاحاً‭ ‬نقدياً‭ ‬للرواية‭ ‬بأكملها،‮ ‬فالجمع‭ ‬بين‭ ‬الكلمتين‭ ‬يخلق‭ ‬تناقضاً‭ ‬جدلياً‭ ‬قوياً‭ ‬تشير‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬جمهورية‮»‬،‭ ‬إلى الإطار‭ ‬السياسي‭ ‬الرسمي‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬العدالة‭ ‬،‮ ‬أما‭ ‬أداة‭ ‬‮«‬كأنّ‮»‬‭ ‬فتدخل‭ ‬لتعري‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬من‭ ‬محتواه،‭ ‬مُحيلة‭ ‬إلى‭ ‬التشبيه‭ ‬والتخييل‭ ‬والظن‭.‬

العنوان‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الكيان‭ ‬القائم‭ ‬هو‭ ‬‮«‬جمهورية‭ ‬موهومة‮»‬‭ ‬كيان‭ ‬يتشابه‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬مع‭ ‬الجمهورية،‭ ‬لكنه في‭ ‬جوهره‭ ‬يجسد‭ ‬مرارة‭ ‬الإحباط‭ ‬واليأس،‭ ‬من‭ ‬تحول‭ ‬الحقيقة‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬متخيل‭ ‬جماعي،‭ ‬ليصبح‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬‮«‬كأن‭ ‬شيئاً‭ ‬لم‭ ‬يكن‮»‬‭.‬

تعدد‭ ‬الأصوات‭ ‬في‭ ‬الرواية

تنجح‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬تشريح‭ ‬نقدي‭ ‬عميق،‭ ‬للواقع‭ ‬المصري‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورة؛‭ ‬حيث‭ ‬استخدم‭ ‬‏الأسواني‭ ‬تعدد‭ ‬الأصوات‭ ‬والشخصيات،‭ ‬ليرسم‭ ‬فسيفساء‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬لم‭ ‬‏تسقط،‭ ‬بل‭ ‬تم‭ ‬سرقتها‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬وهم‭ ‬مُعلَن،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يلخصه‭ ‬العنوان‭ ‬ببراعة‭.‬‏

اعتمد‭ ‬الأسواني‭ ‬على‭ ‬تقنية‭ ‬تعدد‭ ‬الأصوات‭ ‬ليمثل‭ ‬كل‭ ‬شخصية‭ ‬شريحة‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬قوة‭ ‬سياسية‭ ‬فاعلة،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬الرواية‭ ‬بانوراما‭ ‬حقيقية‭ ‬للشارع‭ ‬المصري

يطرح‭ ‬الروائي‭ ‬علاء‭ ‬الأسواني‭ ‬سردية‭ ‬الثورة‭ ‬المصرية،‮ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شخصيات‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬‏الحالمين‭ ‬الذين‭ ‬خرجوا‭ ‬إلى‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬بالقاهرة‭ ‬في‭ ‬مظاهرات‭ ‬عارمة‭ ‬ضد‭ ‬نظام‭ ‬حسني‭ ‬‏مبارك‭ ‬وتحكي‭ ‬الرواية‭ ‬قصة‭ ‬ثورة‭ ‬25‭ ‬يناير‭ ‬،من‭ ‬خلال‭ ‬شخصياتها‭ ‬الشاب‭ ‬خالد،‭ ‬الطالب‭ ‬الفقير‭ ‬‏البسيط‭ ‬الحالم‭ ‬بالتغيير،‭ ‬ومازن،‭ ‬الموظف‭ ‬بمصنع‭ ‬حكومي‭ ‬باعته‭ ‬الحكومة‭ ‬لمستثمر‭ ‬إيطالي،‭ ‬‏عمل‭ ‬على‭ ‬إهماله‭ ‬وتركه‭ ‬للإفلاس،‭ ‬وأسماء‭ ‬التي‭ ‬التقى‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬التحرير‭ ‬وأعجبته‭ ‬شجاعتها‭ ‬‏وجرأتها‭ ‬في‭ ‬النضال

يمثل‭ ‬خالد،‭ ‬الطالب‭ ‬الفقير،‭ ‬الروح‭ ‬النقية‭ ‬لثورة‭ ‬يناير،‮ ‬ببساطته‭ ‬ومطلبه‭ ‬للعدالة‭ ‬يجسدان‭ ‬الدافع‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬والأخلاقي‭ ‬للثورة،‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬أطماع‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬المال،‮ ‬ومقتله‭ ‬برصاص‭ ‬الشرطة‭ ‬أمام‭ ‬عيني‭ ‬زميلته‭ ‬دانية‭ ‬هو‭ ‬لحظة‭ ‬رمزية‭ ‬بامتياز،‮ ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حادث‭ ‬فردي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬اغتيال‭ ‬متعمد‭ ‬للحلم‭ ‬نفسه،‭ ‬وإعلان‭ ‬لانتصار‭ ‬القوة‭ ‬القامعة‭ ‬على‭ ‬الأمل‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬التغيير و كان‭ ‬خالد‭ ‬الوقود‭ ‬الذي‭ ‬أضاء‭ ‬الطريق‭ ‬للحظة‭ ‬قصيرة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُخمد‭ ‬نيرانه‭.‬

وتقع‭ ‬‮«‬دانية‮»‬‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ ‬والدها‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬خروجها‭ ‬ومشاركتها‭ ‬في‭ ‬المظاهرات،‭ ‬ثم‭ ‬تُقدم‭ ‬على‭ ‬‏محاولة‭ ‬للشهادة‭ ‬ضد‭ ‬الشرطي‭ ‬الذي‭ ‬قتل‭ ‬زميلها‭ ‬خالد‭ ‬في‭ ‬الميدان

يقف‭ ‬الضابط‭ ‬حازم‭ ‬‮«‬والد‭ ‬دانية‮»‬‭ ‬على‭ ‬النقيض‭ ‬تماماً،‭ ‬ممثلاً‭ ‬العقلية‭ ‬الأمنية‭ ‬الصلبة،‭ ‬ونخبة‭ ‬الدولة‭ ‬العميقة‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬نفسها‭ ‬الحارس‭ ‬الأوحد‭ ‬للوطن،‮ ‬ورفضه‭ ‬مشاركة‭ ‬ابنته‭ ‬في‭ ‬المظاهرات‭ ‬وصراعه‭ ‬معها‭ ‬يجسدان‭ ‬انقسام‭ ‬البيت‭ ‬المصري،‮ ‬بين‭ ‬جيل‭ ‬يرى‭ ‬الحماية‭ ‬في‭ ‬القمع،‭ ‬وجيل‭ ‬يرى‭ ‬التغيير في‭ ‬الثورة،‮ ‬ودوره‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬كان‭ ‬مستعداً‭ ‬للتضحية‭ ‬بالروابط‭ ‬الأسرية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬سلطته،‭ ‬مما‭ ‬يكشف‭ ‬الوجه‭ ‬القبيح‭ ‬لمؤسسات‭ ‬ظلتْ‭ ‬تعمل‭ ‬خلف‭ ‬الكواليس‭ ‬لإجهاض‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬للإصلاح‭ ‬الحقيقي‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى