
في هذا التحقيق صحيفة )فبراير( تتبع خيوط الأزمة، والاستماع إلى صوت المواطن وكشف ما إذا كانتْ هذه الارتفاعات نتيجة طبيعية لظروف اقتصادية، أم أنها حلقة جديدة في مسلسل الاحتكار الذي يمارسه أغلب التجار خلال شهر رمضان من جهة، وبين تضارب تصريحات الجهات المعنية وشكاوى التجار من ارتفاع التكلفة من جهة أخرى. وفي ظل صمت بعض الجهات الرقابية تبقى الحقيقة غائبة ويبقى السؤال قائمًا:
مَنْ المسؤول عن فوضى الأسعار كلما هلّ هلال رمضان؟
أ. مروة مفتاح ناشطة قانونية قالت الإجابة ليست جهة واحدة بعينها بل هي مسؤولية متشابكة بين عدة أطراف منها :
أولاً ضعف الرقابة الرسمية فعندما تغيب الرقابة الفعالة من الجهات المختصة مثل : وزارة الاقتصاد والتجارة، والأجهزة الضبطية يفتح المجال لبعض التجار لرفع الأسعار دون رادع، أو تسعيرة منضبطة. ثانياً بعض التجار والمضاربين فهناك من يستغل زيادة الطلب في رمضان لتحقيق أرباح سريعة عبر الاحتكار، أو رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه خاصة في السلع الأساسية كـ)الزيت الطهي والطماطم(. ثالثاً خلل منظومة التوريد والاعتمادات التأخير في فتح الاعتمادات، أو اضطراب في سلاسل الإمداد ينعكس مباشرة على السوق المحلي؛ فتقل السلع وترتفع أسعارها.
رابعاً ضعف حماية المستهلك وثقافة الإبلاغ عندما لا تُفعّل أدوات الشكوى والمتابعة بجدية أو لا يتقدم المواطنون ببلاغات موثقة ستبقى التجاوزات دون محاسبة.
خامساً سلوك استهلاكي موسمي؛ حيث يتسبب الاندفاع الكبير في الشراء قبل رمضان إلى ضاعف الطلب فجأة ما يمنح السوق فرصة لرفع الأسعار في ظل غياب ضبط حقيقي.
من جهته قال أ. محمد إبراهيم مستشار مصرفي. تؤثر تغيرات سعر الصرف على ارتفاع الأسعار في السوق المحلي مع اقتراب شهر رمضان مما جعل حال الشعب الليبي اليوم يتطلب منه وقفة ضمير حقيقية في ظل الغلاء المتصاعد وضعف الدخل وتراجع الخدمات فما يعيشه المواطن لم يعد مجرد أرقام بل معاناة تمس كرامته وحقه في العيش وتوفر الأمن الغذائي.
مؤكداً أن المسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات والأفراد ولا سبيل إلا بتكاتف الجهود ورفع صوت الحق وإحياء قيم العدل والتكافل حتى تستعيد ليبيا أمنها ورخاءها.
وفي سياق البحث عن أسباب الغلاء أشار إبراهيم إلى نشره بيانًا بعنوان )بيان رفض قرار رفع سعر الدولار المصرفي( عبّر فيه عن رفضه لما وصفه بتداعيات اعتماد سعر جديد للدولار المصرفي وما ترتب عليه من ضرائب وعمولات إضافية. كما دعا إلى مراجعة القرار، أو إلغائه وفتح حوار وطني شامل يفضي إلى سياسات مالية عادلة تحمي المواطن وتكافح الفساد وتحقق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
من جانبها قالت د. ليلى الاسطى دبلوماسية ورئيس شبكة «سيدات ليبيا» أن الزيت موجود في مول «عين زارة»؛ حيث يسمح بشراء علبتين زيت فقط وقبل سحب التجار زيت الطهي من الأسواق لبيعه في شهر رمضان كانوا يعطون بالصندوق ولكن بسبب عدم وعي المواطن تم استغلال حاجته وحاجة غيره مما دفع بأصحاب الأسواق تحديد بيع 4 علب من زيت الطهي وفي استمرار هذه الأزمة تم تحديد بيع علبتين فقط وأوضحت وجدود مشكلة عدم القناعة لدى المواطن فبعض العائلات تتردَّد كل يوم على الأسواق وتتزاحم للحصول على حصة غيرها من الزيت المدعوم.
مؤكدة على توفر الزيت لكن أصحاب المحال احتكروه فتم وضعه في مخازنهم وذلك بسبب فرض وزارة الاقتصاد ضريبة التسعيرة فكان رد التجار «إنبعيوا بخسارة لا» لذلك فإن مشكلة عدم الوعي بأهمية توفر قوت العائلة ظهرت من خلال استغلال التاجر لمواطن.
وأكدتْ «الأسطى» لو تم قفل المحال من بداية بروز مشكلة سحب الزيت المدعوم لتوفر الزيت المدعوم.
وفي سياق آخر قالت لقد تبعتُ مشكلة سحب الزيت المدعوم وغيره زيادة في أسعار باقي المواد الغذائية والأجهزة الكهربائية المنزلية. وحتى ملابس العيد وصلت بدلة أطفال 700و800و900دينار وهذه مشكلة ترهق أصحاب المعاشات الصغيرة لن يشتروا لأطفالهم بسبب الاستغلال.
وأشارتْ إلى وجود أمل لحل مشكلة زيادة الأسعار يوم السبت في المجلس الأعلى لدولة من خلال ورشة عمل على الاقتصاد
وفي السياق ذاته أكدتْ سامية عمران محامية وجود مشكلة موائد مهددة في شهر الرحمة بزيادة في أسعارها مثل : البيض الذي وصل سعره بـ25 دينارًا، وزيت الطهي مفقود من الأسواق خاصة مع ضبط الحرس البلدي والجهات الأمنية بعض الأسواق التجارية زادت في سعره رغم حصولها على اعتماد مصرفي، وكذلك ضبط بعض المخازن التي سحبت جميع أنواع الزيوت لأجل بيعها بسعر مرتفع في أيام شهر رمضان المبارك. وأوضحت إن فوضى الأسعار ليستْ قدرًا محتومًا بل نتيجة تراكم تقصير رسمي وجشع فردي وخلل إداري وسلوك استهلاكي غير منظم.
وأشارتْ أن الحل يبدأ برقابة مستمرة طول أشهر السنة ويجب أن تكون حازمة وشفافية في التسعيرة ومساءلة علنية لكل من يعبث بقوت المواطن.
وقال أ. حسن شلوف – ناشط مدني- مدينة درنة :
إن التجار سمعوا بإعلان الحكومة بتوفر السلع في الجمعيات فاتفقوا على احتكار بعض السلع أمس في درنه وصلت استيكة البيض 25 دينارًا.
وأكد « شلوف» أن السبب في زيادة الأسعار هو ارتفاع سعر الدولار «الدولار»
أ.عثمان المير ناشط مدني مدينة اجدابيا قال: إن السبب الرئيس لغلاء الأسعار مع إطلالة شهر الصيام هو انخفاض قيمة الدينار مقابل الدولار يزيد تكلفة الاستيراد ويضغط على الأسعار بشكل عام.
مشيراً إلى ظهور نتائج سلبية منها ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية مثل: «الغذاء والدواء» )وصلت بعض الأسعار إلى زيادة 25 %(، وكذلك ضعف القدرة الشرائية للمواطنين مع ارتفاع تكلفة المعيشة رغم محاولات الحكومة وقراراتها كفرض رقابة على الأسعار ومنع الاحتكار وتقليل الارتفاعات غير المبررة .. كما أكد «المير» الأسعار ترتفع في كل مدن ليبيا مع قرب رمضان «بما فيها طبرق» بسبب ضعف العُملة وارتفاع تكلفة الاستيراد والطلب على السلع مما يجعل معيشة المواطن الليبي صعبة في وطنه.
وفي سياق آخر قال أ. عبد اللطيف عمر -تاجر جملة: إن ارتفاع الأسعار ليس بسبب زيادة سعر الدولار فقط بل عندما تحرك الحرس البلدي ورجال الأمن بإغلاق سوق العويطي في طرابلس لأنه خالف التسعيرة في بيع سعر زيت الطهي المدعوم ظناً منه أن باقي التجار سيخافون ويبيعون المواد الغذائية بسعرها الأصلي لكن كان رد فعل التجار سحب جميع أنواع الزيوت وبات المواطن يعاني مشكلة عدم توفر زيت الطهي وباتت طوابير شراء علبتين من الزيت في بعض الأسواق التي يحالفها الحظ وتتحصل على زيت الطهي من المصنع في طرابلس .
وأضاف وبسبب توجه عديد الأسر إلى شراء زيت الزيتون المحلي وزيادة الطلب عليه زاد سعره إلى 40 دينارًا في اللتر مما أشعل الجدل ضبط للأسعار أم ارتباك في الإمداد.
سؤال موجه لأحد تجار زيت الزيتون لماذا ارتفع السعر بهذا الشكل؟.
إجاب أ. أشرف المزوغي مالك لمعصرة زيوت : الإنتاج هذا العام بسبب قلة هطول الأمطار فكان الإنتاج أقل من المتوقع وتكاليف العصر والنقل ارتفعت و السعر يخضع للعرض والطلب.
لكن د. محمد جمعة خبيرًا اقتصاديًا متقاعد أوضح أنه حتى مع انخفاض الإنتاج يجب أن تكون هناك آلية مراقبة تمنع المبالغة في التسعير خاصة عندما يتعلق الأمر بسلعة أساسية.
وتساءل «جمعة» هل يتمتع الإعلام الرسمي بالاستقلالية الكاملة لنشر أرقام دقيقة ومساءلة الجهات التنفيذية دون قيود؟
أجاب أ. مفتاح محمد إعلامي أن المهنية تقتضي عرض كل الآراء في القنوات الإعلامية الرسمية بدل الاعتماد المواطن على معلومات حركة السوق والأسعار من «الفيس بوك»، وغيره لكن أحيانًا توجد اعتبارات رسمية تحدد سقف الطرح. وأوضح دائماً توجد تصريحات من المسؤولين تؤكد توفر الكميات من المواد الغذائية لطمأنة الناس بينما الواقع يشير إلى نقص في الأسواق ويبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة الغلاء.
وأشار إلى اختفاء «زيت الطهي» وارتفاع سعر زيت الزيتون المحلي ليسا مجرد أزمة سلعة بل اختبار حقيقي لفاعلية الرقابة وشفافية البيانات واستقلالية الإعلام في نقل الحقيقة كاملة.
وبين حملات رقابية متقطعة، وتصريحات رسمية مطمئنة يبقى السؤال: أين الخلل؟!
الجولة الميدانية لصحيفة فبراير في عدد من الأسواق رصدنا رفوفًا خالية من زيت الطهي بمختلف أنواعه بينما عُلّقت لافتات صغيرة تشير إلى «نفاد الكمية». في المقابل يتوفر زيت الزيتون المحلي لكن بأسعار وصفها مواطنون بالمرتفعة جدًا.
التقينا بالحاج احمد عبد الرزاق الرجباني قال زيت الطهي مش موجود ولو تحصل تلقاه بسعر أغلى من قبل. وزيت الزيتون وصل لسعر ما يقدرش عليه المواطن البسيط.
وأضاف رمضان قريب والطلب بيزيد على السلع الغذائية لكن المفروض الدولة تكون مستعدة مش نرجعوا كل سنة للأزمة نفسها.
«فبراير» أين الكميات المستوردة من الزيت في الأسواق ؟.
أجاب أ. خالد بن غشير مالك لسوق غذائية أن الكميات متوفرة ولم تسجل عجزًا رسميًا في الاستيراد فهناك بعض الاختناقات في التوزيع ووزارة الاقتصاد تعمل بالتنسيق مع الجهات الرقابية لضمان وصول السلع إلى مستحقيها .. وأضاف أن الحرس البلدي نفذ عدة حملات في أغلب الأسواق وتم إغلاق محال مخالفة بسبب التلاعب بالأسعار وقد أكد المسؤولون في الحرس البلدي من خلال صفحتهم عبر «الفيس بوك» أن هناك تجاوزات فردية لكن لا يمكن تعميمها على السوق بالكامل.
من جهته قال إن هذه الحملات «موسمية» ولا تعالج جذور مشكلة غلاء الأسعار مع قدوم شهر رمضان فهي المشكلة ذاتها تتكرر كل عام.
وقال أ.أنور الجبالي موظف بالمصرف إن الاعتمادات الخاصة بالسلع الأساسية تُمنح وفق الضوابط، ولا توجد أزمة تمويل معلنة و المشكلة في بعض الأحيان تتعلق بسلاسل الإمداد، أو المضاربة في السوق.
وقال م. عبد اللطيف خميس عضو تدريس جامعة خاصة تخصص إدارة أعمال توجد حلول على المسؤولين تنفيذها لمواجهة الغلاء وتحسين الوضع المعيشي مع إطلالة شهر رمضان المبارك منها دعم استقرار الدينار وتقليل الفجوة بين السعر الرسمي والموازي. وتنظيم عمليات بيع العُملة الأجنبية والحد من المضاربة والرقابة على الأسواق من خلال تفعيل دور أجهزة حماية المستهلك ومنع الاحتكار ورفع الأسعار غير المبرر. وفرض عقوبات على التجار المخالفين. ودعم الإنتاج المحلي وتشجيع الزراعة والصناعة المحلية لتقليل الاعتماد على الاستيراد. ودعم المزارعين وتوفير الأعلاف والبذور بأسعار مناسبة. وتحسين المرتبات المتقاعدين والتضامن فلا بد من زيادة رواتبهم بما يتناسب مع التضخم. وتوجيه الدعم مباشرة للسلع الأساسية أو للأسر ذات الدخل المحدود. وتنظيم الاستيراد والنقل وتسهيل إجراءات الاستيراد وخفض الرسوم غير الضرورية. وتحسين البنية التحتية لتقليل تكاليف النقل. مؤكدًا أن الحل يحتاج إلى استقرار اقتصادي ورقابة حقيقية على السوق ودعم الإنتاج المحلي حتى تنخفض الأسعار وتتحسن القدرة الشرائية للمواطن.
صحيفة فبراير يبقى السؤال مفتوحًا: من يضمن استقرار الأسعار وحماية قوت المواطن قبل أن يتحول الغلاء إلى أمر واقع يصعب تغييره؟

