اجتماعي

حكاية‭ ‬فاطمة

فايزة العجيلي

‭ ‬قالوا‭ ‬حيطها‭ ‬قصير‭ .. ‬لكنها‭ ‬بنتْ‭ ‬روحها‭ ‬من‭ ‬الصفر‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حياة‭ ‬‮«‬فاطمة‮»‬‭ ‬قصة‭ ‬عادية‭ ‬تُروى‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كانتْ‭ ‬حكاية‭ ‬امرأة‭ ‬سقطت‭ ‬مرارًا‭ .. ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬كانتْ‭ ‬تنهض‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

خمسة‭ ‬عشر‭ ‬عامًا‭ ‬عاشتْ‭ ‬فيها‭ ‬‮«‬فاطمة‮»‬‭ ‬تحت‭ ‬سقفٍ‭ ‬ثقيل،‭ ‬مع‭ ‬زوج‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬ساحة‭ ‬قسوة‭ ‬لا‭ ‬مأوى‭ ‬رحمة‭ ‬ضربٌ،‭ ‬وإهانة،‭ ‬وظلم‭ ‬متواصل،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬تصبر‭..‬ليس‭ ‬ضعفًا،‭ ‬بل‭ ‬خوفًا‭ ‬على‭ ‬صغارها‭. ‬كانتْ‭ ‬تتحمل‭ ‬الألم‭ ‬بصمت،‭ ‬لأن‭ ‬قلبها‭ ‬كان‭ ‬يقول‭ ‬لها‭ ‬دائمًا‭: )‬أولادي‭ ‬أولاً‭(‬

لم‭ ‬يكنْ‭ ‬لها‭ ‬سند‭ ‬الأب،‭ ‬والأم‭ ‬رحلا‭ ‬عن‭ ‬الدنيا،‭ ‬وإخوتها‭ ‬غرق‭ ‬كلّل‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬حياته‭. ‬كانت‭ ‬وحدها،‭ ‬وحيطها‭ ‬قصير‭ ‬كما‭ ‬يقال،‭ ‬وزوجها‭ ‬يعرف‭ ‬ذلك‭ ‬جيدًا‭ ‬فازداد‭ ‬تسلطه‭.‬

وفي‭ ‬يومٍ‭ ‬ما،‭ ‬انتهى‭ ‬كلُ‭ ‬شيء‭. ‬وجدتْ‭ ‬‮«‬فاطمة‮»‬‭ ‬نفسها‭ ‬مطلّقة،‭ ‬بلا‭ ‬بيت،‭ ‬بلا‭ ‬مال،‭ ‬وبأطفال‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬لحظتها‭ ‬شعرتْ‭ ‬وكأنّ‭ ‬الأرض‭ ‬انسحبت‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬قدميها‭.‬

لكن‭ ‬رحمة‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬تغيب‭ ‬وقف‭ ‬بعض‭ ‬أهل‭ ‬الخير‭ ‬إلى‭ ‬جانبها،‭ ‬وساعدوها‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬سكن‭ ‬بسيط،‭ ‬كان‭ ‬بداية‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭.‬

وقفتْ‭ ‬فاطمة‭ ‬أمام‭ ‬المرآة‭ ‬يومًا‭ ‬رغم‭ ‬صغر‭ ‬سنها،‮ ‬‭ ‬وقالتْ‭ ‬لنفسها‭:‬

‭)‬لن‭ ‬أنتظر‭ ‬أحدًا‭ ‬لينقذني‭.. ‬سأبدأ‭ ‬من‭ ‬نفسي‭( ‬

كانت‭ ‬تملك‭ ‬شهادة‭ ‬في‭ ‬الحاسوب،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تعمل‭ ‬بها‭ ‬يومًا،‭ ‬لأن‭ ‬طليقها‭ ‬كان‭ ‬يرفض‭ ‬خروجها‭ ‬للعمل‭. ‬حاولت‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬وظيفة‭ ‬حكومية،‭ ‬طرقت‭ ‬الأبواب‭ ‬سنوات‮…‬‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭.‬

لم‭ ‬تستسلم‭.‬

بدأت‭ ‬بداية‭ ‬متواضعة‭ ‬جدا‮…‬‭ ‬في‭ ‬مطبخ‭ ‬صغير،‭ ‬وبإمكانيات‭ ‬بسيطة‭. ‬صارت‭ ‬تصنع‭ ‬البوريك‭ ‬والهريسة‭ ‬العربية‭ ‬لجيرانها،‭ ‬وتبيعها‭ ‬بأسعار‭ ‬بسيطة‭. ‬كانت‭ ‬تستيقظ‭ ‬قبل‭ ‬الفجر،‭ ‬وتعمل‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬الليل،‭ ‬وكل‭ ‬دينار‭ ‬تجمعه‭ ‬كانتْ‭ ‬ترى‭ ‬فيه‭ ‬خطوةً‭ ‬نحو‭ ‬كرامتها‭.‬

لم‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬ذلك‭. ‬تعلمتْ‭ ‬أيضًا‮ ‬‭ ‬الأشغال‭ ‬اليدوية،‭ ‬وصارت‭ ‬تبيع‭ ‬ما‭ ‬تصنعه‭ ‬بيديها‭.‬

وذات‭ ‬يوم‭ ‬سمعتْ‭ ‬أن‭ ‬المجلس‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬منطقتها‭ ‬يفتح‭ ‬باب‭ ‬التدريب‭ ‬لربات‭ ‬البيوت‭ ‬لدعم‭ ‬المشروعات‭ ‬الصغيرى‭. ‬لم‭ ‬تتردَّد‭.‬‭ ‬تقدمت‭ ‬للدورة،‭ ‬وكانت‭ ‬من‭ ‬أكثرهن‭ ‬اجتهادًا‭ ‬وتميزًا‭.‬

هناك‭ ‬بدأتْ‭ ‬نقطة‭ ‬التحوَّل

بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الدورة،‭ ‬حصلت‭ ‬‮«‬فاطمة‮»‬‭ ‬على‭ ‬فرصة‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬المركز،‭ ‬وبدأت‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬البازارات‮»‬‭ ‬الخيرية‭ ‬لعرض‭ ‬منتجات‭ ‬النساء‭. ‬كانت‭ ‬تسهر‭ ‬الليالي‭ ‬لتجهز‭ ‬أكبر‭ ‬كمية‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬‮«‬البوريك‭ ‬والهريسة‮»‬،‭ ‬والمشغولات‭ ‬اليدوية‭.‬

شيء‮ ‬‭ ‬فشيء‭ ‬‮…‬‭ ‬بدأ‭ ‬اسمها‭ ‬يعرف

فتح‭ ‬لها‭ ‬مكتب‭ ‬التنمية‭ ‬المجتمعية‭ ‬أبوابًا‭ ‬جديدة،‭ ‬وازداد‭ ‬نشاطها،‭ ‬حتى‭ ‬تحسنت‭ ‬ظروفها‭ ‬وتم‭ ‬تعيينها‭ ‬رسميًا‭ ‬في‭ ‬المركز‭. ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬المكسورة‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬بيتٍ‭ ‬مليء‭ ‬بالظلم‮…‬‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬امرأة‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭.‬

كبر‭ ‬أطفالها،‭ ‬ودخلوا‭ ‬المدارس،‭ ‬وصارت‭ ‬‮«‬فاطمة‮»‬‭ ‬تحلم‭ ‬بشيء‭ ‬أكبر‭.‬

بدأتْ‭ ‬تدخر‭ ‬المال‮…‬‭ ‬دينارًا‭ ‬فوق‭ ‬دينار‭. ‬استأجرتْ‭ ‬بيتًا‭ ‬أفضل،‭ ‬ثم‭ ‬اشترتْ‭ ‬قطعة‭ ‬أرض‭ ‬صغيرة‭. ‬لم‭ ‬تنتظر‭ ‬مقاولين‭ ‬ولا‭ ‬مشاريع‭ ‬ضخمة؛‭ ‬كانت‭ ‬تبني‭ ‬غرفة‭ ‬صغيرة‭ ‬كلما‭ ‬توفر‭ ‬المال‭.‬

حوش‭ ‬صغير‭ .. ‬لكنه‭ ‬بني‭ ‬بعرقها‭ ‬وكرامتها‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬طوّرت‭ ‬عملها‭. ‬عرضت‭ ‬منتجاتها‭ ‬عبر‭ ‬صفحات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وازداد‭ ‬الطلب‭ ‬عليها‭. ‬قدمت‭ ‬على‭ ‬قرض‭ ‬صغير،‭ ‬واشترت‭ ‬سيارة‭ ‬تساعدها‭ ‬في‭ ‬توصيل‭ ‬الطلبات‭.‬

وهكذا‭ ‬تحوّل‭ ‬مطبخ‭ ‬صغير‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‮…‬

والمشروع‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬رزق‮…‬

ومصدر‭ ‬الرزق‭ ‬إلى‭ ‬قصة‭ ‬نجاح‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬‮«‬فاطمة‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬امرأة‭ ‬تكافح‮…‬‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مدربة‭ ‬تساعد‭ ‬نساء‭ ‬أخريات‭ ‬على‭ ‬بدء‭ ‬مشاريعهن‭.‬

صار‭ ‬اسمها‭ ‬معروفًا‭ ‬في‭ ‬مجتمعها،‭ ‬وكسبت‭ ‬احترام‭ ‬النَّاس‭ ‬وثقتهم‭.‬

وفي‭ ‬يومٍ‭ ‬ما،‭ ‬وقفت‭ ‬‮«‬فاطمة‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬بيتها‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬بنته‭ ‬بيديها،‭ ‬ونظرت‭ ‬إلى‭ ‬أطفالها‭ ‬وهم‭ ‬يكبرون،‭ ‬وقالت‭ ‬في‭ ‬قلبها‭:‬

‭)‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الطريق‭ ‬سهلا‮…‬‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬يستحق‭(. ‬

العبرة

قصة‭ ‬‮«‬فاطمة‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬حكاية‭ ‬امرأة‭ ‬واحدة‮…‬‭ ‬بل‭ ‬رسالة‭ ‬لكل‭ ‬امرأة‭ ‬ظُلِمتْ‭ ‬أو‭ ‬كُسِرَتْ‭ ‬يومًا‭.‬

قد‭ ‬يسلبك‭ ‬الناس‭ ‬أشياءً‭ ‬كثيرة‮…‬

لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬أن‭ ‬يسلبوا‭ ‬منك‭ ‬الإرادة‭.‬

ومَنْ‭ ‬تملك‭ ‬الإرادة،‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يحوّل‭ ‬الألم‭ ‬إلى‭ ‬قوة،‭ ‬والضعف‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬جديدة‭.‬

‮«‬فاطمة‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تنتصر‭ ‬على‭ ‬طليقها‮…‬

بل‭ ‬انتصرت‭ ‬على‭ ‬اليأس‭.. ‬وهذا‮…‬‭ ‬أعظم‭ ‬انتصار‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى