ثقافة

حكاية فارس

كان‭ ‬فيه‭ ‬وليد‭  ‬اسمه‭ ‬‮«‬فارس‮»‬‭ ‬جاء‭ ‬للدنيا‭ ‬وفرحة‭ ‬أهله‭ ‬ما‭ ‬تكملتش،‭ ‬لأن‭ ‬بوه‭ ‬توفى‭ ‬وهو‭ ‬مازال‭ ‬عمره‭ ‬خمسة‭ ‬شهور‭ ‬فقط‭.‬

كبر‭ ‬‮«‬فارس‮»‬‭ ‬بين‭ ‬حضن‭ ‬أمه‭ ‬وحنان‭ ‬خوه‮ ‬‭ ‬وأخواته‭. ‬كان‭ ‬الحوش‭ ‬بالنسبة‭ ‬ليه‭ ‬دنيا‭ ‬كاملة‭ ‬فيه‭ ‬الدفء‭ ‬وفيه‭ ‬الأمان‭.‬

‮«‬فارس‮»‬‭ ‬كان‭ ‬وليد‭ ‬هادي‭..‬يمشي‭ ‬بخطوات‭ ‬صغيرة‭ ‬وقلب‭ ‬كبير‭. ‬كان‭ ‬يحب‭ ‬يقعد‭ ‬مع‭ ‬أمه‭ ‬ويقولها‭ ‬كلام‭ ‬يفرحها،‭ ‬ويشوف‭ ‬في‭ ‬عيونها‭ ‬تعب‭ ‬السنين‭ ‬ومحبة‭ ‬ما‭ ‬تنتهيش‭.‬

كان‭ ‬عنده‭ ‬خو‭ ‬أكبر‭ ‬منه‭ ‬هلبة‭ ‬في‭ ‬العمر‭. ‬مرات‭ ‬‮«‬فارس‮»‬‭ ‬كان‭ ‬يناديه‭: ‬يا‭ ‬بوي،‭ ‬وهو‭ ‬يحسبه‭ ‬بوه‭ ‬فعلا،‭ ‬لأن‭ ‬قلبه‭ ‬كان‭ ‬محتاج‭ ‬حضن‭ ‬الأب‭. ‬وخوه‭ ‬كان‭ ‬يبتسم‭ ‬ويضمه‭ ‬ويقول‭: ‬أنا‭ ‬معاك‭ ‬يافارس،‭ ‬ما‭ ‬تخافش‭. ‬وكان‭ ‬يحس‭ ‬إنه‭ ‬مسؤول‭ ‬عليه‭ ‬كأنه‭ ‬ابنه‭.‬

كبر‭ ‬‮«‬فارس‮»‬‭ ‬ودخل‭ ‬المدرسة‮…‬‭ ‬وصار‭ ‬مثالًا‭ ‬للوليد‭ ‬المجتهد‭. ‬كل‭ ‬سنة‭ ‬يرجع‭ ‬للحوش‭ ‬بشهادة‭ ‬تقدير،‭ ‬يسلمها‭ ‬لأمه‭ ‬بإيدين‭ ‬مرتجفتين‭ ‬من‭ ‬الفرح‭. ‬وأمه‭ ‬كانتْ‭ ‬دموعها‭ ‬فرحة‮ ‬‭ ‬وتقول‭: ‬هذا‭ ‬تعبي‭ ‬كله‭ ‬ينجح‭ ‬اليوم‭.‬

‮«‬فارس‮»‬‭ ‬ما‭ ‬كانش‭ ‬يحب‭ ‬الضوضاء‭ ‬ولا‭ ‬المشكلات‭. ‬كان‭ ‬يقول‭:‬

نبي‭ ‬نعيش‭ ‬بهدوء‮…‬‭ ‬نبي‭ ‬ربي‭ ‬يحفظني‭ ‬ويحفظ‭ ‬أمي‭.‬

كان‭ ‬يصلي‭ ‬في‭ ‬وقته،‭ ‬ويقرأ‭ ‬الأذكار‭ ‬قبل‭ ‬النوم،‭ ‬ويحس‭ ‬إن‭ ‬ربي‭ ‬قريب‭ ‬منه‭ ‬ويحرسه‭. ‬وما‭ ‬كانش‭ ‬يطلع‭ ‬بره‭ ‬الحوش‭ ‬كثير،‭ ‬كان‭ ‬يحب‭ ‬يقرأ‭ ‬ويذاكر‭ ‬ويخلي‭ ‬وقته‭ ‬للخير‭.‬

ولما‭ ‬جاء‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬‮«‬فارس‮»‬‭ ‬قرَّر‭ ‬يصوم‭ ‬وهو‭ ‬صغير‭. ‬كانوا‭ ‬يسألوه‭:‬

‭ ‬ما‭ ‬عطشتش؟،‭ ‬ما‭ ‬جعتش؟

فيرد‭ ‬بابتسامة‭ ‬صادقة‭:‬

نقدر‭ ‬نصبر‭ .. ‬نبي‭ ‬نحس‭ ‬بالفقراء‭ ‬اللي‭ ‬ما‭ ‬عندهمش‭ ‬أكل‭.‬

كان‭ ‬قلبه‭ ‬صغيرًا‭ ‬في‭ ‬عمره‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬رحمته‭. ‬بدي‭ ‬يصوم‭ ‬رمضان‮ ‬‭ ‬كاملاً‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الصف‭ ‬الرابع‭ ‬

في‭ ‬المدرسة،‭ ‬‮«‬فارس‮»‬‭ ‬كان‭ ‬ينصح‭ ‬صحابه‭ ‬بالخير‭. ‬يقولهم‭:‬

الصلاة‭ ‬نور‮…‬‭ ‬والاحترام‭ ‬زينة‮…‬‭ ‬والابتسامة‭ ‬تفتح‭ ‬أبواب‭ ‬القلوب‭.‬ولو‭ ‬غاب‭ ‬يوم‭ ‬عن‭ ‬المدرسة،‭ ‬صحابه‭ ‬يتصلوا‭ ‬بيه‭:‬

يا‭ ‬فارس‭ .. ‬المدرسة‭ ‬ناقصة‭ ‬من‭ ‬غيرك‭. ‬

وكانوا‭ ‬يحبوه‭ ‬لأن‭ ‬الطيب‭ ‬محبوب‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬صغيرًا‭.‬

واليوم‭ ‬فارس‭ ‬مازال‭ ‬يعيش‭ ‬بيننا‭ ‬بضحكته‭ ‬الهادية،‭ ‬وبوصيته‭ ‬اللي‭ ‬تقول‭:‬

صلوا‮…‬‭ ‬صوموا‮…‬‭ ‬كونوا‭ ‬طيبين‮…‬‭ ‬وخلوا‭ ‬قلوبكم‭ ‬بيضاء‭.‬

العبرة‭ ‬يا‭ ‬أوليداتنا‭ ‬‮…‬

الدنيا‭ ‬ممكن‭ ‬تحرمنا‭ ‬من‭ ‬الأب،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬تحرمناش‭ ‬من‭ ‬الأمل‭.‬

الولد‭ ‬الطيب‭ ‬يكبر‭ .. ‬لكن‭ ‬الأخلاق‭ ‬الطيبة‭ ‬هي‭ ‬اللي‭ ‬تعيش‭ ‬معاه‭.‬

اللي‭ ‬يصبر‮…‬‭ ‬ويصلي‮…‬‭ ‬ويحسن‭ ‬للنَّاس‮…‬‭ ‬ربي‭ ‬ما‭ ‬يضيعش‭ ‬قلبه‭ ‬أبدًا‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى