هدرزة

جيل‭ ‬Z

عبير المحجوب

‭ ‬حين‭ ‬صارت‭ ‬اللقمة‭ ‬“لايك”

لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭: ‬ماذا‭ ‬تعمل؟

بل‭: ‬كم‭ ‬عندك‭ ‬متابع؟

جيل‭ ‬Z‭ ‬لم‭ ‬ينتظر‭ ‬الوظيفة،‭ ‬ولم‭ ‬يطرق‭ ‬باب‭ ‬الدولة،‭ ‬ولم‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬طابور‭ ‬التعيين‭. ‬هذا‭ ‬جيل‭ ‬اخترع‭ ‬لنفسه‭ ‬بابًا‭ ‬آخر‭: ‬كاميرا‭ ‬الهاتف‭.‬

منها‭ ‬يدخل‭ ‬الرزق،‭ ‬وتخرج‭ ‬الشهرة،‭ ‬وتُقاس‭ ‬القيمة‭ ‬بعدد‭ ‬الإعجابات‭.‬

في‭ ‬زمن‭ ‬قصير،‭ ‬تحوّل‭ ‬الجميع‭ ‬إلى‭ ‬“بلوقر”‭.‬

طالب،‭ ‬موظف،‭ ‬ربّة‭ ‬بيت،‭ ‬عاطل‭ ‬عن‭ ‬العمل‮…‬‭ ‬الكل‭ ‬صار‭ ‬منتج‭ ‬محتوى،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬يحاول‭. ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الكل‭ ‬يعشق‭ ‬الشهرة،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬أصبحت‭ ‬رقمًا‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭.‬

الإيجابي‮…‬‭ ‬حين‭ ‬كسر‭ ‬الجيل‭ ‬القاعدة

لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬ذكي،‭ ‬سريع‭ ‬التعلّم،‭ ‬ومرن‭.‬

جيل‭ ‬فهم‭ ‬السوق‭ ‬الرقمي‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفهمه‭ ‬المؤسسات،‭ ‬واستثمر‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬بدل‭ ‬انتظار‭ ‬الفرص‭.‬

صناعة‭ ‬محتوى،‭ ‬تسويق،‭ ‬تصوير،‭ ‬مونتاج،‭ ‬إعلانات‮…‬‭ ‬مهارات‭ ‬تعلّمها‭ ‬وحده،‭ ‬وبلا‭ ‬شهادات‭.‬

هذا‭ ‬الجيل‭ ‬أثبت‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بالمكان،‭ ‬وأن‭ ‬الهاتف‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أداة‭ ‬إنتاج‭ ‬لا‭ ‬أداة‭ ‬تضييع‭ ‬وقت‭ ‬فقط‭.‬

خلق‭ ‬فرصًا،‭ ‬وفتح‭ ‬نوافذ‭ ‬رزق،‭ ‬ونجح‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الهواية‭ ‬إلى‭ ‬دخل‮…‬‭ ‬أحيانًا‭.‬

السلبي‮…‬‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬عرض

لكن‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬أقل‭ ‬لمعانًا‭.‬

حين‭ ‬تصبح‭ ‬الحياة‭ ‬كلها‭ ‬محتوى،‭ ‬يفقد‭ ‬الواقع‭ ‬خصوصيته‭.‬

الأكل‭ ‬للتصوير،‭ ‬السفر‭ ‬للتوثيق،‭ ‬الحزن‭ ‬للتفاعل،‭ ‬وحتى‭ ‬الفشل‭ ‬يُعاد‭ ‬تدويره‭ ‬في‭ ‬“ريل”‭ ‬مؤثر‭.‬

هوس‭ ‬الإعجابات‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬تفصيلاً،‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬مقياسًا‭ ‬للنجاح،‭ ‬وأحيانًا‭ ‬للقبول‭ ‬الاجتماعي‭.‬

من‭ ‬لا‭ ‬يُشاهد،‭ ‬كأنه‭ ‬غير‭ ‬موجود‭.‬

ومن‭ ‬لا‭ ‬يُعلّق‭ ‬عليه‭ ‬أحد،‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬الشك‭ ‬بقيمته‭.‬

الأخطر‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المحتوى‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يُقدَّم‭ ‬لأنه‭ ‬مفيد،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬“يجيب‭ ‬تفاعل”‭.‬

الجدل‭ ‬يُستثمر،‭ ‬التفاهة‭ ‬تُكافأ،‭ ‬والعمق‭ ‬يُهمَل‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يُحقق‭ ‬أرقامًا‭.‬

بين‭ ‬الرزق‭ ‬والضياع

جيل‭ ‬Z‭ ‬لا‭ ‬يُلام‭ ‬وحده‭.‬

هو‭ ‬نتاج‭ ‬واقع‭ ‬اقتصادي‭ ‬صعب،‭ ‬وفرص‭ ‬محدودة،‭ ‬وسوق‭ ‬عمل‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬إلا‭ ‬بمن‭ ‬يملك‭ ‬واسطة‭ ‬أو‭ ‬حظًا‭.‬

فكان‭ ‬اللايك‭ ‬حلًا‭ ‬مؤقتًا،‭ ‬والبلوغ‭ ‬وسيلة‭ ‬نجاة‭.‬

لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬الحل‭ ‬إلى‭ ‬إدمان،‭ ‬والوسيلة‭ ‬إلى‭ ‬هوية‭.‬

حين‭ ‬يصبح‭ ‬الإنسان‭ ‬رهينة‭ ‬الخوارزميات،‭ ‬ويُعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬نفسه‭ ‬وفق‭ ‬مزاج‭ ‬الجمهور‭.‬

جيل‭ ‬Z‭ ‬ليس‭ ‬جيلًا‭ ‬تافهًا،‭ ‬كما‭ ‬يُصوَّر‭ ‬أحيانًا،‭ ‬ولا‭ ‬جيلًا‭ ‬ملائكيًا‭ ‬كما‭ ‬يعتقد‭ ‬بعضه‭.‬

هو‭ ‬جيل‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يعيش‮…‬‭ ‬بأي‭ ‬طريقة‭.‬

بين‭ ‬كاميرا‭ ‬مرفوعة‭ ‬دائمًا،‭ ‬ولايك‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أبدًا،‭ ‬يقف‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬رمادية‭:‬

يصنع‭ ‬فرصه‭ ‬بيده،‭ ‬لكنه‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنها‭ ‬من‭ ‬روحه‭.‬

والسؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬

هل‭ ‬جيل‭ ‬Z‭ ‬مخطئ؟

بل‭: ‬هل‭ ‬تركنا‭ ‬له‭ ‬خيارًا‭ ‬آخر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى