
أن يُصطفى فنان لتوثيق كلمات الوحي، فذلك تشريفٌ يطوق العنق، ولكن حين يكون هذا التوثيق لـ «مصحف فلسطين»، فإن المداد هنا يمتزج بالرمزية، وتتحوَّل الكتابة من فعلٍ جمالي إلى رسالة صمود عابرة للحدود.
في حوارنا اليوم، نبحر مع قامة ليبية استثنائية، استطاع أن يحجز للحرف العربي مكاناً في المحافل الدولية؛ هو أ.حافظ محمد أكريم، رئيس وحدة الخط العربي بجامعة السيد محمد بن علي السنوسي الإسلامية بالبيضاء، والمجاز دولياً في هذا الفن العريق. ضيفنا الذي لم يكتفِ بفك شفرات الحرف، بل نذر نفسه لترسيخ هذا الإرث في وجدان الأجيال الجديدة، ليتوّج مسيرته مؤخراً باختياره ضمن صفوة تضم 57 خطاطًا من أرجاء العالم الإسلامي للمشاركة في ملحمة «مصحف فلسطين» التاريخية.
نلتقيه لنقرأ معه تفاصيل هذا الاختيار، ونستكشف ملامح مدرسته الفنية، ونسأله عن حال «القصبة والمحبرة» في زمن الشاشات الباردة.
نباركَ لكَ هذا الاستحقاق أستاذ حافظ.
لنعد إلى اللحظة الأولى؛ كيف استقبلتَ خبر اختياركَ ضمن «الكتيبة الجمالية» التي ستخط مصحف فلسطين؟ وماذا يمثل لكَ هذا التكليف على المستوى الوجداني؟
أكريم: يظل حلمُ «كتابة المصحف» هو القمة التي يشرئب إليها عنق كل خطاط أمضى عمره بين الورق والحبر. الحقيقة أن هذا الاختيار لم يكن مجرد خبر سار، بل شعرتُ بمسؤولية ثقيلة؛ فهو تزكية من أهل الفن، والقائمين على هذه المبادرة الذين رأوا في تجربتي المتواضعة ما يؤهلني لهذا الشرف.
هي لحظة بهية بكل المقاييس، لكون التكليف جاء من «أهل الاختصاص» أولاً، ولأنه يرتبط بقدسية النص وقضية فلسطين ثانيًا.
«مصحف فلسطين» ليس مجرد مشروع فني، بل هو بيانٌ تضامن بلغة الحرف. مَنْ هي الجهات التي صاغت هذا الحُلم؟ وكيف تم توزيع المهام بينكم كخطاطين؟
أكريم: الفكرُ ولدتْ كمبادرة من خطاطي فلسطين أنفسهم، أرادوا من خلالها صياغة مصحف متكامل بأيدي نخبة من فناني العالم الإسلامي. المشروع تم برعاية «جامعة النجاح» وإشراف علمي دقيق من وزارة الأوقاف الفلسطينية، وبالتنسيق مع وزارتي «الثقافة والتعليم». المذهل في الأمر هو عامل الوقت؛ فقد أُنجز العملُ في أشهر قليلة؛ حيث خُصص لكل خطاط جزء من المصحف ليضع فيه عصارة فنه، مع الالتزام بضوابط خط النسخ المعتمدة.
تقنيًا، كيف يمكن لـ 57 «يدًا» مختلفة المشارب والمدارس أن تخلق نصًا متناغمًا؟ ألم تخشوا من غياب الوحدة البصرية في المصحف؟
أكريم: سؤال جوهري، لكن في عالم الخط العربي، «علم السطر» هو الميزان. الاختلافات الطفيفة في أساليب الخطاطين هي بحد ذاتها قيمة مضافة، فالمشروع هنا يتحوَّل إلى «مختبر فني» يبرز جماليات خط النسخ بتنويعاته الاحترافية.
نحن لا نسعى لتقليد يد واحدة، بل لتقديم حقل دراسي وبصري يستفيد منه الباحثون، مع الحفاظ على روح واحدة تجمعه الضوابط الصارمة لهذا الفن.
لنعد إلى «صوت القلم» في بداياتك. مَنْ الذي وضع القلم الأول بين أصابع حافظ أكريم؟ وكيف كانتْ رحلتك نحو «الإجازة الدولية»؟
أكريم: الفضل الأول يعود لوالدي -رحمه الله-؛ فقد كان خطاطًا ورسامًا، وهو مَنْ غرس فيّ تلك المحبة الفطرية للحرف.
نشأتُ في بيئة تشبعتْ بهذا الفن، لكن التحوَّل الحقيقي بدأ حين قررتُ سلك النهج التقليدي العتيق. تتلمذتُ على يد الأستاذ القدير «قدير ساق أوغلو» «تلميذ المبدع داوود بكتاش»، واستمرتْ رحلتي في تركيا لأربع سنوات من الصبر والمطالعة، حتى نلتُ الإجازة الدولية بتزكية من الخطاط الكبير «فؤاد بشار الأرضرومي».
في عالم الخط، لكل نوع شخصية؛ فأين تجد نفسكَ؟ هل في هيبة «الثلث» أم في انسيابية «الديواني»؟
أكريم: الخط هندسة روحانية؛ ورغم تقديري لكل الخطوط، إلا أنني أجد ذاتي في «خط الثلث» بنمطيه الدقيق والجلي.
الثلث هو «سيد الخطوط» وأصعبها مراسًا، يمنحني مساحة تعبيرية هائلة وقدرة على معالجة الكتلة والفراغ بمنظور بصري لا يضاهى.
من موقعك في جامعة السنوسي بالبيضاء، هل تراهن على «مأسسة» الخط العربي ليخرج من عباءة الهواية إلى أروقة الأكاديمية؟
أكريم: بالتأكيد، فالخط العربي يحتاج اليوم إلى بيئة تعليمية تجمعه بالتاريخ والتطبيق العلمي.
جامعة السيد محمد بن علي السنوسي كانتْ الحاضنة لهذا الطموح؛ حيث نعمل من خلال «وحدة الخط العربي» على تنظيم دورات وندوات دورية تهدف لنشر الثقافة البصرية وتأصيل مهارات الخط.
هدفنا ليس تخريج خطاطين فحسب، بل تأسيس مجتمع متذوق يُدرك قيمة هويته الفنية.
بصراحة هل ما زال للقصبة والمحبرة مكان في قلوب الشباب الليبي وسط طوفان الخطوط الرقمية؟
أكريم: الخط اليدوي هو «حالة تعبيرية» لا يمكن للآلة محاكاتها. المفارقة أن الفورة الرقمية، بدلاً من إقصاء الخط، ساهمت في انتشاره؛ فقد سهلت الوسائط الإلكترونية وصول الشباب لنماذج الخطاطين الكبار. ما زلت ألمس شغفاً حقيقياً لدى الجيل الجديد، لأنهم يدركون أن الخط هو «هوية»، والآلة تفتقر للروح التي يضفيها الخطاط على ورقه.
ما هي «الوصفة» التي تقدمها للمبتدئ ليتحول من محبٍ للخط إلى محترف يشار إليه بالبنان؟
أكريم: العاطفة وحدها لا تصنع خطاطًا. البدء يكون بـ «المعرفة» العميقة للحرف كدلالة لغوية وبصرية، ثم يأتي دور «الاعتكاف» وملازمة الأستاذ المتقن. كما يقال:
«الخط مخفي في تعليم الأستاذ»؛ لذا لا بد من الصبر، ومطالعة الأصول، وتغذية العين بالجمال باستمرار.
بعد «مصحف فلسطين»، ما هو الحُلم الذي يراود ريشة حافظ أكريم؟
أكريم: حلمي يتجاوز اللوحة الشخصية؛ أطمح لتأسيس مؤسسة علمية رصينة في ليبيا تُعنى بفن الخط العربي لتعويض الفراغ الذي تعاني منه مؤسساتنا التعليمية والثقافية في هذا الجانب.
أريد لهذا الفن أن يعود إلى واجهة المشهد الثقافي الليبي كعنصر أصيل لا يسقط سهوًا.
دائمًا ما يكتسب الخط العربي ألقًا وحضورًا خاصًا في شهر رمضان المبارك؛ لارتباطه الروحاني العميق بالقرآن الكريم والفنون الإسلامية. أستاذ حافظ، كيف تستثمرون أيام هذا الشهر الفضيل؟ وما هي أبرز نشاطاتكم الحالية لخدمة هذا الفن؟
أكريم: أُكرس وقتي وجهدي في هذا الشهر الفضيل لتقديم سلسلة من المحاضرات واللقاءات التعليمية في «دار ابن البواب للخط العربي والفنون الإسلامية» بمدينة البيضاء. هذه الدار هي بمثابة مظلة فنية شرفتُ بتأسيسها منذ نحو عامين، لتكون حاضنة للدارسين والمهتمين بعلوم الخِطاطة، وتضم في عضويتها أيضاً أساتذة المناهج التعليمية المعنيين بتدريس مادة الخط العربي في المدارس.
نركز في جلساتنا الحالية على الأساليب العلمية والمنهجية الحديثة لتعليم الخط العربي. وما نسعى إليه حقيقةً من خلال هذه الدار، هو الخروج بالخط من دائرته الضيقة، ونشر الوعي به كموروث ثقافي وحضاري عربي وإسلامي بارز، مع تسليط الضوء الدقيق على علومه، وأنماطه المتنوعة، وأغراضه سواء أكانت وظيفية في الكتابة اليومية أم فنية جمالية.
كلمة أخيرة للجهات الثقافية وللخطاطين الشباب في ختام لقائنا..
أكريم: رسالتي للمؤسسات: الخط العربي هو البديل الجمالي الراسخ ضد القبح، وهو هويتنا التي تميزنا؛ فامنحوه المساحة التي يستحقها. وللشباب أقول: أنتم حراس هذا الإرث، فتمسكوا بأصوله وقواعده، فالحرف العربي أمانة في أعناقكم.
خاتمة:
بهذا العشق للحرف والغيرة على الهوية، يواصل الأستاذ حافظ أكريم مسيرته، مذكرًا إيانا أنَّ القلم الذي يكتب الوحي لا يجف مداده أبدًا.
كل الشكر لضيفنا على هذا الإبحار الجمالي.



