حين صارت اللقمة “لايك”
لم يعد السؤال: ماذا تعمل؟
بل: كم عندك متابع؟
جيل Z لم ينتظر الوظيفة، ولم يطرق باب الدولة، ولم يقف في طابور التعيين. هذا جيل اخترع لنفسه بابًا آخر: كاميرا الهاتف.
منها يدخل الرزق، وتخرج الشهرة، وتُقاس القيمة بعدد الإعجابات.
في زمن قصير، تحوّل الجميع إلى “بلوقر”.
طالب، موظف، ربّة بيت، عاطل عن العمل… الكل صار منتج محتوى، أو على الأقل يحاول. ليس لأن الكل يعشق الشهرة، بل لأن لقمة العيش أصبحت رقمًا على الشاشة.
الإيجابي… حين كسر الجيل القاعدة
لا يمكن إنكار أن هذا الجيل ذكي، سريع التعلّم، ومرن.
جيل فهم السوق الرقمي قبل أن تفهمه المؤسسات، واستثمر في نفسه بدل انتظار الفرص.
صناعة محتوى، تسويق، تصوير، مونتاج، إعلانات… مهارات تعلّمها وحده، وبلا شهادات.
هذا الجيل أثبت أن العمل لم يعد مرتبطًا بالمكان، وأن الهاتف قد يكون أداة إنتاج لا أداة تضييع وقت فقط.
خلق فرصًا، وفتح نوافذ رزق، ونجح في تحويل الهواية إلى دخل… أحيانًا.
السلبي… حين تتحول الحياة إلى عرض
لكن الوجه الآخر أقل لمعانًا.
حين تصبح الحياة كلها محتوى، يفقد الواقع خصوصيته.
الأكل للتصوير، السفر للتوثيق، الحزن للتفاعل، وحتى الفشل يُعاد تدويره في “ريل” مؤثر.
هوس الإعجابات لم يعد تفصيلاً، بل صار مقياسًا للنجاح، وأحيانًا للقبول الاجتماعي.
من لا يُشاهد، كأنه غير موجود.
ومن لا يُعلّق عليه أحد، يبدأ في الشك بقيمته.
الأخطر أن بعض المحتوى لم يعد يُقدَّم لأنه مفيد، بل لأنه “يجيب تفاعل”.
الجدل يُستثمر، التفاهة تُكافأ، والعمق يُهمَل إن لم يُحقق أرقامًا.
بين الرزق والضياع
جيل Z لا يُلام وحده.
هو نتاج واقع اقتصادي صعب، وفرص محدودة، وسوق عمل لا يعترف إلا بمن يملك واسطة أو حظًا.
فكان اللايك حلًا مؤقتًا، والبلوغ وسيلة نجاة.
لكن المشكلة حين يتحول الحل إلى إدمان، والوسيلة إلى هوية.
حين يصبح الإنسان رهينة الخوارزميات، ويُعيد تشكيل نفسه وفق مزاج الجمهور.
جيل Z ليس جيلًا تافهًا، كما يُصوَّر أحيانًا، ولا جيلًا ملائكيًا كما يعتقد بعضه.
هو جيل يحاول أن يعيش… بأي طريقة.
بين كاميرا مرفوعة دائمًا، ولايك لا يكفي أبدًا، يقف هذا الجيل في منطقة رمادية:
يصنع فرصه بيده، لكنه يدفع ثمنها من روحه.
والسؤال الحقيقي
هل جيل Z مخطئ؟
بل: هل تركنا له خيارًا آخر؟


